اللقيط وطواط.. حكاية النسب المفقود وصراع العشيرة

في صحراء تحكمها قوانين الشرف والولاء، يلقي الشيخ صائل سيد العشيرة بكلمة تهز أركان الصحراء برمتها: «وطواط ليس ابني». كلمة واحدة كانت كفيلة بإشعال نار فتنة طال لهيبها الفارس «وطواط» اليد الضاربة للعشيرة الذي وجد نفسه فجأة لقيطًا ومنفيًا. تبدأ من هنا رحلة البحث عن الحقيقة في حكاية ملحمية عن النسب المفقود، والمكائد الخفية، وصراع الإرادات. فهل ينتصر سيف وطواط على وشايات القصور؟ وهل يمكن لقاضٍ حكيم أن يكشف سرًا دُفن مع موت أم؟ هذه ليست مجرد قصة عن البحث عن أب، بل هي حكاية عن البحث عن الذات في عالم لا يرحم إلا الأقوياء.

الجزء الأول: إنكار أبوة وطواط ونفيها

وقف أحد المجتمعين فقال: لماذا دعوتنا لهذا الاجتماع يا شيخ صائل؟ 

حمد وأثنى وعلى مجلسه استوى، فقال: أنتم تعلمون ما جرى بيننا وبين العشائر المجاورة من مهاترات واتهامات حول سير القوافل، وقد جمعتكم اليوم كي أطلعكم على ما تم الاتفاق عليه، باعتباركم كبار رجال العشيرة وفرسانها، لتكونوا على دراية؛ فلا يقع من أحدكم ما يخالف ذلك الاتفاق الذي يقضي بحماية المارة، كل في حدود عشيرته، مقابل عائد زهيد يُدفع من أرباب القوافل. هذا ما وددت إخباركم، فإن كان لدى أحدكم استفسار فليقله.
وقف أحد الحاضرين فقال: إن ابنك وطواط غائب، وهو فارس العشيرة ويدها الضاربة، فما جدوى هذا الاجتماع دونه؟

نهض الشيخ واقفًا، فقال: طالما ليس لديكم استفسار حول الاتفاق، تفضلوا بالانصراف إلى أعمالكم. أما شأن وطواط؛ فذلك لا يعنيني، فوطواط ليس ابني. انتهى الكلام، تفضلوا.

انصرف المجتمعون وهم يهمهمون مذهولين، وطواط ليس ابنه! لقد أصيب بالجنون. انفض الجمع وهم في حيرة من أمرهم، في حين ظل أحداهم واقفًا صامتًا محتارًا.

تقدم الشيخ إليه فأمسك بلحيته وقال: أنت وحدك يا نصار من يعلم غيرك، أن وطواط ليس ابني، وعليك أن تخبر الناس بحقيقة وطواط.
رد نصار: إن وطواط من خير الرجال وأراه فيك بارًا، كما أن رجال العشيرة يعزونه ويهابونه، فما الذي غيَّر الأحوال؟
رد: إنه شأن يخصني، وسوف أجهر بذلك، فأعنِّي على نشر الخبر.
رد نصار: سأظل كما عهدتني؛ سامعًا مطيعًا، سأعمل كل ما بوسعي، وسأقول الحقيقة.
بعد مضي عدة أيام، حضر وطواط ورجاله، فسأل: أين أبي؟
رد الحارس: إنه في المقام.
دعني أدخل إليه!
ماذا تريد؟
أريد أن أضع هذه الغنائم والأسرى بين يديه.
انتظر هنا، سأدخل أبلغه.
هل تمنعني من دخول مجلس أبي؟
لم تعد ابنه.
دخل الحارس؛ فوجد شيخ العشيرة جالسًا على مجلسه، يتبادل الحديث مع من حوله من رجاله. فحياه ثم استقام أمامه.
نظر إليه شيخ العشيرة فقال: ما وراءك يا شماخ؟
رد: وطواط يقف في الباب، مع رجاله، بحوزته غنائم وأسرى، يطلب مقابلتك.
نهض شيخ العشيرة وقال: سأخرج إليه.
خرج، فخرج خلفه من كان في مجلسه؛ استقاموا مصطفين بباب الخيمة، ناظرين إلى وطواط ومن حوله؛ نظرة تعجب واندهاش. فقال شيخ العشيرة: ما هذا الذي أراه يا وطواط؟ 
رد دون أن يبالي: إنها غنائم وحلال قمت مع رجالي بالتقطع لقافلة، استولينا على أموالها والحلال، وأسرنا رجالها، وها نحن أمامك أحضرنا ما حُزنا عليه، كي تعطينا نصيبنا، وما تبقى حلالٌ عليك.
التفت الشيخ يمينًا وشمالًا، ناظرًا في وجوه من حوله، ثم قال: أيها الرجال! أنتم تعلمون ما جرى بيننا وبين من حولنا من العشائر من اتفاق مكتوب، بحماية قوافل المارة.
هز الجميع رؤوسهم، مؤكدين ما قاله شيخ عشيرتهم.
أشار الشيخ بالسبابة وقال: انظروا إلى وطواط ورجاله، هل أنتم موافقون على ما اقترفوه؟
ردوا: كلا! كلا!
أمر الشيخ في الحال بفك وثاق المربطين، وإعادة كل أموالهم وحلالهم، ومرافقتهم حتى يتخطوا حدود العشيرة.
تعالت أصوات الهتافات والصياح: عاشت العدالة، عاش الشيخ صائل.
تهامسوا فيما بينهم قائلين: هناك فرق شاسع بين شهامة الشيخ صائل وعدله، وبين شناعة أفعال وطواط وظلمه.
رد أحدهم قائلًا: إن وطواط أسير كبريائه وغروره.
فعقب آخر فقال: ما الفائدة مما ذكر، طالما تفكير وطواط محصور بين النهب والسلب وقطع الطريق.
استقام أحد أنصار وطواط، فقال: الآن أضحى وطواط ذبابًا! ألم تقرعوا لقدومه الطبول، وتعزفوا الرباب؟ الآن سار غافلًا بعد أن ملأ بطون الأودية وثنايا الرمال بجثث المسافرين وأرباب القوافل! الآن غدا بلا بصيرة بعد أن جمع المال وبنى الديرة ورفع علم العشيرة!
استقام آخر، فقال: ما قاله صرقح هو الصحيح، فلولا وطواط لظللنا كما كنا، شتات رعاة إبل وشاة، ولم يكن لنا ديرة ولا عشيرة.
تداخل الهرج والمرج؛ فنهض رجل من رجال الشيخ صائل، فقال: ألا تخجلون! في حضرة الشيخ صائل تتجادلون! ألا توقرون عمامته السوداء ولحيته البيضاء؟ ألا تخشون أن يحل بكم غضبه وسخطه وظلمه محل حلمه وقسطه وعدله؟ ألا يكفيكم أن ليس فيكم مظلوم ولا محروم ولا معدوم؟ ألم يكن وطواط هذا الذي تناطحون به السماء طفلًا رضيعًا في دار صائل؟ أليس صائل من ربَّاه حتى بلغ صباه، وحين اشتد عوده سار عدوه؟ 
كان نصار في انتظار أن يتم المتكلم حديثه، وقبل أن يجلس، وقف، فقال: أيها الرجال! وطواط لقيط، كان الشيخ صائل قد تبناه. وبعد أن رزق الشيخ بنمارق، شعر وطواط أن نمارق قد أخذت مكانه؛ فانتبذ وابتعد، ولم يعد يختلط بأحد، إلا أن أخباره تصل الشيخ صائل عشية وضحى؛ (تقطيع، سلب، نهب).
ساد الهرج والمرج، فوقف آخر؛ تخطى الرقاب بساقه الطويل إلى أن وقف على رأس وطواط؛ فأمسك بلحيته وقال: هل سمعت ما يقال؟ نريد منك جوابًا الآن، ابن من أنت يا وطواط؟
وقف وطواط شاهرًا سيفه، مشتدًا جسده كجذع شجرة، فقال: أنا ابن الشيخ صائل، وما تفوَّه به نصار وعامر يُعد أحد الكبائر، سأقطع رقابهم وأجفف نسلهم.
استقام رجال وطواط منفعلين يعتريهم الغضب، فصاحوا بأعلى صوت قائلين: لن نبرح هذا المكان قبل أن نحصل على الدليل والبرهان، ابن من أنت يا وطواط؟
اشتد وطواط بوقوف رجاله حوله، فأظهر صلفه؛ بلمح البصر قطع رأس عامر، ورفعه بيده اليسرى أمام الحاضرين، وقال: هيا أخبرهم أيها الرأس ابن من أنا! ودم عامر يقطر من ذبابة سيفه.
ارتعب الحاضرون، لم يُسمع سوى الآهات والأنين. صاح وطواط بأعلى صوت وهو يتلفت رافعًا رأس عامر بيده: أجيبوا أيها الحاضرون، ابن من أكون!
ردوا بارتعاش: ابن الشيخ صائل.
بل أنا من سيخبرهم من تكون أيها اللقيط! قالها الشيخ صائل بعد أن جرد سيفه وتقدم نحو وطواط، تدخل الرجال فحالوا بينهم.
فقال درداح: ما هذا الذي نراه؛ يقاتل الابن أباه!
رد الشيخ صائل: وطواط ليس ابني.
فقال صرقح: إنها لحظة غضب تجتاح مشاعر الأب، عليك يا وطواط أن تكون مطيعًا لأبيك! أغمَد وطواط سيفه، ثم انسحب مع رجاله.
نصب وطواط خيمته خارج حدود العشيرة، جلس يتبادل المشورة مع رجاله.
فقال صرقح: لولا تدخل درداح لوقع المحذور، وأضحى أحدكما قاتلًا أو مقتولًا!
فعقب درداح: لقد ذهبت العقول، ألم تسمع صائل ماذا يقول؟ أينكر الأب ابنه؟
استدرك فلاح فقال: ربما كان في الأمر مكيدة، جعلت صائل يبغض ابنه بهذه الطريقة.
فقال عقيل: مهما يكن، وطواط سيظل ابن الشيخ صائل، ونحن شهود.
أطلق درداح تنهيدة عميقة وقال: لا أحد غيري يعلم من هو السبب وراء بغض الشيخ صائل لابنه وطواط.
وقف وطواط وقال: انطق! قبل أن ألحقك بعامر!
تلعثم درداح فقال وهو يتغرر، وذبابة سيف وطواط مغروزة في حنجرته: خضراء! إن خضراء وراء كل ما حل بك من بلاء.
رد وطواط: لا أصدق! فخضراء هي من ربتني وأنا أدعوها بأمي!
استوى درداح جالسًا وقال: لا أحد يعرف خضراء أكثر مني، فأنا مطلع على سيرتها؛ فقد كانت هاوية غاوية، سلوكها مائل، يناديها الهواة بأم الجدائل. فمنهم من فُتن بها فذهب عقله، ومنهم من لقي بين يديها حتفه، فداومت على هذه الوتيرة حتى تزوجها الشيخ صائل.
انفعل وطواط وقال: دعك من خبر كان وكان، أخبرنا عما نحن فيه الآن؟
رد: يا وطواط، لقد كنت ابن صائل الوحيد، وعندما أنجبت له خضراء نمارق، تغيرت الأحوال؛ فعملت جاهدة خلفه ليل نهار، لكي يبعدك عن الديار، من أجل إزاحتك عن طريق نمارق، لتصبح شيخًا للعشيرة خلفًا لأبيها. فأوغرت صدره بالأكاذيب والأعذار، حتى فقد صوابه، وجعلته يعتقد أنك لست ابنه!
تضجر وطواط وقال: دعني لأنام، وغدًا نكمل الكلام. 
اضطجع وطواط، بينما انتبذا درداح وصرقح وفلاح وعقيل. جلسوا خارج الخيمة يتجادلون، فقال صرقح: كيف لك يا درداح أن تكذب ونحن نسمع! وقال فلاح: بل من أين أتيت يا درداح بكل هذه الافتراءات! رد: كل ذلك لا يعنينكم!
لكن قبل أن ننام، أخبرنا يا درداح؛ ابن من يكون وطواط؟
رد مبتسمًا فقال: لقد أخبركم بذلك عامر. بمجرد سماعهما اسم عامر، أصابهما الارتجاف، فاضطجعا وغطَّيا رأسيهما باللحاف.
اجتمعت نساء العشيرة لدى خضراء، وخُضن في النقاش، فسألن: هل لديك يا خضراء خبر غير هذا؛ فأنت من تولت تربية وطواط بعد موت أمه؟
تربعت خضراء صدر المجلس فقالت: تزوجت الشيخ صائل بعد وفاة زوجته الأولى بعام، فوجدت أم الشيخ رحمة الله تغشاها ترعى وطواط وهو في حجرها، وأخبرتني كما أخبرني الشيخ صائل أن وطواط ابنه من زوجته المتوفية، وأن وطواط كان كثير البكاء في الأيام الثلاثة الأولى، وأن زوجة الغريب التي تسكن في الخيمة المجاورة سمعت بكاء الرضيع المتكرر، فأخبرتها أنها ولدت، فمات وليدها، وعرضت عليها إرضاع وطواط قائلة: ربما كان سبب بكائه هو حليب الشاة. فوافق الشيخ صائل على ذلك بشرط أن تعطى أجرها. وداومت على إرضاعه، وأوقات تذهب به إلى خيمتها وتأتي به في المساء.

وبعد وفاة أم الشيخ؛ استمرت زوجة الغريب في إرضاعه، وكانت تتعهده وتأخذه إلى خيمتها حتى بعد فطامه، هذا الذي أعلمه. وقد أنجبت نمارق بعد عامين من زواجي بصائل، فانشغلت بتربيتها ولم أعد أتتبع أخبار وطواط. وها أنا علمت مثلما علمتن صباح هذا النهار أن وطواط لقيط وليس ابن صائل. انفض مجلس النساء دون أن يتوصلن إلى نتيجة؛ ابن من يكون وطواط؟!
شاع الخبر في أرجاء العشيرة؛ أضحى حديث العامة.
البعض قال: وطواط خرج من قبر أمه وعاد إلى خيمته ليلًا؛ بعد أن أتمت ولادته في القبر، وهذا سبب تسميته وطواط.
والبعض قال: وطواط ولدته أم الصبيان، ووضعته في فراش الشيخ بصورة إنسان.
والبعض قال: وطواط ليس بشرًا، إنه عفريت من العفاريت أو جني من الجان؛ إن سلوكه غير مألوف، فهو يفضل الإقامة بالكهوف، كما أنه لا يشبه أباه؛ لا في قوته ولا في شكل صورته!
ذات نهار؛ دخلت نمارق على والدها خيمته، نادته: لم يلتفت ولم يُجب! كررت؛ فأفاق وكأنه صحا من سبات عميق، فقال: متى دخلت يا ابنتي؟
مضت برهة وأنا واقفة أناديك!
كنت أتدبر أمور العشيرة. هل لك حاجة فأقضيها؟
حيَّرني ما يشاع؛ فأتيت إليك كي أسألك، أَصحيح يا أبي أن وطواط ليس أخي؟
نعم، وهذا سبب إبقائه في خيمة المرأة التي أرضعته ومنعك الاختلاء به.
لماذا أخفيت ذلك عنا كل هذه المدة؟
لسبب سوف تعلمينه في حينه.
خرجت نمارق حزينة مكتئبة، فقابلت تسنيم بين الخيام؛ سألتها عن صحة ما يقال إن وطواط ليس أخاها!
أجابتها: نعم، هذا ما أكده لي أبي!
ألا تري أن هذا أمر غريب!
أوافقك الرأي، وقد حاولت الاستيضاح من أبي؛ فلم يجبني، وكأن هناك أمرًا خفيًا! إلى أين أنت ذاهبة؟
إلى ميدان التدريب؛ خلف أبي.
سآتي معك.
بعد عدة أيام، عاد من ذهبوا لمرافقة القافلة، حاملين معهم كيس نقود، أعطوه الشيخ، وأخبروه أن أصحاب القافلة أعطوهم كيس النقود مكافأة لهم مقابل حمايتهم، قبل ذلك شيخ العشيرة، وقام بتوزيع النقود.
بلغ مسامع وطواط خبر كيس النقود، فجمع أعوانه، وذهب إلى شيخ العشيرة في مجلسه فقال: حرمتنا المال والحلال؛ كي تحتال! وها أنت استوليت عليه، ووزعته على من حولك من الرجال.
وماذا تريدون؟
أعطنا نصيبنا!
وإن لم أعطكم ماذا أنتم فاعلون؟
سنقطع الطريق من جديد، ونأخذ حقنا بقوة الحديد!
من هذه اللحظة، لم يعد لكم مكان في العشيرة، عليكم مغادرة الديرة، واعلموا إن عدتم للتقطع كسابق عهدكم، فسوف تقطع أعناقكم!
غادر وطواط ورجاله العشيرة، استقروا في كهوف جبلية، خارج حدود العشيرة، مطلة على دروب المارة. امتهنوا السلب والنهب والتقطع في أبشع صورة. قويت شوكتهم، وذاع صيتهم، بعد أن انضم إليهم اللصوص والقتلة والمتشردون.

