إذا كانت قضية التحرش الجنسي بالأطفال تُعد من القضايا بالغة الخطورة، فإن الأمر يزداد خطورة وحساسية عندما يتعلق بذوي الاحتياجات الخاصة، سواء كانت إعاقتهم بسيطة أو شديدة، خاصة أن هذه الفئة من الأطفال تتسم بالضعف وصعوبة التعبير عمَّا قد يتعرضون له من انتهاكات. ومن بين هؤلاء الأطفال، تبرز فئة المصابين بالتوحد.
في هذا المقال نسلط الضوء على إستراتيجيات عملية لحماية الأطفال المصابين بالتوحد من الانتهاكات الجنسية، وتعليمهم الخصوصية والحدود الشخصية بأدوات بصرية وألعاب تعليمية، مع التركيز على التوعية المبكرة ودور الأسرة في الوقاية والتوجيه.
لا شك أن مساعدة الأطفال المصابين بالتوحد على التعرُّف على أجسامهم من شأنه أن يساعدهم على الشعور بالراحة تجاه أنفسهم وأجسامهم، فضلًا على أن التعرُّف على أجزاء الجسم الخاصة والعامة يساعد الأطفال المصابين بالتوحد على فهم سلوكهم الخاص والعام. كذلك، التعرُّف على الحدود الشخصية وأنواع اللمس المختلفة بالنسبة لهؤلاء الأطفال هو جزء من التعرُّف على أجسامهم.
يمكن للدعم البصري والقصص الاجتماعية مساعدة الأطفال المصابين بالتوحد على التعرُّف على أجسامهم وحدودهم الشخصية، فالصورة والحكاية أدوات فعالة لتعزيز وعي طفل التوحد بجسده.
إستراتيجيات تعليمية فعالة لأطفال التوحد
يساعد تعلُّم الأجسام وأجزاء الجسم المختلفة الأطفال المصابين بالتوحد على فهم أجسامهم والشعور بالراحة تجاهها.
يمكنك استخدام هذه النصائح لمساعدة طفلك المتوحد على تعلم جميع أجزاء جسمه:

- حسن استغلال المواقف الحياتية اليومية.. على سبيل المثال، يمكنك تعريفه بأسماء أجزاء الجسم في أثناء استحمامه أو في أثناء مساعدته على ارتداء ملابسه.
- الاطلاع على الكتب أو التسجيلات الصوتية أو المرئية.. يمكنك استخدام الصور والفيديوهات لمساعدة طفلك على تعلم أسماء أجزاء الجسم.
- الأغاني المحببة لطفلك.. أغاني مثل «الرأس، الكتفان، الركبتان، أصابع القدم» طريقة ممتعة للأطفال لتعلم أجزاء الجسم.
- اللعب وسيلة تعليمية.. يمكنك تحويل تسمية أجزاء الجسم إلى لعبة يستمتع بها طفلك، مثل الدغدغة. على سبيل المثال، «سأدغدغ أصابع قدميك!» هذه الطريقة من شأنها مساعدة الطفل على ربط اللمس بالكلمة، ما يزيد الفهم الحسي واللغوي للطفل معًا.
- استخدام دمى بأجزاء جسم واقعية.. يمكنك تسمية أجزاء الجسم في أثناء اللعب مع طفلك بدمى أقرب للواقع.
- الرسم والتلوين.. قد يستمتع طفلك بتلوين الصور أو رسم أجزاء مختلفة من الجسم في أثناء تسميتها معًا. استخدم الدعم البصري والقصص الاجتماعية.
كيف نُعرِّف طفل التوحد على أعضائه التناسلية؟
عندما يتعلم الأطفال المصابون بالتوحد عن جميع أجزاء أجسامهم، يُسهِّل ذلك عليهم التعرف على أعضائهم التناسلية. إذا عرَّفتَ طفلكَ بأسماء الأعضاء التناسلية مع أجزاء الجسم الأخرى والتعبير عنها بأسماء لطيفة، فسيتعلم أنها أيضًا أجزاء من الجسم، تمامًا مثل أصابع القدمين والذراعين.
من الأفضل استخدام مصطلحات رسمية مثل «الفرج» أو «القضيب» عند الحديث عن الأعضاء التناسلية. ولكن من الجيد أيضًا تعريفه بأسماء غير رسمية لأجزاء الجسم - على سبيل المثال، «أثداء». قد يسمع طفلك هذه الكلمات في المدرسة أو في أماكن أخرى.
الفرق بين أجسام الأولاد والبنات.. كيف نشرحه لطفل التوحد؟
إن تعلُّم الاختلافات بين أجسام الأولاد والبنات وكيف تتغير الأجسام مع النمو يساعد الأطفال المصابين بالتوحد على الاستعداد لمرحلة البلوغ. يُعد النظر إلى الصور في الكتب بداية جيدة. فعندما تنظر إلى الصور، يمكنك أن تُظهر لطفلك الاختلافات بين الأولاد والبنات.

يمكنك أيضًا التحدث عن الاختلافات بين أجسام الأطفال والبالغين. لمعرفة كيف يتغير الناس من الطفولة إلى البلوغ، يمكن لطفلك أن ينظر إلى صورك في أعمار مختلفة.
قد يصعب على الأطفال المصابين بالتوحد تخيُّل كيفية تطبيق الأشياء عليهم، لذا قد يكون من المفيد التحدث عن جسد طفلك. على سبيل المثال، «عندما تكبر، سينمو الشعر على وجهك مثل أبي».
قد يحتاج الأطفال والمراهقون المصابون بالتوحد إلى بعض الوقت لفهم أن أجسامهم ستتغير مع البلوغ. يمكنك مساعدة طفلك على التعود على هذه الفكرة بالتحدث معه والاستعداد مبكرًا، وهذه النقطة غاية في الأهمية، فقد يقع معظم الآباء والأمهات في أخطاء تتعلق بالخجل من التطرق لمثل هذه الموضوعات مع أطفالهم بالتدريج حسب المرحلة العمرية، فتكون النتيجة إما اللجوء إلى الإنترنت وإما أصدقاء السوء، ومن ثم الحصول على معلومات مشوهة.
فهم أجزاء الجسم الظاهرة والباطنة لطفل التوحد
من المهم للأطفال المصابين بالتوحد فهم الفرق بين أجزاء الجسم الظاهرة والباطنة. هذا يساعد الأطفال على فهم ما هو مقبول فعله في السر وليس في العلن. قد ترغب في البدء بفكرة العري مقابل ارتداء الملابس. وقت الاستحمام هو الوقت الأمثل للقيام بذلك، فهو يتيح لك فرصة التحدث عن متى يكون من المقبول أن تكون عاريًا ومتى تحتاج إلى ارتداء الملابس. على سبيل المثال، «لا بأس أن تكون عاريًا في الحمام أو الدش»، أو «يجب أن أرتدي ملابس عندما أخرج من غرفتي». يمكنك أيضًا استخدام الدمى أو الصور للمساعدة.
يمكنك أيضًا إعداد قائمة مع طفلك بالوقت الذي يكون فيه من المقبول أن يكون عاريًا أمام الآخرين أو الوقت الذي يكون فيه من المقبول رؤية الآخرين عارين، على سبيل المثال، عندما يغير طفلك ملابسه للسباحة. قد تكون هذه قائمة مكتوبة أو صورًا لأماكن مثل غرفة تغيير الملابس.
يمكنكما أيضًا التحدث عما هو مقبول فعله في الأماكن العامة وما يجب عليكما فعله في السر. على سبيل المثال، «عندما أذهب إلى دورة المياه، يجب أن أغلق الباب».
يمكن أن تساعد الجداول المرئية في هذا. على سبيل المثال، يمكنكِ وضع صور لطفلكِ وهو يدخل دورة المياه، ويغلق الباب، ويستخدم دورة المياه، ويغسل يديه، وأخيرًا يفتح الباب مرة أخرى ويغادر. من الجيد وضع الجدول في مكان يسهل على طفلكِ رؤيته، مثلًا بجانب مغسلة الحمام.
شرح اللمسة الجيدة والسيئة لأطفال التوحد
فهم طفلكِ للأجسام يساعده على تعلم الحدود الشخصية. الحدود الشخصية هي حدود وقواعد حول كيفية تصرفنا مع الآخرين وكيف يتصرف الآخرون من حولنا.

تشمل الحدود الشخصية قواعد حول من يمكنه لمس جسم طفلك ومتى. يمكن أن تكون «اللمسة الجيدة» و«اللمسة السيئة» طرقًا مفيدة لشرح هذه القواعد للأطفال المصابين بالتوحد.
قد يكون اللمس جيدًا أو سيئًا حسب الموقف. على سبيل المثال، قد يحتاج طبيب طفلك إلى فحص جميع أجزاء جسمه، وليس فقط الأجزاء العامة. مثال آخر هو العناق. عناق من زميل في الصف أو أحد الأقارب قد يكون مقبولًا، لكن عناق من شخص غريب غير مقبول.
كيف نشرح مفهوم الخصوصية والحدود الجسدية لطفل التوحد؟
يمكنك وضع قاعدة عامة مفادها أنه لا ينبغي لشخص أكبر سنًا لمس أعضاء الطفل التناسلية، وهي أجزاء خاصة من الجسم، دون أسباب وجيهة. قد تشمل الأسباب الجيدة الحفاظ على نظافة الأعضاء التناسلية، على سبيل المثال، عند غسل طفلك في الحمام. وقد تشمل أيضًا التأكد من سلامة الأعضاء التناسلية، على سبيل المثال، عند فحص الطبيب لطفلك.
وبالمثل، أخبر طفلك أن الشخص الأكبر سنًا لن يحتاج أبدًا إلى مساعدة في أعضائه التناسلية، على سبيل المثال، في أثناء الاستحمام أو الذهاب إلى المرحاض.
يمكن أن تساعدك الوسائل البصرية في شرح هذه الاختلافات. على سبيل المثال، يمكنك استخدام صورة عناق من صديق عليه علامة صح خضراء، وصورة عناق من شخص غريب عليه علامة إكس حمراء، كما يمكن أن تساعد الصور الواضحة للسلوك المناسب واللمس.
اللمس غير المرغوب فيه.. وكيف نعلمه لطفل التوحد؟
بعض الأطفال المصابين بالتوحد لا يحبون التلامس الجسدي، وهذا أمر طبيعي. من الجيد أن يتمكنوا من التعبير عن ذلك، حتى يفهم الجميع حدودهم ويحترموها.
إلى جانب اللمسة الجيدة والسيئة، يمكنك أيضًا تعليم طفلك عن اللمس غير المرغوب فيه. على سبيل المثال، إذا لم يرغب طفلك في عناق من أحد أقاربه، فيمكنه تعلم طرق مهذبة لقول «لا». قد يشمل ذلك مجرد قول «لا، شكرًا»، أو مد يده للمصافحة، أو رفع يده للمصافحة.
دور الأهل والمجتمع في وقاية أطفال التوحد من التحرش
إذا كنت قلقًا بشأن إهانة عائلتك وأصدقائك، فأخبرهم أنك تُعلِّم طفلك مهارات السلامة الشخصية الأساسية، بما في ذلك كيفية التعامل مع اللمس غير المرغوب فيه.

الحدود الشخصية، واللمسة الجيدة والسيئة، هي مهارات سلامة شخصية مهمة للأطفال المصابين بالتوحد، ويمكنك مساعدة طفلك المصاب بالتوحد على تعلم هذه المهارات بفضل نشاط «دائرة الأصدقاء»، دائرة الأصدقاء هي صورة تُظهر طفلك والأشخاص المختلفين في حياته.
إن حماية الأطفال المصابين بالتوحد من التحرش تبدأ بتعليمهم الخصوصية والحدود الجسدية بأساليب تتناسب مع نمطهم الإدراكي وسلوكهم الاجتماعي، استخدام الصور، القصص الاجتماعية، والألعاب الحسية يساعدهم على فهم أجسامهم والتمييز بين اللمس الآمن وغير الآمن، لا تتردد في التحدث مع طفلك مبكرًا، فالمعرفة هي خط الدفاع الأول ضد الانتهاكات، شاركنا تجاربك، وساهم في نشر التوعية لمجتمع أكثر أمانًا لأطفال التوحد.
وأنتم أعزائي القراء، شاركونا آراءكم في التعليقات أسفل المقالة: هل كانت المقالة مفيدة بالنسبة لكم أم لا؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.