الحنين إلى الكتاب والكتابة

لا أذكر آخرة مرة تناولت فيها قلما وورقة؛ وكتبت أحرُفا وكلمات؛ تقديري أن السنتين والنصف السنة كانتا هي مدة هجري للكتابة، ومهما حاولت أن أُترجم شعوري الذي يملأ الآن أعماق نفسي إلى كلام مكتوب، فلن يبلغ المعاني المعبرة عن تلك المشاعر أدق تعبير، فما أشعر به هي حسرة أحس بها ثقيلة على القلب، وتـُحدث غُصة في الحلق وتحبس عني أنفاسي، فيضيق بي المكان...

إلى هذا الحد أكون قد أسررت كربي، فكان هذا تنفيسا علي؛ هي إذن حسرة على ما فرّطت فيه.

فأحنّ إلى أيام خلت ليست كمثل هذه الأيام ، فقد راكمت الأيام من الأحداث مالم يكن في الـحُسبان، وما لم تكن النفس لترغب فيها، ولكنها قدر كانت خيرا أو شرا؛كنت أكتب فأجد سعادتي وكلماتي منشورة يقرأها نفر من الناس، والفرق بين أحلامي ورغباتي في تلك الأيام، وبين نفس مَضطربة لاتستقر على حال لرجل تتقدم به السنون؛ لم يبلغ ماكان يرمي إليه، كان شيئا يتراءى له في الأفق؛ قد يكون حيا أو سرابا.

 أحد من الذين تلتقي بهم في مدارج الحياة، وتجمعه بك معرفة محدودة في مَسلك اكتساب الرزق، ويَعْرفُك حق المعرفة، ويقف على آمالك وميولك ويستحسنها؛ شخص على خُلق حسن، رمى به الزمن في أحضان أسرته الصغيرة في حي فقير، أُجبر تحت حكم جائر صادر عن المحكمة؛ على إخلاء بيت الوالدين؛ قاضاه فيه أخوه من أبيه وأمه؛ سألته يوما: «أما زال على قيد الحياة أقارب لك؟»؛ أجاب: «كلهم ماتوا كان آخرهم أخت لي توفيت منذ سنين عدة»؛ يسألني من حين لآخر: « كيف حالك مع الرفيق؟».

يقصد بالرفيق الكتاب، كان يراني وبرفقتي كتاب أقرأه، فلم يعد يراني مع رفيقي هذا، سألني آخرة مرة بنفس السؤال الآنف الذكر وفي نظراته عتاب، في تلك المدة كنت قد هجرت الكتاب كما هجرت الكتابة.

من الأسباب المباشرة التي تحول بين عاشق الكتابة أن يكتب؛ هي أنه يمارس عملا لا صلة له بميدان الكتابة وبناتها من الأفكار؛ يكسب به قوت أفراد أسرته، أيمكن أن يتعيش الكاتب بكتاباته في عصر أصبحت القراءة حنينا وحلما يُصاحب الإنسان في غادته ورواحه؟ والأوقات الرسمية والمواعيد تستحثُّه، أيجد الكاتب فُسحة ومكانا قصيا لاجلبة فيه ولاضوضاء كي يخلو بنفسه، حتى يستطيع تدقيق معلوماته، وصياغة أساليب بليغة ومعان رشيدة؟

إن جلسة واحدة في يوم من أيام العطلة أمام التلفاز أو أمام الحاسوب، أو تحديقا في الهاتف المحمول؛ تأكل من ساعات ذلك اليوم مدة زمنية تزيد عن ساعة، فلو تصفح ذلك الذي يركن إلى هذه الأجهزة المغرية بأشكالها وألوانها، وبأزرارها الطيعة والناعمة الملمس؛ خلال ساعات لبُهت، فقد صرف وقتا قد يكون في غير طائل.

إن الذين حافظوا على علاقة وطيدة ودائمة مع القراءة والكتابة؛ وهم قِلّة يُشاطرونني رأيي هذا: فإنهما أي القراءة والكتابة تبعثان الحياة في الإنسان، فهو يـَحيى ولا يموت تحت ضربات الفراغ والانشغالات اليومية الروتينية؛ تُشعِره بأنه ما يزال طفلا يحلم، وشابا يتهيأ للمغامرة، وكهلا خبر الحياة وعركها، فينثر ما هو صائب من الحلول والأفكار؛ بعزم وثقة نفس.

أشاهد الناس وهم يدبون دبيب النمل في ذهاب وإياب، وفي أَخلادهم أنهم أحياء وهم أموات؛ هل الآلة التي تعمل ببرمجة معينة فيها حياة؟ فهي تتحرك بإرادة شخص ما، وهذا نفسه مات ضميره وتحجر قلبه؛ بل لا خُتِم على قلبه، فلا إحساس بالذنب ولا شعور بالتقصير أو بالواجب؛ يبسط يديه لتغرف من الآلة؛  مما تنتجه هذه الأخيرة من الطبيعة، وتصُبُّه مالا في كفيه صبا، وإذا أصاب الآلة عَطَب اِستبدلها بأخرى حديثة الصنع ومتقدمة في خيارات عطائها؛ تعمل تُروسها وعناصرها الميكانيكية بإيقاع مُتناغم؛ ذو رنات تُطرِب ذلك الشخص المتعطش دائما إلى المال.

أنت تستشعر حريتك في اختيار ما تقرأ، وأنت في كامل صفاء ذهنك وحريتك؛ وعندما تُمسك بالقلم وتكتب على سجيتك، وما يحلو لك من أفكار؛ سواء رضي الناس عليها أم لم يرضوا.

فكذلك أستشعر حريتي في مكتبتي وعلى مكتبي؛ أقرأ ما أرغب فيه، وأكتب ما أستسيغه من أفكار وما يحلو لي من معان، وما يلذ لي من أساليب.

فإني أُشبه من يسعى وراء مسؤولية القبض على زمام الأمور في جماعة ما، فما مدى تمتعي بحرية اتخاذ القرار وأمْرُ هذا القرار يتعلق بأفراد تختلف رغباتُهم ومصالحهم؟

على أي حرية نتكلم ونحن حبيسو الحيطان التي تُقام على أساس تصميم؛ لا يُنفّذ إلا بمصادقة السلطات المحلية، وبين شوارع وأزقة مرسومة على الشكل الذي يريدونهم هم وليس نحن، فهم يعرضون سنتيميترا مربعا من الأرض للبيع، أو من البحر أو من الغابة؛ أُنيطوا بمهمة التعمير وإقامة صروح من الإسمنت، فابتلعوا خضرة أراض واسعة من الغابات، ورمال امتدادات الشواطئ؛ يكونون بهذا قد افتضوا عذرية الطبيعة، وخربوا سطوحها الخصبة. وقضوا على النيات الحسنة، والسذاجة المحمودة في جانبها الإيماني بالله تعالى.

نشيّع في هذا العصر جثمان البيئة والكتاب والكتابة ورومانسية قرنين مضيا.

وأنقل إلى هذه الصفحة كلاما يُثير الشفقة والكآبة، وهو ما خطه كاتب من القطر العربي المصري؛ طويل الباع في مجال الكتابة، وما دام هو كذلك فله رأي في مصير الكتاب، فقد قال، وحسب ما بدا له بأن نودع القراءة، وقال بالحرف: «الفرق بين الكتاب والمرأة، أن الكتاب لا يبحث عمن يقرأه إذا ما هجره صاحبه». وهناك من رأى أن الشبكة العنكبوتية لم تسلب الكتاب مكانته؛ بل دعمته بأن أصبحت معروضة عناوينه على الصفحات الإلكترونية، وقابل للشراء عن طريق العناوين الإلكترونية وبطاقات الائتمان؛ بمختلف برامج القراءة والتحميل.

وأرى من جهتي أن الكتاب سيظل بشكله يُغري بالقراءة، وستظل الكتابة بمختلف أنماطها وأشكالها ومضامينها تستهوي فئات من الناس، ولن يجف مداد الأقلام إلا بجفاف العقول نفسها، وسبب علتها هو التهالك على الملذات المادية، أما القراءة والكتابة فهما غذاء للروح والعقل معا.   

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.