الجزء الثاني: اللجوء الى التحكيم بين اللقيط وملتقطه

ذات نهار بينما وطواط حائر؛ انتهز درداح الفرصة فقال: إلى متى ستظل على هذا الحال؛ مجهول الأب والنسب؟
وماذا تريده أن يفعل يا درداح؛ هل يرفع في وجه أبيه السلاح؟
أما زلت تسميه أباه يا صرقح؛ ألم ينفه ويجحده؟
فقال فلاح: أفصح ما الذي تريد قوله يا درداح؟
تضجر وطواط وقال: إن كان أحدكم لديه رأي فليبده!
تنحنح درداح وقال: أرى أن القضية وصلت إلى نهايتها، ولابد من البت فيها.
قال وطواط محتارًا: كيف ذلك؟ رد درداح شارحًا: الاحتكام إلى قاضٍ فاضل؛ يصدر فيكم حكمًا عادلًا.
وأين سنجد هذا القاضي؟
القاضي رسام في ديرة عنفد.
إن كان ولا بد؛ عليك الذهاب، سوف أعطيك إنابتي، اشرح له مظلمتي!
وافق درداح، انتظر بفارغ الصبر حلول الصباح، فحمل الهدايا على الناقة وركب حصانه متوجها نحو القاضي رسام. استقبله القاضي رسام بالترحيب قائلًا: غبت فطال غيابك، فما سرنا بإيابك؟
رد درداح: ربما كان بُعدي عنك أنفع وأجدر؛ فها أنا أتيتك بفتنة أكبر مما تتصور. خذ هذه الهدايا هبةً! ثم نظر درداح إلى القاضي وقال: لا تزال كما أنت يا قاضي رسام؛ شاب مهاب، كأسد الغاب!
أما أنت يا درداح فقد فعل بك الدهر ما فعله؛ ظهرت على وجهك التضاريس.
جلسوا على مائدة الطعام، فبدأ القاضي بطرح السؤال فقال: اشرح جوهر الخصومة، وأسبابها، ومقاصدها، وأطرافها، وزمن ومكان حدوثها، وأدلة إثباتها ونفيها، والنتائج والآثار المترتبة عنها.
أنا مجرد وكيل، لا تثقلني بكل هذه التفاصيل. خذ واقرأ هذه عريضة الدعوى مقدمة من وطواط يطلب من عدالتكم إنصافه من ظلم وقع عليه من قبل والده صائل؛ يريد أن يقصيه من نسبه، ويجحده من أُبوَّته، متذرعًا بسبٍ لا نعرفه؛ بأن وطواط وقع لقيطًا في يده فقام بتربيته.
فرغ القاضي من قراءة الدعوى فقال: خذ هذا الخطاب وسلمه لصائل، كي يحضر للرد على دعوى وطواط.
ابتسم درداح وأخذ من يد القاضي الأشعار، وشعر في حينه بالانتصار.

عقد أول جلسة محاكمة: بين اللقيط وملتقطه

عقد القاضي جلسة المحاكمة في واحة تحت ظل شجرة، خارج العشيرة.
حضر الشيخ صائل وإلى جانبه معصار وشهاب ونجاد ونصار.
بينما حضر وطواط والى جواره درداح وصرقح وفلاح وعقيل.
جلس الجميع أمام القاضي.
فقال القاضي: بسم الله نبدي وبقضاء الله نقضي.
المدعي يقف يسمعنا دعواه؟
وقف وطواط فقال: إني أقف خجول لا أدري ماذا أقول؟
فقال القاضي: أوضح فحوى دعواك؟ 
فتلفت وقال: دعواي حيال ذاك الشيخ الكبير: عهدته أبي لا سواه، منذ استهللت بالحياة، أفنيت شبابي في خدمت أبي وعشيرتي، وبعد أن تزوج بعد موت أمي؛ رزق ببنت، فما كان منه إلا أن تنكر بي وجحد؛ جهارًا نهارًا قائلًا: إنني لست له بولد! أطلب من قاضينا الموقر أن يعيد أبي إلى صوابه، فقد يكون ما أوصله لهذا هو خرفه وكبر سنه! ثم جلس. 
فقال القاضي: على المدعى عليه الوقوف! 
وقف الشيخ صائل بثبات، فقال القاضي: لقد سمعت دعوى المدعي حيالك! فما هو ردك على ذلك! 
رد صائل بالإنكار وقال: لم ولن يكن ابني فهو ليس من صلبي؛ إني وجدته داخل هذا المزباء، معلقًا على فرع شجرة؛ ظننته وطواطًا، التقطته فإذا به طفل رضيع، لا نعلم من أبوه وأمه؛ أسميته وطواطًا، فتعهدته وربيته بقصد الأجر والثواب، إلا إنه كما تراه لم يعد توابًا أوابًا، وبعد أن خرج عن طوعي أعلنت منه براءتي وطردته من دياري؛ كي لا تلحقني أوزاره. وبما أنه أصبح له مال وحلال؛ فإني أطلب من عدالة القاضي أن يلزمه بتعويضي من ماله مقابل ما أنفقته في تربيته! ثم جلس صائل. 
قال القاضي: يا وطواط هل لديك إثبات على دعواك!
رد وطواط: نعم، كل أهل العشيرة صغارهم والكبار يعلمون أني ابن الشيخ صائل. وهؤلاء منهم!
تقدم صرقح، وبعد أدائه اليمين قال: الذي أعلم أن وطواط هو ابن الشيخ صائل، أنجبته زوجته فماتت في أثناء ولادته. وقد انقضت مدة عشرين سنة وصائل يدعو وطواطًا ابنه. 
ثم برز فلاح وعقيل؛ فشهدوا بما شهد به صرقح.
فقال القاضي: هل لك جرح أو تعديل في شهادة هؤلاء يا صائل؟
وقف صائل وقال: شهادة هؤلاء صحيحة، فقد شهدوا بالظاهر والله يتولى السرائر. لكن أطلب من سيادة القاضي؛ تمكيني من تقديم طلب!
رد القاضي: تفضل! ما طلبك؟
فقال صائل: أن تستمع عدالتكم إلى شهود إثبات واقعة اللقيط! 
رد القاضي: ها نحن نستمع! 
تقدم نصار متكئًا على عكاز في يده فقال: إني أشهد أن وطواطًا لقيط ليس ابن الشيخ صائل. خرجت برفقة الشيخ صائل لغرض جلب الصيد لزوجته التي تلد في الخيمة، وفي أثناء عودتنا نحمل أرنبًا؛ سمعنا بكاء وعطاس رضيع، ملفوف يتدلى على فرع شجرة، ظنناه وطواطًا، اقتربنا منه فأنزلناه فإذا به طفل رضيع حديث الولادة. فقال الشيخ صائل سوف أتخذه ولدًا، سنقول إن زوجتي ولدت توأمًا وعليك كتمان الأمر. فوصلنا العشيرة فوجدنا زوجته قد فارقت الحياة في أثناء ولادتها.
قال القاضي: أثبت وطواط أن صائلًا هو من سماه وطواطًا، وأثبت وطواط نشأته وتربيته في بيت صائل، ومناداته لصائل بلفظ (يا أبي) أمام العامة، ومخاطبة صائل له بلفظ (يا ابني).
وبناء على ذلك فقد وفى وطواط بما عليه من إثبات. وبما أن صائلًا لم يثبت واقعة اللقيط إلا بشاهد واحد؛ فدليل إثبات اللقيط ناقص، وعليه يتوجب التحقق من الآتي:
1- هل خرج المولود أم بقي داخل بطن أمه ودفن معها؟
2- هل كانت مدة الحمل قد اكتملت أم لا؟
3- هل استهل المولود بأمارة حياة؟
4- لماذا أخفى صائل عن وطواط أنه لقيط ولم يخبره عندما بلغ صباه؟
هذه الأسئلة يتحتم على صائل أن يجيب عنها بالبينة، في الجلسة الثانية؛ منتصف الشهر القادم!
انفضت الجلسة.
خرج صائل من لدى القاضي منشرح الخاطر، وخلفه رجاله عائدًا إلى العشيرة.
بينما خرج وطواط عابس الوجه متكدرًا، على يمينه درداح، وعلى شماله فلاح، وخلفه عقيل وصرقح، متجهين إلى كهوف الجبل.
استمر وطواط ورجاله في التقطع، متخذين من الكهوف مساكن.
ذات نهار، شاهد صرقح امرأة تخرج من المغارة؛ فسأل: من كان الخارج من كهف وطواط يا فلاح؟ 
إنها تماضر زوجة الراعي قاهر. 
ألا تلاحظ تكرار زيارة هذه المرأة لوطواط؟ 
نعم، بل إنها تغسل ثيابه! 
هل قاهر على علم بذلك؟ 
نعم! كما أنه في أوقاتٍ يتركها منفردة لدى وطواط ويغادر المجلس!

 جلسة المحاكمة الثانية: الاستماع إلى شهود النفي

 في الموعد المقرر؛ حضر أطراف الدعوى، فجلس القاضي على مقعده تحت ظل الشجرة، وبعد أن ذكر ربه قال: هل أحضرت ما طُلب منك يا صائل؟
رد صائل: نعم! ها هن نساء العشيرة، هن من حضرن؛ الولادة والوفاة.
وقفت نوادر فقالت: كنت حاضرة الولادة؛ كان قد خرج رأس الجنين عندما ماتت، لم يستهل بأمارة حياة، وقد ساعدت أم الشيخ صائل في تكفين الميتة وتجهيز نعشها. ظل بقية جسد الجنين في رحمها ودُفن معها. هذا ما شاهدته وسمعته وعلى مسامعكم ألقيته.
استقام وطواط فقال: لا قبول لشهادة نوادر؛ لوجود مصلحة مجلوبة؛ فهي أم خضراء وتتمنى انفراد ابنة ابنتها بالميراث.
فقال القاضي: هذه الشاهدة مردودة شهادتها؛ لوجود صلة قرابة تربطها بزوج ابنتها.
بعد ذلك تقدمت أنهار فقالت: كنت حاضرة عندما ماتت زوجة الشيخ في أثناء الولادة، كان قد خرج من الجنين رأسه، لم يستهل بأمارة حياة، فدخل الشيخ بعد وفاتها ببرهة، ونحن نلطم وننوح؛ خرجنا من الخيمة ولم يبق سوى أمه. ثم بعد ذلك دخلنا؛ فوجدنا أن أم الشيخ قد قامت بتكفينها، ومنعنا من فض أكفانها ما عدا مشاهدة وجهها. 
تقدمت جواهر ثم نرجس؛ شهدتا بما شهدت به أنهار.
فقال القاضي: لم تصلنا شهادة النساء إلى يقين؛ خروج أو بقاء الجنين! كما لم تثبت قطعًا واقعة لقطة اللقيط. وعليه: من أجل الوصول إلى أدلة قطعية؛ قررنا نبش قبر المتوفية، للتأكد من وجود الجنين من عدمه. على أن ينظر في بقية الأدلة في الجلسة التالية، منتصف الشهر القادم.
انقضت الجلسة؛ وانفض الأطراف كل إلى وجهته.

تغير سلوك وطواط وبناء ديرة اللقيط

جمع وطواط رجاله فقال: إن ما نقوم به من سلوك مشين؛ قتل الرجال، ونهب الأموال والحلال! لماذا لا نسلك سبيل الصلاح؛ نصنع عملًا فاضلًا نستحق عليه مقابلًا! سنقوم بحماية القوافل المارة ونأخذ على ذلك أجرة. فنحصل على مال حلال!
استحسن رأيه كل من حوله، فانتهجوا ذلك السلوك.
وبعد أن سار سلوكهم مألوفًا تخلوا عن الكهوف؛ فبنوا ديرة وأقاموا عشيرة فكان وطواط شيخها وفلاح عقيد خيلها ودرداح خازنها بينما صرقح حامي ثغورها، أما عقيل فمراقب طريق القوافل.
ذاع صيتها فتوافد زعماء العشائر لزيارتها فتقرع الطبول لقدومهم وينفر النفير لمغادرتهم، اشتهرت بديرة اللقيط.

جلسة المحكمة الثالثة: ظهور أم اللقيط

عقد القاضي جلسته الثالثة تحت ظل الشجرة، وبعد مناداته على أطراف الخصومة، فوقفا أمامه؛ كلٌّ حاضر عن نفسه، وصفته، فقال: تفضَّلا بالجلوس! سنكمل في هذه الجلسة مناقشة الأدلة.
تفحَّص القاضي وجوه الحاضرين ذات اليمين وذات الشمال، فلمح امرأة آتية؛ ترتدي جلبابًا، تمشي بخطى متعثرة، تشير بعكازها نحو حلقة القاضي، ثم غرزت العكاز في الرمال، ووقفت وإلى جوارها رجل شايب.
فقال القاضي: إن تلك المرأة الآتية؛ تطلب انتظار حضورها!
التفت الجميع نحوها، وعند وصولها وقفت أمام القاضي منحنية على عكاز، لم يتمكن الحاضرون من معرفتها؛ فخمارها مسدل على وجهها! فقال القاضي: يا أمة الله! ألديك ما تقولينه يخص هذه القضية التي نحن في صدد الحكم فيها؟ 
ردت: بل أنا المعنية بها دون غيري.
فقال القاضي: اكشفي عن وجهك! ثم أخبرينا باسمك! وصلتك بما نحن بصدده؟
ردت: لن أكشف عن هويتي حتى أتمكن من إثبات دعوتي! رد القاضي: ليس لك لديَّ دعوى مقامة!
فقالت: أطلب من عدالة القاضي؛ ضمي على الخصومة!
فقال القاضي: ما مسوغك كي نقبل ضمك؟
ردت بعجل: صاحبة مصلحة. 
فقال: ما مصلحتك؟
غرزت عكازها على الأرض مرتين فقالت: أنا من أنجبته. تلفت الحضور؛ كل منهم يسأل من حوله؛ ماذا تقول هذه المرأة المسنة؟
طلب القاضي من الحضور الإنصات ثم قال: عليك إثبات دعواك؟
سوف أشرح قصتي ثم أذيلها بدعوتي: أنجبنا بنين وبنات؛ وكلما ولد لنا طفل مات؛ بعد أن تعتريه الأسقام والعلات. فيئسنا؛ ثم رحلنا عن البلاد؛ لعلَّ وعسى يعيش لنا ابن!
رحلنا، بعد أن مات أقارب زوجي وفني أهلي؛ قطعنا البراري، وفي أثناء الطريق داهمني المخاض، أنجبت ولدًا. سُرَّ زوجي بولادتي، فقلت متحسرة: ما الفائدة سيموت كمن سبقه!
قال: لا نملك للقدر مانع، ولا للضر دافع!
قلت: ربما كان حالنا الذي نحن عليه من فقر وكدح؛ هو سبب موت أطفالنا!
ثم نظرت إلى الرضيع بين يدي، فقلت: ألم تخبرنا المرأة التي ولدت في خيمتها أن شيخ العشيرة القريبة محروم من الأبناء، رغم تزويجه بعدة نساء!
قال: نعم، لكن ما شأن ذلك بما حلَّ بنا؟
فقلت متفائلة: سنضع ابننا في طريق الشيخ كي يلتقطه، فيحصل على مطلبه فيتخذه ابنًا له، ربما عاش؟
ونزولًا عند رغبتي اقتنع زوجي بفكرتي؛ فوضعنا طفلنا في طريق صيد الشيخ صائل عمدًا كي يقع لقيط في يده فيغدق عليه بنعمته فيصح بدنه؛ فربما كان الفقر وسوء التغذية سبب اعتلال وموت من قبله!
فعلقناه على فرع الشجرة، وكمنَّا بالقرب منه نترقب؛ وبعد أن شاهدنا الشيخ صائل التقطه؛ اقتفينا أثره حتى أشرفنا على الديرة؛ سمعنا صياحًا ونواحًا، اقتربنا من الخيام، فشاهدنا زحامًا، وعند وصول الشيخ؛ أفسح له الطريق، فدخل الخيمة حاملًا ابني الرضيع.
اختلطنا بالحاضرين، استفسرنا عما يحدث، أخبرونا أن زوجة الشيخ ماتت في أثناء الولادة.
شاركنا الحاضرين تقديم العزاء، وبعد تشييع الجنازة، أمر الشيخ بتوزيع الطعام على المارة والعوام فكثر الزحام.
ظللت أنا وزوجي واقفين، فسأل الشيخ أحد رجاله: مَن هؤلاء؟
رد: إنهم غرباء.
اقترب الشيخ منا؛ خصَّنا بمائدة فأجلسنا عليها.
وبعد تناول الطعام؛ بقينا منفردين بعد أن انصرف الجميع.
فقال الشيخ: ألكم حاجة أقضيها؟
رددت: نحن غرباء فقراء ليس لنا مأوى؟
أعطانا خيمة مجاورة وقال: اسكنا هنا!
فعرضت عليه أن أقوم بخدمته ومساعدة والدته!
فعملت على حلب الماشية وإعداد الطعام وجلب الأحطاب.
كانت روحي تحوم في ثنايا الخيمة غصب عني باحثة عن رضيعي!
سمعت بكاءه المتكرر، وبدون أن أشعر وجدت نفسي جواره، وهو في حضن أم الشيخ، وهي تهندله بحضنها محاولة إسكاته، فقلت: لعل حليب الشاة سبب بكائه، هل تسمحي لي بإرضاعه، إني حديثة الولادة؛ فقد مات رضيعي قبل وصولي العشيرة.
سمحت لي بإرضاعه، فسكت، فداومت على ذلك.
كنت آخذه إلى خيمتي، فنشأ وترعرع تحت عنايتي.
وبعد ان حدث الخصام، وطرد وطواط؛ كنت أزوره في كهوف الجبل بين الحين والآخر، برفقة زوجي؛ أطلع على أحواله وأغسل ثيابه.
أخبرني بقيام والده الشيخ صائل بطرده من العشيرة، بعد أن أنكر بنوته، وادعائه أنه عثر عليه لقيطًا على فرع شجرة.
وبعد أن استمعت منه كتمت أمري، وأبديت حزني وتعاطفي؛ فطلبت منه أن يعتبرني في منزلة أمه.
عُدت إلى العشيرة فأخبرت زوجي؛ فسُر واستبشر، وقال: حان الوقت أن نجهر بالحقيقة، نخبر وطواط أنه ابننا وليس لقيطًا! فقلت: بل سننتظر، ليس لدينا ما يثبت صدق مقالنا.
استمر على هذه الحال، وذات مرة أخبرني بقصة جلسات المحكمة وما كان يجري من تداول، فطلبت منه أن يخبرني بمكان عقد جلسة المحاكمة الأخيرة فأخبرني بذلك المكان.
وها أنا أيها القاضي أتيت، بعد أن عانيت من مشقة السير ما عانيت. فالحقيقة أن وطواط ابننا وليس ابن صائل. فانظر إلينا بشعاع عدلك وأسمعنا منطوق حكمك! 
وقف وطواط؛ لم يكد يرفع نظره من شدة حيائه من الناس، فقال: الآن انكشف سر اهتمامكما بي، فبعد أن أنكرني أبي، تريدان أن تتبنياني، أليس كذلك؟
ألم أتربَّ في خيمتكم، فلماذا لم تخبراني أني ابنكم؟
ردت: كنا نخشى أن نحرمك رغد العيش؛ أما الآن لم يعد هناك ما نخشاه عليك؛ بعد أن أصبحت ذا جاه ومال ورجال. 
فقال: إن ما تقولينه هو الجنون بذاته؛ أين الأبوة منكم! كيف تخلَّيتم عن فلذة كبدكم! أنا لا أقبل دعواك!
كشفت تماضر عن وجهها فقالت: هذه هي الحقيقة التي لا جدال فيها، وعليك أن تختار بين أن تكون ذا أم وأب، وبين أن تكون مجهول النسب؟
التفت القاضي نحو قاهر فسأله: هل سمعت ما قالته زوجتك تماضر؟
رد قاهر: نعم إن ما قالته هو الحقيقة الدامغة.
وقف وطواط فقال: هذا هو المحال؛ فلا دليل يؤيد دعواهم؛ لا شاهد ولا قرينة من قرائن الأحوال. فما يدعيان به هو المحال!
فقال القاضي: على تماضر وقاهر إثبات دعواهم منتصف الشهر القادم.
انفضت الجلسة فانصرف الخصوم.

جلسة المحكمة الرابعة: كشف الأسرار، والنطق بالحكم

استجواب الشهود وعرض الأدلة
عقدت الجلسة تحت ظل الشجرة، خارج حدود العشيرة، فقال القاضي: هات يا تماضر ما عندك من إثبات!
أتت تماضر بإحدى النساء شاهدة إثبات.
فقال القاضي: أخبرينا عن اسمك! ثم اشرحي مضمون شهادتك؟
ردت: اسمي مرعى؛ وقفت على هذه المرأة في ظل صخرة وهي في حالة طلق الولادة، فاقتدتها بمساعدة ابنتي إلى خيمتنا، وزوجها يمشي خلفنا. أتمت ولادتها بولد وباتت لدينا ثلاثة أيام، ثم ارتحلت مع زوجها، وقد أعطيتها سلة حملت فيها رضيعها، ومن يومها لم أرها حتى أتتني قبل يومين، وإلى هنا أحضرتني. كما أن لي في جسد المولود في خيمتي أمارة؛ شرمت حلمة ثديه الشمال بالشفرة في أثناء قطعي للمشيمة.
سألها القاضي: هل كان يوجد أحد من أهلك جوارك؟ 
ردت ذارفة دمعها: نعم! ابني طواف، الذي بعشق نمارق ابتلي، فغدا قتيل الهوى. وهذه ابنتي قين. 
استقامت قين؛ شهدت بما شهدت به أمها. ثم ظهر طواف بذاته، ماسكًا في يده شبابته؛ شهد بما شهدت به أمه وأخته.
بُهتتا عندما رأتاه، فقالت أمه بعد أن تعلقت بأستاره: هذا أنت يا طواف! ألم تمت؟
فرد: كتبت لي الحياة، بعد أن قام الشيخ صائل بعلاجي حتى استرددت عافيتي.
أمر القاضي حاجبه فأحضر أربعة مزاب وقال: إن كنت صادقة في أقوالك يا مرعى، عليك التعرف على مزباك! تفحصتها بدقة ثم قالت: ليس فيهن مزباي! فطلب القاضي من الحاجب إحضار أربعة مزاب أخرى! أمعنت فيهن النظر ثم أمسكت بإحداهن فقالت: هذا هو مزباي.
ثم أمر القاضي وطواط أن يقف، ويكشف عن ثدييه الشمال؛ فشاهد الحاضرون؛ حلمته مبتورة كما وصفته مرعى.
فقال القاضي: نكتفي بما ثبت لدينا من أدلة، لم يعد هناك داعٍ لنبش قبر الميتة.
ثم نادى القاضي باسم صائل فقال: أوشكنا على النطق في الحكم؛ حان الوقت أن تخبرنا يا صائل عن سبب إخفائك عن وطواط فلم تخبره أنه لقيط إلا بعد أن بلغ صباه؟

الشيخ صائل يكشف سر إنكاره اللقيط

وقف صائل متكئًا على سيفه فقال: داهمني الكبر؛ أصبحت منتظر القضاء والقدر، احترت في أمري، فإن نظرت إلى وطواط؛ رأيته فارسًا همامًا شجاعًا مقدامًا، وإن نظرت إلى نمارق؛ وجدتها محاربًا جسورًا بالسيف للخيل ممتطية، تسابق الطيور، كلاهما في ريعان شبابه. رأيت فيهما عز العشيرة وثبات أركانها، وبعد أن خلوت بنفسي، مستغرقًا التفكير، شرد نومي، وندر طعامي، فنحل جسمي، وكلما زاد خطاب نمارق زاد همي.
دخلت عليَّ خضراء خلوتي فقالت: ما هذا البلاء الذي حلَّ بنا؛ ترد خاطبي نمارق، وتحجم عن تزويج وطواط! انفعلت بغضب وقلت: اخرجي اغربي عن وجهي!
خرجت مسرعة؛ فأطرقت رأسي في عمود الخيمة متحسرًا؛ اهتديت إلى فكرة تزويج وطواط بنمارق؛ فمقام العشيرة وحكمها تؤول إلى ابنتي وزوجها. لكن كيف؟ إنها معضلة: كيف أقنع الناس بها؟ بل كيف أقنع وطواط ونمارق بأنهما ليسا إخوة؟ لم أجد طريقة! فصدعت بالحقيقة؛ أن وطواط لقيط، وقطعت صلة نسبي به، وأشعت ذلك ونفيته عن القبيلة؛ كي يتأكد الفارق فيقبل وطواط بالزواج من نمارق. وهذا الذي قصدته من كشف الحقيقة.
غشى وجوه الحاضرين الذهول؛ بعد أن سمعوا ما سمعوه. فتداخلت الأصوات. 
فقال القاضي: انتهت المداولة، موعدنا منتصف الشهر القادم للنطق بالحكم.
انفض الأطراف كلٌّ إلى وجهته.

النطق بالحكم

أصدر القاضي حكمه بحضور أطراف الخصومة فقال: حكمنا بالآتي:
ثبوت واقعة اللقيط وتسميته من قبل الشيخ صائل.
إلحاق اللقيط بأبيه قاهر وأمه تماضر، ونفي صلة نسبه وأبوته من صائل.
وبما أن صائل أخفى اللقيط بقصد التبني؛ فقد خالف الشرع، فيعاقب بنقيض قصده؛ حرمانه من استحقاق التعويض فيما أنفقه على تربية اللقيط.
منح نمارق ابنة صائل حق الاختيار في الزواج.
وقفت نمارق تتلفت تلفت المها باحثة عن فحلها، وبعد أن عثرت على من أحب قلبها، نظرت نحو أبيها نظرة استعطاف، ثم أشارت بسبابتها نحو طواف.
ارتمى وطواط بين ذراعي صائل فتعانقا عناقًا حارًا، ثم التفت نحو أبويه فطوقهما بذراعيه، فامتزجت دموع الحاضرين بالفرح.
فأعلن صائل اتحاد عشيرته بعشيرة اللقيط. ثم أمسك بيد وطواط رافعًا إياها إلى الأعلى فقال: وطواط ابني؛ وفلذة كبدي، أين شهاب؟ رد شهاب: ها أنا ذا!
انتظرنا غدًا، سوف نأتي لخطبة ابنتك تسنيم؛ لابني وطواط.
عمت البهجة والسرور على وجوه الحاضرين.
انصرف القاضي بعد أن أصدر حكمه، فذهب الحاضرون كلٌ إلى وجهته.
في اليوم التالي؛ ذهب الشيخ صائل إلى خيمة شهاب، تمت الخطبة وكتب كتاب تسنيم على وطواط، ونمارق على طواف.
أُقيم حفل زفاف غير معهود؛ تقاطر إليه الوفود، وحضرته الحشود، وحامت على سماء العشيرة أصناف الطيور، من صقور وغربان ونسور؛ حاملة في مخالبها أشلاء ما فاض من لحوم ما ذُبح ونُحر.
نعم وطواط وتسنيم بهناء وسرور، وكذلك طواف ونمارق. وما لبث أن أتى صائل الأجل فأوصى إلى وطواط أمور القبيلة ومشيخة العشيرة خليفةً عنه.

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

تحية✋من الاعماق للمحرر والمدقق والناشر
شعرت بسعادة لاتوصف بمشاهدتي قصتي تنشر
حسيت اني حصدت ثمرة جهدي
شكر وشكري قليل للمدقق على رحابة صدرة واثرائه بملاحظاته القيمة
والشكر موصول لمنصة جوك العملاقة وادامها عزيزة شامخة هامة من الهامات الراسخة
تقبلوا تحياتي ✋🌹🌹
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة