منذ نعومة أظافري وأنا مولع بالرسم، كنت صغيرًا أستغرق فيه كل أوقاتي، وأعترف أني أول من شوّه سور شركة الكهرباء الواقعة -لسوء حظها- خلف منزلنا، بل وحرّضت زملائي على ذات الفعل، فانطلقوا بطبشورهم الأسود وكأن كلًّا منهم.. «بيكاسو زمانه».. يرسمون، -آسف يشخبطون- الأولاد والبنات، والأشجار والسماء، والطيور والقطط والحمير... واللاشيء.
أدوات البداية وشغف الطفولة
كنّا نستعمل بقايا قضب الشجر، المتفحمة والمتفتتة في الشخبطة والتسويد، كانت الأداة المتاحة لحفنة من الأطفال المتسكعين «أمثالنا» في الشوارع، كنّا زمرة من المزعجين.. الصاخبين الثائرين دومًا، فكانت البيوت تلفظنا إلى الطرقات ليستريح أهلها من وجع الرأس...
أمّا عني.. فكنت أعتقد أني أملك موهبة حقيقية، بشهادة زملائي والمدرسين، حتى المتخصصين لاحقًا، رغم أني لست شديد الوثوق من ذلك، إذ لم تتخطَّ معارضي مرسم المدرسة والجامعة، فلا أذكر أني أقمت معرضًا خارجهما.. إلا في قصر ثقافة المدينة، ولمرة وحيدة، ولم أحضر معرضًا خارج هذه النطاقات..

رغم أنه ما من مسابقة فيهما أو معرضٍ.. إلا وحزت على المركز الأول وبجدارة، فإن ذاك أبدًا.. لم يرضِ طموحي في التحليق، كانت أحلامي دومًا وكعادتها شديدة الشره والطمع، كنت أدّعي أن قدميّ تنغرس إلى «سابع أرض»، وتطال قامتي «سابع سماء»، ورغم ظروفي القاسية والمتعثرة دومًا.. لم أفقد الأمل يومًا، ولم يسيطر على جأشي اكتئاب مستمر، كل صباح كان استكمال حلم قديم.. أو بداية آخر جديد، وذاك كان سر خلطتي، كنت أمجّ على صفحة لوحتي كل أناتي وعبراتي، فكان الرسم لي متنفسًا ربانيًا، ولي معه مواقف أكثر ما يتبدى منها.. أنها كانت مثيرة للضحك، بيد أنها كانت ترضي غروري في السخرية من المحيط الجاهل الزائف.
مسابقات الجامعة: سخرية من التقييم الزائف
أتذكر تلك الأيام التي استضافت فيها الجامعة وفودًا من طلاب جامعات الدول العربية.. لبنان والعراق وسوريا وفلسطين والمغرب وتونس.. وغيرهم، وكانت كلية الهندسة هي المضيفة لتلك الوفود، وكعادة تلك المناسبات.. كانت تُقام مسابقات ومنافسات بين الطلاب في مختلف الأنشطة، الأدب والرياضة والفن... إلى آخره.
تنافست مع أكثر من عشرين طالبًا «يمثّلون الدول المشاركة» في مسابقة الرسم والخط العربي والنحت، وكان موضوع مسابقة الرسم «الريف المصري»، وأتذكر أن موضوع المسابقة كان قد تسرّب إلى المشاركين، فتجهزوا بأفكارهم، أمّا أنا فلم تردني أية معلومة عنه، إلا أن تلك الأمور لم تكن لتوقف سخريتي من تلك المراسيم المقنعة، كانت مسرحًا زائفًا، الجامعة تمثّل أنها تقيم مسابقة، والوفود يتقمصون دور الضيوف، حتى النشاطات كانت نهجًا من الاصطناع الأحمق، كنت أعلم بكل ذاك، ورغم ذلك لم أسعَ يومًا لمعرفة موضوع المسابقة، إلا أن المركز الأول كان يأتيني خاضعًا تحت قدميّ.. صدفة!
