كأوراق الخريف التي تتساقط عبر الفضاء الواسع، مثل كرات الثلج التي تدور في سديم، ذلك الفراغ الذي يملأ قلبي ويملأني مثله، دلف بي في الضياع، المسيطر على كلّ مدخلٍ منّي، فشعشع ضوء ولج في دهاليز روحي المعتمة.
كنتُ مثل ما هم الجميع في بدايات أيامهم الأولى من الفقد، يشعرون ولا يشعرون، فقط يدركون أنّهم بالضياع تائهون في متاهات الخذلان والطريق أمامهم، يحسّون باللاشيء والأشياء حولهم، شخصٌ تائهٌ تبرّأت روحه عنه ونفتْ ذاتها عنه بعيدًا كما أرادتْ، فبَرِح يخطو يضرب الأرض خطوًا، لكنّه مجهول الهوية في أيّ مكان طُبعت خطاه عليه. شخصٌ يُناظر المعتوه وهو يحاول أن يستيقظ من جنونه الذي أَلَمَّ به، علَّه يعود لحياته قبل أن تلج إليها تلكم المصيبة التي تسببت في فقدانه لعقله، كنتُ مثلهم لا بل وأكثر.
أمّا هو فأراد أن يفتخر بذاته من جديد؛ وأن يعلن إضافتي لقائمة لعينة تُشابهه هو وتصرفاته، عنوانها: «الفتيات اللائي وقعنَ في حبي ونجوتُ منهنّ» وقد فعل الوغد ما في مستنقع عقله من أفكار قذرة وبالدناءة انتصر.
كان وجوده وغيابه سيّان في حياتي، حضوره متناقضًا، قوّة بعد ضعفٍ، ووهن بعد شدّةٍ، حبٌّ بعد مقتٍ، وبغض بعد وجدٍ، يهتزّ صدره ضاحكًا وهو يُبدع في اللعب على أوتاري، يتفوّق في جعلي كـالأراجوز بين أصابعه مرهونة بحبالٍ خفيّة، يشدّ هذا فيرفع يدي، يحرّك الآخر وتتحرّك قدمي، يراقص ساقي على أنغامه النُّشاز، يلطم بكفّيّ على وجهي، فيضحك وأضحك، أضحك بغباءٍ مُبكٍ، إذ إنّه لا يبكي ويجعلني أنا من أتألم وأذرف الدمع سيلًا، كان يتحكّم حتى في الكلمات، فيقول بصوتٍ أجشّ: «أنتَ الأمير الوسيم الفائز وأنا البطة الحمقاء الخاسرة».
غباءٌ!
ولا أدري مِمَّن؟
أهو منّي؛ أنا التي كانت سجينة الخيوط وحبيسة الأوهام التي إن أردتُ بترها والانتفاض عنه والانقضاض عليه؛ لفعلت!
أم منه، حين صدّق بكلماته الهشّة تلك أنّه فائز لا محالة؟
كنتُ قادرة على إنقاذ نفسي، لكنّي لم أفعل، ليس لأنّي لم أرد ذلك، ولكن عقلي كان يرسم لي لوحة مختلفة عنه بين فينة وأخرى.
أدرك أنّه كان بمقدوري الهرب منه، لكنّي اعتدتُ عليه، فصار لي السّم الحلو، الذي تجرعته وتلذذتُ به، بيد أنّه غادر قلبي حينما ملَّ، حين أراد منّي أن أكون لنفسي كما أردتُها أنا، لكني ظللتُ له عكس ما تمنى.
غادرني وغادرت البهجة والعذاب مَسكني، فبتُّ المجنون التائه، الغريب الذي لا يعلم أيَّ نقطة هي كانت بداية الدائرة في حياته.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.