حملة القائد أنطونيوس على الفرثيين سنة 36 ق.م

تذكر المصادر أن الملك الفرثي أرد الأول بعد مقتل ولده باكروس تخلى عن العرش لأكبر أبنائه فرهاد الرابع Phraates IV 37- 2 ق.م، وقد استهل الملك الجديد عهده بالتخلص من إخوته المنافسين له في الحكم.

وكذلك من أبيه الملك أرد الأول الذي لامه على تصرفاته تلك، ولم ينج من قسوته الأمراء والقادة في البلاط، ما دفعهم إلى الهرب، وكان من بينهم القائد مونازس Monaesis، الذي فر إلى القائد الروماني أنطونيوس الذي كان في مصر في ذلك الوقت.

وشجعه على مهاجمة الملك الفرثي فرهاد الرابع، لا سيما أن الفرثيين غاضبون على ملكهم ومستعدين للثورة عليه نتيجة لسياسته الاستبدادية، ثم إن القائد أنطونيوس نفسه كان عازمًا على أن يقود شخصيًا حملة كبيرة يفتح بها بلاد الفرثيين، لتكون لنفسه ولملكته كليوباترا السابعة التي تزوجها سنة 37ق.م إمبراطورية كبرى في الشرق.

ويبدو أن الملك الفرثي فرهاد الرابع أدرك خطأ لجوء أحد قادته البارزين إلى القائد أنطونيوس، فطالبه بإعادة مونازس إلى بلاده، ولم يمانع الأخير في عودته.

وتظاهر بأنه يريد عقد معاهدة صداقة مع الملك فرهاد الرابع، ولذلك طلب منه وعن طريق قائده -أي قائد الملك الفرثي فرهاد الرابع- مونازس أن يعيد الفرثيون له ما استولوا عليه من الأعلام الرومية وكذلك إطلاق سراح جميع الأسرى.

اقرأ ايضاً ما لا تعرفه عن الحروب الفرثية والسلوقية

كيف استعد القائد الروماني أنطونيوس للحرب؟

وفي الواقع أن القائد الروماني أنطونيوس أخذ يستعد للحرب، وتمهيدًا لحملته تلك أرسل سنة 37ق.م قائده كانديوس إلى أرمينيا، فحارب ملكها أرتافاردس الثالث وألزمه بالتخلي عن حلفه وصداقته التي أبرمها مع الفرثيين سنة 53ق.م. والتحالف بدلًا من ذلك مع الرومان وإمدادهم بقوات لمساعدة الحملة التي سيخرج بها ضد الفرثيين.

وبعد أن أعد القائد أنطونيوس جيشًا مكونًا من 100 ألف مقاتل روماني و13 ألف مقاتل أرمني ضمهم إليه ملك أرمينيا أرتافاردس الثالث، مع ما يتطلبه ذلك الجيش الكبير من المؤن وآلات الحصار، قرر مهاجمة الفرثيين.

ويبدو أنه -أي القائد أنطونيوس- قد درس حملة القائد الروماني كراسوس واتعظ من أخطائها، ولذلك تجنب مهاجمة الفرثيين من جهة الفرات، وقرر بعد أن أشار عليه ملك أرمينيا بذلك مهاجمتهم من جهة الشمال.

أي عن طريق أرمينيا؛ لأنه في هذه الحالة سيكون في مأمن من أن يتعرض لهجمات الفرسان الفرثيين؛ لأنه يحارب في منطقة جبلية صعبة المسالك، ثم إن ذلك سيؤمن له السيطرة على المناطق الشمالية للدولة الفرثية، وأقنعه بأن قوات الجيش الفرثي جميعها متمركزة في نواحي الفرات، إذ توقعوا أن يكون هجوم الرومان عليهم من تلك الجهة.