ما يُضحك في الأمر، أنه قيل لنا «تلك المرة» أن لجنة التحكيم.. «أساتذة من كلية الفنون الجميلة»، بما يناسب كون المسابقة دولية.. قلت في نفسي: «ترى بكم استأجروهم ليتقمصوا هذا الدور؟!»
جئت قاعة الرسم متأخرًا، فلم أكن آبه بالأمر، ليس ثقة بل مللًا وضيقًا بذاك السباق السخيف، الأشبه بسباقات الجري لذوي الاحتياجات الخاصة، الكل فائز بل وبدرجة امتياز «جبرًا للخاطر»، وأعتذر، فسباقات ذوي الاحتياجات الخاصة أكثر جدية، وأبطالهم أبطال حقيقيون لا أبطال من ورق...
وكانت شروط المسابقة تلك المرة.. أن الرسم لا بد أن يكون على لوحة بيضاء، فجلبت لوحة صفراء! «من باب المرازية»، وأذكر أن المشرفة ما إن رأت اللوحة، ولمحت لونها، حتى امتقع وجهها بشدة، وقالت لي مستهجنة:
– بسببك.. هتتحجب الجايزة عن جامعتنا...
إلا أنها في النهاية وافقت على مشاركتي لزهد حيلتها «ولمحض الحضور»، وحفظًا لماء الوجه أمام العميد ورئيس الجامعة...
وفي أثناء مروري على لوحات الطلاب المشاركين، كنت أكظم ضحكي بصعوبة، الجميع يفترش لوحاته بمشاهد الترعة والفلاحين والبقر والجاموس وأشجار النخيل والبط العائم على صفحة المياه... إلى آخره من مظاهر الريف، لم أجد منهم من قدّم جديدًا أو رؤية مغايرة، كان بحق مشهدًا سخيفًا..
أفردت لوحتي في المكان المخصص لها، في البداية لم ينبُ بخلدي أية أفكار، فوجدت قلمي الرصاص يجري بعشوائية دون هدف، أذكر أني رسمت يدًا مرشوقة في وجه فلاح، تحيط بها أشجار ومبانٍ، كنت أعرف أن تلك الرؤى عديمة المعنى.. تُؤول على أنها فكرٌ عميق، وأن ثمة أبعادًا تتكشف بها تباعًا، وهكذا «للأسف» كانوا يرون الفن.. وإلى الآن، ويا حبذا لو كان العمل لفنان مشهور، فلو بصق على حجر لقالوا: فن، وما أضيع الموهوبين في رحابهم...
دخلت المشرفة لترى إن كان طلاب جامعتنا في حاجة إلى أدوات أو ما شابه، فصُدمت بلوحتي، وإلى الآن تطنّ كلماتها في أذني:
– الله يسامحك.. ودّيتنا في داهية...
إذ كانت تتقاضى مكافأة عن المراكز التي يجنيها الطلبة في مثل تلك المسابقات، وعلى العكس تمامًا، يُخصم من مرتبها الشهري إن لم يحققوا مركزًا رائدًا، ما يعني أنها لا تكترث بعملها، حدجتني برمقة ساخطة، فنظرت إليها ضاحكًا أقول:
– اللوحة اللي إنتي بتتريقي عليها دي.. هتجيب مركز أول.
مرّ الوقت وسُلّمت اللوحات، وخرج الطلاب ينتظرون النتيجة خارج المعرض، بعد ولوج لجنة التحكيم وانغلاق الباب، وكان المشرفون بالداخل معهم يباشرون النتائج تباعًا، وإذا بي أرى باب المعرض ينفتح، وتنبلج منه المشرفة، يكاد الابتسام أن يمزق وجهها، توجّهت صوبي مباشرة تقول:
– «إنت فلتة»، حينما دخل الدكاترة المعرض.. سابوا اللوحات كلها، ووقفوا متنّحين قدّام لوحتك.. يقولوا فيها شعر.
فسقطت من توّي، وانفجرت في نوبة ضحك هستيري، شرّ البلية ما يُضحك، فبقدر حمق هؤلاء.. بقدر ما كنت أعلمه عن طريقة تعاطيهم مع الأمر، وما خانتني قريحتي أبدًا، ولا خالجني ظن بزهد حيلتي.. وكأني أقرأ أفكارهم، أو سلطت جنيًا على ألبابهم، ليقفوا مشدوهين أمام شخبَطتي وهرائي، قلت في نفسي: «أقسم بالله لوحات سور محطة الكهرباء.. أكثر تعبيرًا مما تمخضت».
تقييمات مزعجة وطموح لا يرضى
إن أكثر ما كان يوجعني.. أني لم أفد يومًا إلى سباق حقيقي، كله كان «عبث في عبث»، وما يزيد من جرعة إحباطاتي تلك الكلمات التي طالما أزعجت أذني:
– أنت عبقري، فلتة، محصّلْتش، بكرة تبقى حاجة كبيرة، ابقى افتكرني لما توصل، «أما أوصل فين بالضبط؟!!»
العجيب أن تلك الكلمات رقعت مسامعي في أكثر من مجال.. في الرسم، وفي دراستي الهندسة، وفي تصميمات الجرافيك، وفي الشعر، وكتابة الأغاني، والكتابات الأدبية... إلى آخره، رغم أن قدرتي في أغلبها، كانت وما زالت.. متواضعة للغاية، والناظر لي إما منبهر أو ممتقع أو كاره!
حادثة قسم الهندسة المعمارية
والآن أتذكر أول لوحة أنجزتها، بعد ولوجي قسم الهندسة المعمارية، إذ كُلّف الطلبة برسم لوحة للإظهار المعماري «أشكال هندسية متراكبة، وبعض أنواع للأشجار، وأشخاص بوضعيات حركية مختلفة، وسيارات... وغيره»، ما يزين لوحات المباني، ويعطيها نمطًا من الواقعية...
كانت اللوحة بالنسبة لي «نهج طفولي لا يليق»، فلكم رسمت تلك الأشياء حتى كلّت أناملي، بيد أني أعطيت اللوحة اهتمامًا يعدو المطلوب، إذ إنها أولى لوحاتي بالقسم...
وفي ميعاد التسليم، وضع الطلاب «وكنت بينهم» لوحاتهم متراصة فوقيًّا، ثم سلّمت إلى الفراش ليوصلها إلى مكتب دكتور المادة، في حين ذهبنا إلى قاعة المحاضرات...
وبعد أكثر من ساعة زمن، انتهت المحاضرة، وعدنا جميعًا إلى صالة الرسم، وفي حين كنت ألج من الباب.. حتى صُدمت بلوحتي معلّقة على الحائط دونما اللوحات كلها، وفي الحقيقة لا يمكن أن أصف مدى ارتعابي في تلك اللحظة، وكان منبع خوفي أن يكون «مقلبًا» من أحد زملائي، فأعاقب عليه شديد العقاب، إذ كانت إدارة القسم متعسفة في جزاءاتها، فإما «الرفد» وإما الحرمان من دخول الامتحان، ولكن هذا لم ينفِ من داخلي أن تكون اللوحة قد عُلّقت من قبل أحد المعيدين...
انتصبت أمام اللوحة بين الاحتمالين، لا أجرؤ على لمسها، أذكر أن قلبي آنذاك كان يرقع برقعًا عنيفًا، وما إن لمحت أحد المعيدين يلج من باب الصالة، «ولسوء طالعي كان يمقتني بشدة.. بدون أسباب»، حتى هرعت إليه أفهمه أني وجدت لوحتي معلّقة.. ولا يد لي في ذلك، فطالعني بأنها أوامر أستاذ المادة...
عدت إلى مكاني بالصالة، إلا أن الخبر لم يزل من روعي شيئًا، بل زاده وعمّق من شراسته، ظللت أرمق اللوحة وثمّة انقباض بفؤادي، إلى أن برز الدكتور من الباب، فتسارعت دقات قلبي مكروبة.. أكاد أبصقه، ترجّل عدّة خطوات صوب اللوحة يقرأ الاسم المدون عليها، فأصابني دوار شديد، واصطكّت قدماي وأنا أسمعه ينادي باسمي، تحرّكت بخطو متهدّج واهن صوبه، وطرقت مسامعي كلماته:
– مين اللي رسم اللوحة دي؟
شعرت وكأني أوقعت في شراك.. نصبته أنا لنفسي، كيف سيصدّق أني راسمها؟ وأنا موحول بين حفنة من الطلبة هُزَالِيِّ المستوى، فكل منهم التحق بالقسم «على سمعته»، إذ كان معروفًا أن طلبة قسم عمارة زمرة من الفاشلين لا عمل لهم سوى «الدلع والمياعة والمسخرة»، كما أن الجميع يظن أن القسم من بين أقسام الكلية يتسم بغاية السهولة، إذ إنه يدرس أمورًا ذات علاقة وطيدة بالفن أكثر من المادة العلمية، «كانوا يعتقدون أنها سبيل للعب واللهو بعيدًا عن عناء المواد المعقدة الصعبة!!»
انتصبت مشدوهًا.. أنطق بصوت يوشك على الاختفاء:
– أنا.. أنا اللي رسمتها حضرتك...
فأمرني برسم بعض من الأشكال على «السبورة»، اختارها وانتقاها بعناية من اللوحة، وبعد أقل من خمس دقائق.. كنت قد أنجزت المهمة بامتياز، فنظرني الدكتور والانبهار يشع من عينيه، قائلًا:
– إنت معانا إن شاء الله...
يقصد أني سأكون ضمن هيئة التدريس بالقسم بعد أربع سنوات! وخرج سريعًا يلحق به المعيد، وبقدر ما كان يكتنفني من خوف، بقدر ما وقفت مَحملقًا أردد في نفسي: «حتى هنا تقال مثل تلك الكلمات.. يا للسخافة!!»
وعادت بي الذاكرة إلى سنوات المرحلة الإعدادية، حينما رسمت مبنى لمدرسة، كان موضوع الرسم آنذاك، وفي أثناء استلام الطلاب لكراسات الرسم وقد تم إعطاؤها درجات التقييم، وجدت رسمتي مذيّلة بالقلم الأحمر بعبارة «ممتاز» دون درجة، وعندما سألت مدرس الرسم عن السبب، قال:
– رسمتك ممتازة.. عشرة من عشرة شوية عليها...
فما كان رد فعلي إلا أن مزقت الكراسة بعد عودتي للمنزل، لم ترق لي عباراته، كنت في حاجة إلى تقييمه «خاصة وأنه معلمي»، كان شديد انبهاره ومغالاته في تقدير موهبتي.. يسقطه من ناظري...
وظل هذا الهاجس يطاردني، إلى أن رفضت أيّ تقييم بعده، كنت فقط أتقبل الانتقاد الجاد، ولا أقبل التقييم الكلي «لم أكن أرى في النقد تقييمًا»، بل وبدأت كل التقييمات تتصاغر في خلدي تباعًا، فبِتُّ أرسم ما يحلو لي، ما جعلني ذات مرة، وأنا أقف قبالة زملائي في السنة الثالثة بالقسم، غير مكترث بعبارات المعيد، وهو يمدح ويُغالِي في أحد مشاريعي لتلك السنة، بل وكنت أتمنى أن «تنشق الأرض وتبتلعني» ولا أستمع لتلك العبارات التي كانت تسقط على زملائي «كحجارةٍ من سجيل»..
ومرة أخرى كان الحقد ينبثق من أعينهم في أثناء محاضرة «المنظور»، عندما طلب الدكتور من يُكمل رسمة مبنى كان قد رسمه على السبورة «وكانت المحاضرة الأولى لتلك المادة»، فَسَاد الصمت المميت بين الطلاب ولا مجيب، وكأنه يتحدث إلى أصنام، في حين رفعت أنا يدي لأُعرب عن رغبتي في إنجاز المهمة، وما إن انتبهت لصمتهم، حتى أسقطت يدي خلسة متقهقرًا بالندم، إلا أن الدكتور كان قد لمحني، فطلبني على الفور، وكالعادة قمت بالأمر.. «فلكم خطّت يدي مثل تلك الرسومات قبلها بأكثر من عشر سنوات»، ففوجئت بالدكتور يهتف في زملائي:
– صقّفوله..
