حلم الكاتب

حلم الكفيف أن يبصر، وحلم الفقير أن يغنى، وحلم العابدين أن يرضى عليهم، فما بالك بحُلم الكاتب؟ 

أداعب اللغة وتُداعِبُني نجلس معاً لنَحتَسِي أفكارنا في كأس فنجان عتيق كأن يبدو عديم اللون كمشاعرنا، جالستها طويلاً حتى فجاءتني ذات يومٍ بحمل أسميناه في ما بعد "أفكار عميقة" كان ذاك المولود الجديد يلمس ما بداخلنا أعمق مكان في القلب وأعمق ما في لا وعينا، كنّا نحبّه لأنه يمتّع عقول البشر جَاعِلٌ من خيالهم يصبح أوسع أكثر فأكثر، كانوا يجدونه "أفكار مثيرة للقراءة" لم أكن أدرك آنذاك ثقل المسؤولية التي سأتحمّلها، عِبء زوجة تدعى اللغة وابنٌ بأفكار عميقة كان ذلك شاقاً جداً، في الليل وحينما تكون السّماء صافية وخاليةً من الغيوم تمتلئ بلَآلِئِ النجوم في منتصف الليل بالضبط حينما يحلّ السكون حينما يظهر القمر متربعاً العرش فوق اللآلئ كان ينير بيت غرفتي المظلمة.

اجلس في مكتبتي وحيداً لم يكن أنِيسي إلّا قلماً وورقةً جافّة اللون وعشيقتي اللغة وابنها العاق أنا أسميه هكذا لأنه كان يأتيني ليلاً ويزعجني، لم أكن أستطيع النوم بسببه أصبحت هزيلاً كئيباً مرمياً في أقذر مكانٍ في غرفتي، لم يعد للوقت قيمته هنا ولا المال ولا حتى الأكل، أغلى كنوزي كان قلما وورقة لطختها بدمي، لم أكن أحبّ الحبر، لا يستطيع أن يوصل ما أشعر به، ما يزعجني بداخلي، ما يجعلني في أسوء حالتي وأحسنها، لذلك كنت أضع روحي في كل كتابة اكتبها فحتى إن مِتُ أنا سيبقى ما أكتبه حيّ في قلوبكم (هذا ما كنت أعتقده).

لكن البشر كائنات معقدة جداً لا يمكن أن تفهمهم بسهولة فحتى المصاحف والأناجيل لم تعُد تهزّ كيانهم فما بالك بالكُتَّابِ أمثَلُنا، قليل هم المميّزون الذين يجدون المتعة في قراءة ما أكتبه وبعضهم من يفهم الرسالة الخفية خلف كل قطعة تركتها خلفي كل قطعة كتبتها كانت جزءاً مني، أنا أنتزعني، اسْلَخُني حي، وأقتلني ببطء، من أجل أن تستمتع أنت، ولكن تنسى متعة ما قرأته وما كتبته بعد الانتهاء مباشرة، فالنسيان كان وما زال أعظم نعمة ونقمة أُعطِيتْ للبشر، ونسيان الألم من النعم لكن نسيان قطعتي أنا أعدّها نقمة كلا بل جريمة يجب أن تحاسب من أجلها.

ذات يوم كانت السّماء مشرقة لكن ما زالت غرفتي مكاناً محرماً لذلك الانبعاث لم يُقَدَّر لها قط أن تتذوق طعم النور كان ذلك حقاً صعباً أن أنظر من النافذة فأرى ما خلف الزجاج إن أردت وصف المكان فهو أقرب ما يقال إنه كان (مكاناً مشرقاً جداً، تملؤه السّعادة، ابتسامة في كل مكان، أطفال يمسكون بأيدي آبائهم ويقودونهم نحو سيارة المثلجات ومن كثرة رؤيتي لهم أصبحت متقناً لقراءة شفاههم، كان يقول أحد الأطفال "بابا أرجوك اشترِ لي بعض المثلجات" أغلقت النافذة لم يكن ذلك ممتعاً كيف لهم السّعادة ولي هذا العبء؟ هذا ما كنت أفكر فيه لكن جاءتني فكرة غريبة كأن شخصا آخر بداخلي كان يحاورني.

قال: ربما هم أيضًا يمتلكون غرفة مثلنا لكنهم يتفوقون علينا بشيء ما، هم يجدون التمثيل لذلك يستطيعون العيش في ذاك المكان المشرق أمّا نحن فلا، هم يجدون الكذب كأنه طُبع في حمضهم النووي منذ الولادة أمّا نحن فلا، هم غيّروا المال من عادة إلى عبادة أمّا نحن فلا.

سنظلّ على صِبْغتِنا التي صُبغنا عليها أول مرّة قبل أن نكون في الوجود حتى لذلك لا تعطِ للأمر اهتماماً كبيراً أكبر ممّا يستحقّ.

الكاتب يحمل عبء كتابته لذلك يجب أن يكون حذراً أثناء الهمس بأفكاره أمام أُذُنيْ القارئ، لذلك دائماً ما كنتُ أداعب اللغة برفق، واعتني بابني العاق حتى وإن لم يُعجبني ذلك، أضعكم أمامي فأنسى نفسي في الخلف كانت الوحيدة التي سألتني لماذا تتألم دائماً وكانت الوحيدة التي تَخَليتُ عنها مقابل البشر، لكن هم أيضًا تخلو عني هاه أعتقد أنها الكارما، المصائب تأتيني من كل فج عميق، ولم تعلم أنني شخص ذو جسد هزيل لا يقدر على كل هاته الضربات. 

معجب بكل شيء ، ولا يعجبني اي شيء .

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Jul 6, 2022 - .زياد الراسي
Jun 30, 2022 - مروان محمد سليمان الزملوط
Jun 29, 2022 - كاتب لايحب الكلام
Jun 24, 2022 - امال ابراهيم عبدالمولى
Jun 17, 2022 - هِبة هُشام حسان
Jun 17, 2022 - رويده احمد حاجي
Jun 17, 2022 - مبارك بيلا
Jun 10, 2022 - بتول علي حسن
Jun 10, 2022 - تسنيم طلعت شيحه
Jun 10, 2022 - زينب علاء نايف
Jun 8, 2022 - محمد مصطفى
Jun 5, 2022 - زينب علاء نايف
Jun 4, 2022 - زينب علاء نايف
Jun 4, 2022 - زينب علاء نايف
May 31, 2022 - زينب علاء نايف
May 27, 2022 - سوزان غسان محمود
May 8, 2022 - حسين فتحي
May 8, 2022 - علا نايل أبو أحمد
May 8, 2022 - علي الشامي
May 3, 2022 - كريمة عبدالله البدوي
Apr 17, 2022 - شنتوفي ملاك
Apr 16, 2022 - غنوه رزق ديب
Apr 15, 2022 - محمد سالم علي بازغيفان
Apr 12, 2022 - فريدة المحمدي
Apr 11, 2022 - مركان أم العلو
Apr 8, 2022 - جوديا
Apr 8, 2022 - محمد صغير فرج
Apr 8, 2022 - هديل عبدالرحمن
Apr 8, 2022 - قلم خديجة
Apr 8, 2022 - نوار طاهر
Apr 7, 2022 - إيمان حسن عباس
Apr 7, 2022 - نجاة ناصر عبد الحي
Apr 3, 2022 - فريدة المحمدي
Apr 1, 2022 - مركان أم العلو
Mar 23, 2022 - سوار أبيض
Mar 22, 2022 - سحابة ماطرة
Mar 22, 2022 - سحابة ماطرة
Mar 22, 2022 - سوار أبيض
Mar 21, 2022 - دعاء عبد الفتاح
Mar 19, 2022 - سادين عمار يوسف
Mar 18, 2022 - قلم خديجة
Mar 18, 2022 - قلم خديجة
Mar 16, 2022 - شيرين السيد
Mar 15, 2022 - أحمد الصانع
Mar 15, 2022 - هزار فطناسي
Mar 14, 2022 - يارا أحمد
Mar 14, 2022 - بدور بخيت السرحان
Mar 13, 2022 - شريفة تومارت
Mar 11, 2022 - ريتاج جمال الجبور
Mar 11, 2022 - رائد محمود جوابري
Mar 9, 2022 - مُحمّد عبدالمالك
Mar 9, 2022 - أنس الدباغ
Mar 8, 2022 - عمار ياسر مصطفى
Mar 7, 2022 - فرح السفاريني
Mar 7, 2022 - قلم خديجة
Mar 6, 2022 - جمال العامري
Mar 5, 2022 - مريم فاضل حسون
Mar 5, 2022 - هاجر المدودي
Mar 5, 2022 - محمد بن احمد
Mar 5, 2022 - محمد بن احمد
Feb 27, 2022 - الحسانين محمد
Feb 27, 2022 - حسين فتحي
Feb 27, 2022 - نسرين بورصاص
Feb 27, 2022 - نسرين بورصاص
Feb 25, 2022 - ڪوڪا الحسناوي
Feb 25, 2022 - امير احمد
Feb 25, 2022 - فاطمة الزهراء
Feb 25, 2022 - ذكريات الجيوسي
Feb 25, 2022 - ذكريات الجيوسي
Feb 23, 2022 - أ . عبد الشافي أحمد عبد الرحمن عبد الرحيم
Feb 23, 2022 - محمد السيد يوسف
Feb 21, 2022 - هاجر المدودي
Feb 19, 2022 - اسراء عادل يوسف
Feb 19, 2022 - محمد عمار
Feb 19, 2022 - أمل عبد المالك صعدلي
Feb 18, 2022 - يس علي عبد الفضيل
Feb 18, 2022 - ذكريات الجيوسي
Feb 18, 2022 - ايه قاسم
Feb 13, 2022 - محمد إسويطي
Feb 13, 2022 - ذكريات الجيوسي
Feb 12, 2022 - أنـــدرو نــبــيـــل
Feb 10, 2022 - بُشرى عيّاد
Feb 10, 2022 - يس علي عبد الفضيل
Feb 6, 2022 - سهيله محمد
Feb 4, 2022 - عبدالباسط صباغ
Feb 2, 2022 - قلم خديجة
Jan 31, 2022 - فاطمة الزهراء
Jan 31, 2022 - أ . عبد الشافي أحمد عبد الرحمن عبد الرحيم
نبذة عن الكاتب

معجب بكل شيء ، ولا يعجبني اي شيء .