النيل.. ذلك النهر العريق الخالد، الذي لم يجد أجمل من تلك المدينة ليعلن عن نهاية رحلته الطويلة بها.. رشيد.. تلك الساحرة التي تقبع على ساحل البحر الأبيض المتوسط، بنخلها الممشوق الوفير، وهوائها الناعم، وأهلها الطيبين.
وعلى طول نهر النيل ابتداءً من منبعه حتى فرع رشيد، تطلعت أحلام آلاف البشر الطيبين الحالمين بالنصف الآخر من البحر.. أوروبا.. تلك العجوز الباردة التي اعتقد كثيرون أن هناك بدايتهم الحقيقية، وأن قدمهم بمجرد أن تخطو خطواتها الأولى على أرضها ستبتسم لهم الدنيا من جديد وتغدق عليهم من أموالها ورغدها، كانت رشيد هي المحطة لهؤلاء الحالمين قبل الرحيل، وكانت أحلامهم الأخيرة هناك.
جال «س» بين تلك المنازل التي أُعدت خصيصًا لاستقبال عدد من الأفارقة، وكثير من المصريين الراغبين في الهجرة بطريقة غير شرعية لدولة إيطاليا.. كان كل منزل يضم من 40 إلى 50 مهاجرٍ، ولا يوجد اتصال بين أي منزل وآخر، لم يعلم أحد منهم سوى قليل من المعلومات التي لا يتوجب عليه معرفة غيرها.
كان «س» هناك يتنقل بين منزل وآخر، يبدو لأحدهم كالأب الحنون يزود أطفاله بالطعام والشراب قبل ذهابهم لإحدى الرحلات المدرسية، ويبدو لآخرين زعيم مافيا يدير شبكة كاملة من العهر والاتجار بالبشر.. أيًّا ما كان
يظهر لهم «س» ويجول في خاطرهم نحوه فقد كان يتأكد من بيانات الجميع، وتحصيل المبلغ المتبقي منهم.. كان المصري يدفع مبلغًا ماليًّا يراوح من 50 إلى 70 ألف جنيهٍ، وكان الإفريقي يدفع ما يقابل ذلك المبلغ بالدولار.
نعم.. كل ذلك المبلغ يدفعونه للهجرة، أحلامهم تخطت دفع ذلك المبلغ، ثم إن الهجرة العادية تتطلب حسابًا بنكيًّا ثابتًا وتداولًا ماليًا عليه، وموافقات وتأشيرات وأمورًا أخرى كثيرة لا يملكها ولا يقدر أحدهم عليها.
على كلٍّ، غالب المهاجرين يا سادة مدينون بتلك المبالغ لغيرهم، إيصالات أمانة، وعدد من الشيكات والكمبيالات، كل ذلك رصيد هؤلاء لهجرتهم.
في أحد تلك المنازل كان يقبع سامر بجوار زميله محمود، يتبادلان أطراف الحديث ويتناولان عشاءهما الذي لم يدرك أحدهما للحظة أنه عشاؤه الأخير، وحال ذلك وجه سامر لمحمود حديثه قائلًا:
- محمود أنت تعلم جيدًا أني لا أستطيع السباحة.
- ولماذا تذكر ذلك يا صديقي؟ صدقني لن نحتاج إلى شيء من كل تلك التخيلات.. لقد وعدنا «س» منذ قليل بأن المركب ستصل بنا حتى الشاطئ، ولن يضطر أحدنا للعوم من الأساس.
- وهل تثق في ذلك الأحمق الذي لم يأتِ إلينا إلا ليأخذ القسط الأخير من تلك الأموال اللعينة؟
- جميعنا نعرف أن «س» نجح في تهجير عدد كثير قبلنا، وإلا لما كنا قد قبلنا بتلك المغامرة من الأساس، ثم انظر حولك، هل يعقل أن يخاطر «س» بحياة كل هؤلاء؟
- أنت لا تعرف كم تحمل أبي ليجلب لي تلك النقود يا محمود، إن لم أرجع تلك النقود سيسجنُ أبي إن لم يمت قبل ذلك.
- قلت لك لا تقلق يا سامر، سننجح وستتغير حياتنا للأبد.
- إن حدث شيء غدًا لا تتركني.
- لن أتركك يا صديقي، لن أتركك أبدًا.
كان لكل منزل من تلك المنازل مرشد خاص بها.. في تمام الرابعة صباحًا اصطحب كل مرشد ضيوفه من المهاجرين في سرية تامة إلى حيث سيستقلِّون مراكبهم، وهناك كانت المفاجأة الأولى، تبين لكل المسافرين أنهم ليسوا وحدهم، فوجئوا بوجود أعداد غفيرة متجمعة في نقطة الالتقاء، ثم إن المراكب التي أمامهم مجرد مراكب صيد لا تصلح بالطبع لنقل بشر، وخصوصًا مع كل تلك المسافة التي سيقطعونها، كانت نظرات الذهول تكسو وجوههم جميعًا لكن أحدهم لم ينبس ببنت شفة.
المطرقة والسندان
كلهم دفعوا آخر ما يملكون من النقود التي يدركون تمامًا أنهم لن يستردوها مهما اعترضوا، كان الأمر واقعًا، وكان الواقع مرًّا، وكان حلم السفر والوصول حافزًا لتذوق تلك المرارة بشيء من الصبر.
مركبا صيدٍ صغيران، و500 بشري على متنهما، انطلقا فجرًا من رشيد من المكان الذي قضى كل هؤلاء ليلة أمس يتحدثون فيه عن أحلامهم وعن مآسيهم التي عانوها للوصول إلى تلك النقطة، عن مستقبلهم الذي تمنوه مختلفًا.
لم يعترضهم أحد، ولم يلحظهم خفر السواحل، كل شيء سار كما خطط له رغم التزاحم الشديد، ورغم كل المعاناة التي تكبدوها، اعتقدوا أن ذلك كل ما في الأمر، ولكنهم لم يكونوا على علم بأنهم على وشك تلقي صدمتهم التالية والأخيرة.
وصلت المراكب إلى عرض البحر نحو الساعة السادسة صباحًا بعد ساعتين من بداية الرحلة، وهناك وجدوا مركب صيد كبيرًا واحدًا أمامهم، وبجانبه «س» في مركب آخر خاص به.. نعم ما جال في خاطركم، هو ذاته ما تطرق إلى ذهنهم، المركب أمامهم معد لنقلهم جميعًا، بالطبع لن يتسع لنصفهم حتى، ولم يكن أمام أيٍّ منهم الاختيار حتى مع اعتراضهم.
أخبرهم «س» أن من يعترض فليعد أدراجه مع المراكب العائدة أو حتى ليلقي نفسه في البحر، وفي الحالتين لن يسترجع أحد نقوده.
صمت رهيب مملوء بالذل والإهانة، بدأ معه السماسرة في شحن هؤلاء "الغلابة" على المركب.
كان المركب مكوَّنًا من السطح، ونصف دور فوقه، وثلاجة حفظ أسماك أسفلها كما علب السردين، وشحن الناس في الثلاجة السفلية.. أولًا 100 مهاجر وُضعوا داخلها، حتى إن المسافة ما بين أحدهم والآخر لم تكن لتُرى بالعين المجردة.
وبدأ ملء المركب من الأعلى حتى وصلت إلى 390 مهاجرًا، وفي محاولة يائسة لوضع الباقين وسط صيحات التذمر التي بدأت في العلو من الجميع ومرور الوقت، اختل توازن المركبة، بالطبع كان سيختل، وبدأت في الميلان، أو بالتعبير الأدق في الغرق.
لاحظ ذلك «س» ومن معه، وأدركوا أن النهاية حانت، وفي خسة مهينة وبحركات متفق عليها فيما بينهم، أغلق أحدهم باب الثلاجة على الـ100 المحبوسين داخلها، حتى لا يثيروا مزيدًا من الهرج حال غرق المركبة، وأمروا الباقين بالقفز إن أرادوا إنقاذ أنفسهم، وأخذوا أنفسهم ومراكب الصيد الأخرى وهربوا.
نعم يا سادة، هربوا وتركوا المهاجرين في عرض البحر يواجهون الغرق والموت، المركب مال، والصرخات تعالت، وبدأ الجميع في القفز دون أدنى معرفة للخطوة التي تتلو ذلك.
ووسط كل تلك الصرخات واللعنات نادى سامر باكيًا على محمود الذي يقف على مقربة منه:
- محمود لا تتركني، لا أستطيع العوم.
نظر محمود إلى سامر وعيناه تذرف الدموع قائلًا:
- سامحني يا صديقي، سامحني.. وقفز.
كان محمود يدرك أنه إن استطاع إنقاذ نفسه فستكون تلك معجزة بالطبع.. قفز وهو لا يدرك إلى أين يذهب، كان الجميع من حوله يصارعون الموت، حتى من يدرك السباحة منهم لم يتركه التوتر ولم تجعله الرهبة حتى يتذكر كيف يعوم.
كان الوقت مريرًا وبطيئًا، وكان الأمل في أن يدركهم أحدهم أو يبلغ عن مكان وجودهم الخبيث «س» ومن معه.
ترك محمود جسده عائمًا على ظهره في محاولة منه للهدوء، حتى لا تخور قواه حفظًا لأي وقت يذكر.
بدأت الأصوات في الخفوت تدريجيًّا، وعلم حينها أن كل من حوله قد غرق، وأنه مع كل صوت يختفي تصعد روح جديدة إلى السماء.
بجانبه أسرة كاملة من أب وزوجته وطفلين، فارقوا جميعًا الحياة محتضنين بعضهم بعضًا.
جثث متفرقة لمجموعة من الأفارقة، وحال أعينهم يروي ما تعرضوا له من رعب قبل أن تفارق أرواحهم أجسادهم.
وكانت الفاجعة له حينما رأى جثة تمر بجانبه وتلمسه من جانب رأسه، وأدرك حينها أنها لصاحبه سامر وكأنه يقول له مجددًا: «لا تتركني يا محمود، لا أستطيع العوم».
انهار محمود من البكاء وهو يحاول التمسك بالجثة حتى لا تذهب بعيدًا، وبدأت قواه تنهار إلى أن جاء الفرج من بعيدٍ، أصوات الأبواق العسكرية تقترب، أدركتهم أخيرًا قوات حرس الحدود.
مئات القتلى، منهم 100 بالتمام ماتوا واقفين محبوسين داخل ثلاجة لم يستطع أحدهم التحرك حتى في محاولة إنقاذ نفسه.. قليل من الناجين الذين شردت عيونهم وشرحت لكل من نظر إليها الفاجعة التي تعرضوا لها.. تجمعات من الأهالي تنتظر في صمت ورهبة وصول جثامين ذويهم الأحياء منهم والأموات، ونظرات التمني تملأ أجفانهم، والرهبة مما هو قادم تسيطر على عقولهم.
انتُشلت الجثث جميعها في 7 أيام متتالية، وأخطروا السفارات الإفريقية بالحضور للتعرف على الجثامين الخاصة بذويهم وتسلمها، وامتلأت المستشفيات في رشيد والمراكز والمحافظات المجاورة بالجثث.
شاهدت عددًا منهم، وصورت وجوههم ليسهل على أهلهم التعرف عليهم.
لن أنسى جثمان الصغيرة التي كانت تبتسم ولا يظهر عليها أي أثر للوفاة.
لن أنسى تلك المرأة الإفريقية التي وجدت في عنقها حبلًا مربوطًا وفي آخرِه كيس بلاستيكي، فتحته ووجدت بداخله 50 دولارًا كانت تربطها بعناية، وبالطبع كانت آخر نقود تملكها تلك المسكينة.
ولن أنسى بالطبع أني شاهدت آخر جثمان عثر عليه بعد 7 أيام من البحث، وكان الجثمان كما الفيل في انتفاخه، وكما الفسيخ في تعفنه، كان المنظر صعبًا ومؤلمًا وقاسيًا بكل المعاني.
وراء كل جثة قصة وحلم.
سألنا الناجين بالطبع، كان من بينهم محمود الذي حكى ما حدث مع صديقه سامر.
آخرون حكوا روايات لا تقل أسًى وحزنًا عن رواية محمود.
أحدهم قال إن تلك ثاني محاولة له بعد فشل الهجرة الأولى، وأنه سيحاول مجددًا إن أتيحت له الفرصة، مبررًا أنه إما أن ينجح في ذلك أو يكون الموت أفضل له من البقاء في السجن بسبب ديونه.
قبض على «س» وكل من معه، وصودرت المراكب خاصتهم، وأعيد كثير من النقود التي تحصَّلوا عليها لأصحابها، وحوكموا محاكمة عاجلة.. «س» ومن معه اعترفوا بوجود سماسرة آخرين في أوروبا كانوا ينتظرون المهاجرين لتشغيلهم في معسكرات كالعبيد حال وصولهم، مقابل أكلهم وشربهم وأن هذا ما يحدث دومًا.
كان الموت ينتظرهم في كل الأحوال..
انتهت القصة هنا، ماتَ من مات وظلَّ منهم من ظل.. هؤلاء الذين سافروا أميالًا لتحقيق طموح زائف وأحلام كاذبة بهجرة غير شرعية.
هؤلاء الذين ضحوا بأرواحهم وأهانوا كرامتهم من شدة فقرهم وعوزهم واحتياجهم.. هؤلاء الذين استدانوا الأموال حتى يحققوها ويجلبوا غيرها.. هؤلاء الذين اجتمعت أحلامهم في مكان واحد وأطلقوا لها العنان.
الأحلام التي تبخرت بمجرد خروجهم من هذا المكان.. أحلام رشيد.
مؤلمة جدا وقاسية ....
ولكنها حقيقيه للأسف ومن أصعب القضايا التى قمت بتحقيقها 😔
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.