وكعادتي أيضًا.. وقفت والبلاهة ترتسم على أساريري، مندهشًا: «صفقوا له! أَمِثلُ تلك الأمور تحدث بالجامعة؟! أيضًا.. ما هذا الهراء؟»، أشعرني الموقف وكأني ما زلت بالصف الأول الإعدادي، رمقت زملائي مستغربًا فرأيت حقدًا مريبًا يشع من أعينهم، وطالعني أحدهم أثناء عودتي لمقعدي، قائلًا:
– تسلم لنا إيدك يا باشمهندس..
إلا أنها لم تسلم، فما كان إلا أن هويت على الدرج من الطابق الخامس، فكسرت يدي اليمنى وقدمي، وأجلت العام الدراسي!، والأدهى أنني أجلت ثلاث سنوات أخرى في أحداث مماثلة!
خيبات الأمل ولقاء الأمل: جورج البهجوري
لم يكن شعوري بالامتقاع والسخافة يومًا «ثقة بالنفس»، بقدر ما كان يأسًا من افتقار الجدية والموضوعية، ووقوعي دومًا بين أرهاط من هُزال القدرات، وعديمي الملكات، من هم دون المستوى في كل شيء..
إلا أنني، وأعترف، قد تحايلت كثيرًا على رؤاي الفنية في السنوات قبل الأخيرة، بل وطُوِّعت لي تقنيات أيضًا متحايلة، وذاك لأسباب كثيرة، تأثرت شيئًا ما بالمنطق المتواضع السطحي والضحل للوسط المحيط بي، كانت العقول عرجاء، منتوجًا طبيعيًا لوسط ريفي ممسوخ بعصرية مشوهة، فانسقت وراء شخوصه بإنتاج بعض اللوحات التجارية العقيمة..
ومن الأسباب أيضًا، أني كنت شديد الحزن أني لم أتلقَّ تعليمًا أكاديميًّا.. يصقل موهبتي، فكنت أتميز غيظًا وأنا أسمع أحد زملائي يطالعني بأنه قد حصل على «دبلومة تشريح»، أو ما شابه، كان يقهرني ويهزم طموحي وقدرتي..
حاولت مرارًا أن أصقل موهبتي بالعمل المستمر، والانتهال من أهل الخبرة، وفي سبيل ذلك أذكر أني في عام 2006م تقدّمت للعمل والتدريب كرسام كاريكاتير في جريدة الدستور، فتم توجيهي إلى القسم الفني، وهناك قابلني زمرة ممن يوقفون «المراكب السايرة»، وكُلّف أحدهم بتوجيهي وتعريفي بما يلزم فعله، وياليتني ما رأيته، جعلني أَمقُت الرسم والرسامين...
في كل مرة كنت أذهب إلى مقر الجريدة، كان يُطلب مني أن أعيد رسم عشرات الرسومات، حتى يقتلني الإرهاق، فيقول لي عبارته السمجة:
– نكمّل بكرة..
وما أكثر ما تكررت على لسانه، وكنت أحضر دومًا في اليوم التالي لأقوم بنفس العمل، فلما يئس الرجل من إصراري وصمودي، قال لي:
– تعرف كتاب سباعيات صلاح جاهين؟
«وهو كتاب تتجاوز صفحاته.. المئتين وخمسين صفحة»، قلت:
– هدور عليه في المكتبات..
– تمام.. متجيش هنا قبل ما تعيد رسمها كلها.. خمس مرات..
«وذكّرني عندما كان المدرسون يعاقبوننا بكتابة موضوع معين عشرات المرات»، فلعنت الرسم والجريدة والتعلُّم، ولعنت الرجل مرات ومرات «كل هذا بالطبع بيني وبين نفسي»...
إلا أنني، ورغم ضيقي من طلب الرجل، أنجزت المهمة في سبعة أيام فقط، وعُدت إليه أحمل ألفًا وأربعمئة ورقة رسم، فنظرني متأففًا، يقول:
– على فكرة إنت ذكي جدًا، طب أفهّمك إزاي إن مالكش شغل عندنا..
ولا أدري كيف التقمت غيظي وانصرفت، وأخذت عهدًا على نفسي ألا أنسى ذلك الموقف، وألا يغيب ذاك الرجل عن ذاكرتي مهما مرّ من عمر..
إلا أنني لم أفقد الأمل، ظللت أدور على مقرات الجرائد المصرية، الواحدة تلو الأخرى، اليوم السابع، المصري اليوم، الشروق، الأهالي، النبأ..... إلخ، دون جديد، إلى أن سمعت من أحد الصحفيين الصغار أن جريدة الدستور ستقيم معرضًا فنيًا بساقية الصاوي بالزمالك، وكانت المرة الأولى التي أزور فيها حي الزمالك لا ساقية الصاوي ذاتها، كان المعرض بعنوان «حصاد 2007»..
ذهبت مبكرًا لمقر المعرض، وكان عليّ أن أنتظر لأكثر من ساعتين، وبالطبع لم أملك الجلوس على أحد «الكافيهات» بالساقية، فلم يكن بجيبي غير أجرة طريق العودة، فجلست على أريكة بمقدمة المكان وداخل أسواره، وإذا برجل كبير السن قارب الستين حَولًا، أو يكاد، يجلس بجواري وأنا أقلب في بعض رسومات قد أخذتها معي، نظرت إلى الرجل، كان يرتدي قبعة تشبه «قبعة عادل إمام في شمس الزناتي»، نظرت إليه في بادئ الأمر ثم عدت بناظري ولم آبه، إلا أن الرجل خلع قبعته فانحسرت رأسه عن شعر أبيض مُجعّد طويل، ورأيته يمد يده لي بـ «سيجارة» ويقول:
– بمسّي عليك..
حدقت في وجهه، إنه هو، الفنان جورج البهجوري «رسام الكاريكاتير الأشهر، صاحب المعارض الفنية في سائر أرجاء العالم، والحائز على جوائز كثيرة، منها الجائزة العالمية الأولى في الكاريكاتير في روما في عامي 1985 و1987»، وما أسعد لقاءً كهذا، لو رتبته الظروف لما تم، لم أصدق عينيّ، حتى إني انتفضت من مقعدي منتصبًا، فأمسك بيدي وأجلسني وأعطاني «سيجارة».
ظللت لأكثر من ساعة زمن أتحدث مع الرجل، ولقد حسن الله في منطقه وحفاوته، أكثر مما أبدع في تكوين موهبته، كان متواضعًا لآخر حد يمكن أن يتخيله أي إنسان، لم يقاطعني، وتلقى لهفتي على أفضل ما كنت أنتظره، وشاهد رسوماتي كلها وأثنى عليها، ووجّه لي نصائح غالية لم أنسها إلى اليوم.
إلا أن ما حدث داخل المعرض، جعلني أمقت بعض رموز تلك المهنة، فلقد وجدت تعاليًا غريبًا وسخرية من بعضهم، وتقليلًا من أعمال المعرض، رغم أنها في اعتقادي المتواضع، كانت رائعة للغاية.

وأذكر أنني حينما اقتربت من الفنان جورج البهجوري، قدّمني إلى أحدهم، وكان رسامًا أشهر «ع. ف»، يعمل بأحد الجرائد القومية الكبرى التي تمثّل هذا البلد، خليفة لفنان كبير له باع طويل في العمل الصحفي، فما كان رده إلا أن قال له:
– مينفعش يا أستاذ تكون متواضع بالشكل ده، مش كل واحد مبتدئ يجيلك تديه من وقتك.. هتجيب وقت منين؟
إلا أن الفنان العظيم تجاهله، وأمسك بذراعي وجلس على كرسي بالمعرض، وطفق يريه رسوماتي، ويأخذ رأيه بعفوية شديدة كعادته، «عرفتُ ذاك من محض دقائق قضيتها معه»، لم يكن يعرف أنه «أحرق دمه».
وقف المتعجرف يجز على أسنانه وقد اسودّ وجهه من الإحراج، إلا أنه في رحاب قامة عظيمة كتلك، لم يملك قدرة على الاحتجاج أو التذمر، فأسقط جام سخطه على أعمالي، وقف ينقد رسوماتي بالسلب، لم يعجبه شيء، إلا أنه أحصى بضع ميزات قلائل.. رياءً وإرضاءً للأستاذ.
تقلبات المسار الفني والبحث عن الأصالة
كان هذا أيضًا من جملة ما عايشته، ولن أنساه طيلة ما حييت، كنت أعرف أن كل طريق نجاح مليء بالعثرات والسخافات، إلا أن ما صدمني وأفقدني الثقة أحيانًا، أن تكون عثرات طريقي هي قامات كبيرة كذاك المتعجرف، وبالخبرة فيما بعد، وجدت أنه من بين كل عشرة رموز محبطة.. تجد رمزًا يبث في روحك الأمل كـ «البهجوري» وغيره.
وبمرور الوقت تبدلت ميولي وتلونت كالثعبان، وانخدعت للظروف وأذعنت لها، فمن رسام إلى شاعر إلى قاص، لأعود رسامًا تارة أخرى، وتتكرر الدائرة مرات ومرات، وفقًا لظرفي وحالتي المزاجية، وهكذا دارت حياتي.
والآن بتُّ أشعر أن تلك الموهبة، وُلدت لتموت، ومع كل محاولات إحيائها.. يتجدّد مواتها مرارًا، ولا أصعب على النفس من أن تُهدى بشيء.. تسلبك الظروف قيمته.
كانت للأحداث شديد الأثر في تكوين أحلامي وطموحاتي، ولا أنكر، كنت مطيعًا لها، أسيرًا، أدور مع دروبها دون إبداء تذمّر أو احتجاج، وهذا ما كنت أملكه، كنت في عمقي ثائرًا، وفي واقعي لوحة تتغير ألوانها مع تحولات الليل والنهار.
وكم من الأماني راودتني وناوشت خلدي، يومًا ما كان التمثيل حلمًا كما كانت الكتابة، إلا أن الرسم ظل التوق الأعظم، والاشتياق الراسخ في أعماقي كالجبل التليد، عنيدٌ يأبى إلا أن يُشهر قامته، ولا أدري لما كانت الحرب دومًا تدور.. كلما سقط حبر قلمي على لوحة، تتشرس وتصبح حامية الوطيس، لتعود فتشتّت أحلامي تارة أخرى.
بيد أنه، ولأوقات كثيرة، كانت تغمرني هزة وحالة انتشاء، فترنو نفسي وتهفو إلى بيكاسو وبيكار، ليوناردو دافنشي وصلاح طاهر، مايكل أنجلو وجمال السجيني، فان جوخ ومحمود سعيد.. و.. جاذبية سري، هانز إيرني، شوقي زغلول، أرمان، نجيب بلوخه، ألسويرث كيلي، مصطفى الحلاج، جاك ليفين، إسماعيل شموط، جيف كونز، الشعيبية طلال، سويز بيتس، عوض عبيدة، مصطفى فروخ، إدوين پاركر، لؤي كيالي، يعد تومبلي، آدم حنين، مانويل برومبرج، أحمد حجازي، هربرت أبرامز، إبراهيم وانلي، ويل بارنيت، ألكسندر صاروخان، بانكسي، إنجي أفلاطون، ديفيد هوكني، إيزاك فانوس، جون ليدون، إيفيلين عشم الله، ريتشارد لونغ، محمد وانلي، سيمون هينوود، عبد المجيد وافي، علي عمر أرميص، عفت ناجي، كليف باركر، علي مهيب، إيدي راما، صافيناز ذو الفقار، آريس كالايزس، مارجريت نخلة، هربرت أشترنبوش، محسن عطية، أنتون لاماثاريس، محيي الدين اللباد، إنريكو كاستيلاني، مختار العطار، دوردي بيراموف، مصطفى حسين، ألكسي ليونوف، معوض جاد الرب، جاك بيلجرين، هاني حجاج، عمار بن بلقاسم، يوحنا الأرمني القدسي... والقائمة تطووول.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.