اقرأ ايضاً استيلاء الفرثيين على سوريا سنة 40ق.م واستعادة الرومان لها

متى بدأ القائد أنطونيوس الهجوم على الأراضي الفرثية؟

وبالفعل بدأ القائد الروماني أنطونيوس في صيف سنة 36 ق.م هجومه على الأراضي الفرثية من جهة الشمال، فتمكن من التوغل فيها حتى وصل إلى أتروباتين الجبلية، وعندها قسم جيشه إلى قسمين، قسم منـه بقيـادة قائده ستاتيانوس Statianus أوكل إليه مهمة تعقب ومطاردة الفرثيين الفارين من مدينة فراسبا Phraaspa تخت سليمان عاصمة أتروباتين، التي توجه نحوها هو بنفسه على رأس القسم الأكبر من جيشه لمحاصرتها والاستيلاء عليها.

أما الملك الفرثي فرهاد الرابع فقد استفاد من ذلك الانقسام فهاجم القسم الأول، أي القسم الذي يقوده القائد الروماني ستاتيانوس، وأوقع به الهزيمة، ويذكر أن عدد من قتل من الجيش الروماني بلغ 10 آلاف مقاتل.

وعندما علم الملك الفرثي فرهاد الرابع من جواسيسه أن القسم الأكبر من الجيش الروماني الذي يقوده القائد أنطونيوس قد توجه نحو فراسبا عاصمة أتروباتين، وأنه أوعز إلى فرقتين من جنوده الذين يحملون آلات الحصار وهدم القلاع اللحاق به.

قرر -أي الملك فرهاد الرابع- مهاجمة الفرقتين من الخلف ليحول بينها وبين الجيش الرئيس الذي يقوده القائد أنطونيوس، وبالفعل هاجم الجيش الفرثي هاتين الفرقتين وتمكن من تدمير جميع الوسائل والمعدات الحربية التي كانوا يحملونها معهم لمحاصرة العاصمة فراسبا.

اقرأ ايضاً حرب بيروسيا الفوضوية في إيطاليا عام 41 ق.م

ماذا فعل القائد أنطونيوس بعد تدمير الفرثيين للمعدات الحربية ؟

وقد ذعر القائد أنطونيوس لما سمع ما حل بجيشه، وأدرك حَرَج موقفه وصعوبة مواصلة الحصار على المدينة، وما يمكن أن يحدث بسبب ثلوج الشتاء ونقص الرجال والمؤن، لا سيما أن حليفه ملك أرمينيا قد خيب آماله.

إذ إنه ترك الجيش الفرثي ينقض على قوافل المؤن والإمدادات العسكرية الرومانية ويعملون فيها تخريبًا ونهبًا، ولذلك قرر التخلي عن مواصلة حملته والعودة بقواته إلى أرمينيا.

ولكي يكون في مأمن من هجمات الفرسان الفرثيين سلك طريق جبال تبريز شمال غرب إيران، إلا أن البرد الشديد وقلة المؤن والماء ومشقة الطريق أنهكت قوى جيشه، فيذكر أنه خلال الأيام الـ27 من تركه العاصمة فراسبا حتى وصوله إلى نهر أرس على الحدود الأرمنية فقد ما يقارب 24 ألف نفر من جيشه.

وهكذا انتهت حملة القائد أنطونيوس بالفشل ودون أن يجني أي ثمار ومنافع، وثبت له أن الفرثيين يمتلكون القوة والقدرة للدفاع عن أراضيهم، وتبين له أن الأرمن كانوا مستعدين لإقامة علاقة صداقة ومودة بالرومان من أجل المحافظة على استقلالهم، ولكنهم ليسوا بالصديق الذي يمكن الاطمئنان إليه والاعتماد عليه، فهم لا يترددون بالتضحية بتلك الصداقة إذا ما تعارضت مع استقلال بلادهم والتجاوز على أراضيهم. 

وبعد أن دخل أنطونيوس أرمينيا لم يجرؤ على توجيه أي اتهام إلى ملكها أرتافازدس الثالث أو اتخاذ أي إجراء ضده، بل استرضاه، ولعله كان مضطرًا لذلك كي يريح جنوده ويؤمن احتياجات عودتهم إلى سوريا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة