في مترو القاهرة.. أجلس بجوار النافذة في أحد القطارات من الإصدار القديم (المفضلة لدي) هي مقاعد مقابلة لأخرى على كل جانب من العربة، نقترب من المحطة، إحدى الفتيات تقف بثبات على الرصيف، ثم يتحول الثبات لارتباك عندما تجد أنها لا تقف بمحاذاة الباب، تدخل وبارتباك آخر تجلس بجانبي، راقب كل منا الآخر، ثم بدأت الحديث معها.
- هل لديك مشكلة ما؟
- لماذا؟
- يبدو عليكِ الارتباك.. أتخافين الجلوس؟!
- لا، ولكن أتحقق ألا أحد آخر يريد أن يجلس.
- لماذا؟ يبدو الوهن عليك، بالتأكيد لن تنتظري فقدان الوعي لتجلسي.
تنهدت وقالت: أتحمل كثيرًا من الآلام الجسدية، ولكن النفسية لا، يعاملني بعض البشر على أنني عدو، وأحيانًا يرى أنني مسببة لكل أزمة يمر بها. عندما أتيت إلى القاهرة أتيت بأمل كبير، كان ذكرها البلسم على قلبي بعدما علمت أنني سأترك داري وأرحل. كانت لدي خيارات متعددة، ولكن القاهرة كانت الخيار الأكثر أمانًا وأملًا، ربما لأن ما لقنوه لنا دومًا أننا امتداد لمصر، وأننا في الأصل شعب واحد، عاداتنا ليست مختلفة كثيرًا، نشارك أهل النوبة في بعض العادات والكلمات؛ كان الذهاب إلى مصر هو أول أحلامي منذ الصغر، ولكني لم أدرك أن ليس كل ما نحلم به يكون مرحبًا بنا.
سألتها: كيف؟!
- جئت إلى مصر بالطريق البري، قطعت أكثر من 600 كيلو متر بالحافلة، قطعت طريقًا طويلًا ومرهقًا وأنا أحمل مشاعر مختلطة؛ هجرة الدار، القلق على من أعرفهم، والحزن على غيري من الفتيات، والأمل في أن أجد الأمان.
- ثم ماذا؟
- حدث كما تخيلت؛ شعب كريم وودود، ولكن تقابل القليل ممن يرمونك بسهام قاتلة، من كلمات ونظرات توحي بأنني مفتعلة لأزمات لا أعلم عنها شيئًا.
- ولكنكِ قلتِ القليل.. فلماذا الخوف وكأن الجميع هكذا؟
- بعض الأذى القليل يؤلم أكثر مما يتخيل صاحبه.
ثم أردفت وقالت: أتعلمين لماذا تغادر الطيور أعشاشها؟ للبحث عن الغذاء والأمان، وأحيانًا الحب. وأنا صغيرة كنت أريد أن أغادر للبحث عن مزيد من الرفاهية، ولكن عندما كبرت أحببت داري أكثر، واكتشفت أن اجتماع الأهل هو أكبر رفاهية لديَّ، ولكن الأوان قد فات، فأنا اضطررت للمغادرة للبحث عن الأمان، وهذا ما كنت أريد إيصاله لبعض البشر، فلولا بحثي عن الأمان لما غادرت.
كنت قد وصلت فعلًا إلى محطتي، تصافحنا وتبادلنا الابتسامات، ووجهت لي الشكر على استماعي لها، وأنا وجهت لها التمني بالوصول السالم والآمن، وقلت لها إنه مهما طال مسير الطير سيصل في النهاية إلى عش آمن ومناسب.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.