حملة الإمبراطور تراجان على العراق

بعد أن ثبَّت الإمبراطور تراجان النفوذ الروماني في أرمينيا، وبعد أن اطمأن أن مؤخرته أصبحت في مأمن من الهجمات التي قد يقوم بها الفرثيون.

اقرأ ايضاً الملك آسرحدون ينظم جيشه

ماذا فعل تراجان بعدما ثبّت النفوذ الروماني في أرمينيا؟

قرَّر الزحف جنوبًا باتجاه العاصمة طيسفون لتحقيق الهدف الذي طالما سعت إمبراطوريته إلى تحقيقه وهو التوسع والسيطرة على أراضي الشرق الأوسط من جهة، ووضع يدها على المنفذ الرئيس لتجارة الشرق وهو طريق العراق من جهة أخرى.

في بداية سنة 115 ترك الإمبراطور تراجان أرمينيا وتوجَّه جنوبًا باتجاه العاصمة طيسفون، فاستولى على ماردين ونيسيبيس (Nisibis) (نصيبين) ثم تقدم باتجاه أدسا.

ويذكر أن ملكها أبجر السابع الذي لم تذكر المصادر سنوات حكمه لما سمع باقتراب الإمبراطور تراجان نحو بلاده سارع إلى استقباله بالهدايا النفيسة تعبيرًا عن الخضوع له، وهذا يعني أن مدينة أدسا استسلمت له طوعًا.

ويبدو أن الإمبراطور تراجان رغب في أن تحتذي مدن الجزيرة الفراتية حذو الملك أبجر السابع في الاستسلام والخضوع له، فأرسل في طلب حاكم مدينة سنكارا (Singara) (سنجار) الذي تسميه المصادر معنو (Ma’nu) أي (معن)، لكن الأخير لم يلب طلبه على الرغم من علامات الود التي أظهرها له، وذلك لأنه خاف أن يقبض عليه، ودفعه ذلك الخوف إلى الهرب، فدخلها الإمبراطور دون مقاومة تذكر.

اقرأ ايضاً الملك آسرحدون وبديله والمنجمون

لماذا لقب مجلس الشيوخ الإمبراطور تراجان بلقب بارثيكوس ؟

ونتيجة لانتصاراته تلك التي لم تُرق فيها الدماء لقَّبه مجلس الشيوخ الروماني بلقب بارثيكوس (Parthicus) أي فاتح بارث.

ولما أوشك صيف سنة 115م على الانتهاء ترك في مدينة نيسيبيس فريقًا من المهندسين ليبنوا له سفنًا يعبر بها نهر دجلة، ورجع هو نفسه ليقضي فصل الشتاء في أنتيوخيا.

وأثناء إقامته فيها وفي الثالث والعشرين من شهر كانون الثاني سنة 115م حدث زلزال مدمر يقال إنه أهلك ثلث المدينة، وكاد الإمبراطور تراجان أن يفقد حياته فيه، واضطر إلى أن يعسكر في ساحة لسباق الخيل.

على أن تلك الكارثة لم تمنعه عن مواصلة حملته باتجاه العاصمة طيسفون؛ ولذلك سار في ربيع سنة 116م إلى (نصيبين) وأمر أن تحمل القوارب التي صنعت فيها على عربات إلى جزيرة بازبدى، وقد مكنته تلك القوارب من عبور نهر دجلة والوصول إلى كوكميلا التي لم تقوَ على مقاومته.

فاستسلمت له كما استسلمت له مملكة أديابين التي فرَّ عنها ملكها، وبدلًا من أن يزحف مباشرة إلى العاصمة طيسفون فإنه عبر نهر دجلة واتجه غربًا قاطعًا الصحراء المقفرة التي تفصل بين النهرين جنوبي الموصل مارًّا بمدينة الحضر، وبعد أن قدَّمت ولاءها واعترفت بسيطرته تركها ووصل إلى نهر الفرات، فاتصل بأسطول ثانٍ كان قد انحدر في النهر في أثناء ذلك فأقلع به إلى مدينة بابل.

وقد بقي الملك الفرثي خسرو في كل ذلك الوقت يراقب الأحداث عن كثب، ولما تبين له أن الإمبراطور تراجان صار على مقربة من عاصمته طيسفون هرب عنها تاركًا عرشه وكنوزه وأفرادًا من عائلته، ومنهم ابنته التي أرسلها الإمبراطور تراجان مع التاج الفرثي الذهبي وغيره من الكنوز إلى أنتيوخيا.

وتبرر المصادر الفارسية هرب الملك الفرثي خسرو بأنه نوع من الاستراتيجية الدفاعية القائمة على الكر والفر، وأن الملك خسرو قصد بهروبه سحب تراجان وقواته إلى داخل العاصمة طيسفون، ثم ما يلبث أن يهجم عليها بصورة مفاجئة.

وبعد أن استولى الإمبراطور تراجان على العاصمة طيسفون دون مقاومة تذكر مخر نهر الفرات جنوبًا حتى وصل إلى الخليج العربي، ويذكر أنه رأى فيه فيه سفنًا تقلع إلى الهند فتأسف على كبر سنه وتمنَّى لو أنه كان شابًّا لسار إلى هناك وحقَّق ما حققه الإسكندر المقدوني من فتوحات.

كان الإمبراطور تراجان أول وآخر إمبراطور روماني يصل الخليج العربي، وبذلك الوصول تحقَّق هدفه في جعل الطريق من البحر المتوسط نحو الشرق الأقصى مفتوحًا.

غير أن الإمبراطور تراجان لم يكد يقطف ثمار حملته الخاطفة تلك التي كانت أشبه ما تكون بنزهة لقواته منها إلى حرب معلنة للسيطرة حتى سمع في السنة ذاتها بأنباء مهاجمة جيش الملك الفرثي خسرو للقوات الرومانية في جميع المناطق التي أخضعوها.

اقرأ ايضاً دبلوماسية الملك آسرحدون في حياته الإدارية

كيف قسم الملك الفرثي خسرو جيشه ؟

ويذكر أن خطة الملك الفرثي خسرو انطوت على تقسيم جيشه إلى ثلاث فرق تهاجم القوات الرومانية من ثلاث جهات:

الفرقة الأولى: أوعز قيادتها إلى ابنه بارتامازيريس وأوكل إليه مهمة مهاجمة القوات الرومانية الموجودة في ميديا وأرمينيا وأديابين.

والفرقة الثانية: التي أوعز بقيادتها إلى أخيه مهرداد كانت مهمتها مهاجمة القوات الموجودة على طريق الفرات وقطع أي اتصال بينها وبين القوات الموجودة في سوريا.

أما الفرقة الثالثة التي يقودها هو فقد تقرر أن تركز في هجومها على العاصمة طيسفون. ويبدو أن هجمات الفرثيين كانت من القوة بحيث إنها أوقعت الهزائم في صفوف الرومان وأفقدتهم ما حصلوا عليه من الغنائم.

أسرع الإمبراطور تراجان بالعودة إلى العاصمة طيسفون، وقد استفاد من وفاة مهرداد أخي الملك الفرثي خسرو والخلاف الذي حصل بين ابنه سنتروك الذي تولى قيادة الجيش بدلًا عنه وبين ابن الملك الفرثي بارتامازيريس.

فأوعز إلى قائديه كلاروس (Clarus) ولوسيوس كويتوس (Lusius Quietus) بإعادة إخضاع المناطق التي سيطر عليها القائدان الفرثيان، فتمكَّنا بعد معارك عدة من إعادة أرمينيا إلى تبعية الدولة الرومانية، وتعرضت إلى النهب والحرق والتدمير كل من سلوقية و(نصيبين) وأدسا. 

اقرأ ايضاً بناء آسرحدون معابده الدينية

ماذا قرر تراجان بعد إعادة أرمينيا إلى تبعية الدولة الرومانية؟

وبعد ذلك الانتصار وخوفًا من أن يتعرض إلى هجوم جديد من قبل الفرثيين، قرر الإمبراطور العودة إلى بلاده، لكنه أراد تأكيد تبعية ملك الفرثيين له، لذلك استمال إلى جانبه بارتامازيريس ابن الملك خسرو ونصَّبه على عرش السلطنة في طيسفون.

وتأكيدًا لتلك التبعية سكَّ نقودًا نقش عليها عبارة (Rex Parthis dtus) (بادشاهي اعطايي به بارث) أي حكومة بارت العطائية.

وبعد ذلك التنصيب عاد الإمبراطور تراجان إلى سوريا، وقبل وصوله إليها عرج على مدينة الحضر فضرب عليها حصاره محاولًا إخضاعها، فاستغل الملك الفرثي خسرو ذلك الانسحاب وعاد في ربيع سنة 116م إلى طيسفون وتمكَّن من استعادة سلطته عليها بعد أن فر عنها ابنه بارتامازيريس إلى الرومان.

كما تمكَّن من استعادة سيطرته على المناطق الجنوبية من أرض الجزيرة الفراتية، أما المناطق الشمالية منها وكذلك إقليما أديابين وأرمينيا فلم يتمكن من استعادتها إلا بعد وفاة الإمبراطور تراجان سنة 117م.

ما نتائج حملة الإمبراطور تراجان في السيطرة على العراق؟

إن حملة الإمبراطور تراجان وإن فشلت في السيطرة على أرض العراق، لكنها أثمرت عن نتائج مهمة. فمن جانب فقد نجحت إلى حد ما في تحقيق حلم الدولة الرومانية في السيطرة والإشراف على طرق التجارة المارة بمناطق النفوذ الفرثي، ومن جانب آخر كشفت عن ضعف الدولة الفرثية وولَّدت لدى الأباطرة الرومان من بعده فكرة غزو العراق المركز الرئيس لتوزيع منتجات التجارة الشرقية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة