حكاية غرام.. تيار الوعي في الرواية النسوية التشيكية المعاصرة

صدرت "حكاية غرام" للكاتبة التشيكية أليكسندرا بيركوفا عن الكتب خان للنشر والتوزيع في يناير 2021. وترجمها إلى العربية خالد البلتاجي، أستاذ الترجمة واللغويات بكلية الألسن- جامعة عين شمس. نحن أمام رواية تيار وعي من الأدب التشيكي الحديث. صدرت هذه الرواية باللغة التشيكية عام 2000، وعنوانها الأصلي "Temná láska"، والترجمة الحرفية للعنوان بالتشيكية "غرام مظلم". أرى أن المترجم أراد أن يُبعد عن القارئ الانطباع المُقبض الذي قد يخلفه الالتزام بالعنوان الأصلي، وهذا في وجهة نظري تصرف موفق.

"حكاية غرام" رواية قصيرة، رواية تيار وعي، رواية رمزية، تصور لنا صراعا أزليا، صراع الإنسان من أجل الحرية، صراع الرجال والنساء، صراع الإنسان ضد القهر، لكن من منظور نسوي.

تستهل الكاتبة روايتها بجملة ذكية، ربما تستوقف القارئ لبعض الوقت: "كم هو عظيم مقدار ما يتحمله البشر خوفا من الوحدة". الوحدة وحش، دفع البطلة إلى الاستكانة والاستسلام وعدم البحث عن حريتها.

تتألف رواية "حكاية غرام" من ثلاثة فصول: في القفص، صراع مع الملاك، النهاية.

تتناول الكاتبة في الفصل الأول "في القفص" حالة الأسْر الزوجية كما تتخيلها البطلة كارولينا وذلك من خلال حواراتها مع طبيبتها النفسية. تسترسل البطلة في فرد ما يتداعى إلى ذهنها عن حياتها كحيوان أسير في قفص. حيوان يحب أسره. البطلة تكره زوجها وتحبه في آنٍ:

"يمكن أن ترحلي."

"ماذا تقولين؟"

"أقول إن بإمكانك أن ترحلي عنه إن أردتِ. فأنتِ تعرفين أن هذه القيود بالية تماما؟"

"آه، يا له من هراء!"

وفي حوارها مع طبيبتها تسترجع ذكريات طفولتها التعيسة، فهي نشأت في أسرة مفككة. وبناء عليه تقول: "شقيقة قذرة لأشقاء قذرين. أنا صندوق قمامة العالم!". استوقفني في هذا الفصل أيضا وصفها لنفسها: "ألم كبير في أرجاء جوال يحمل أحشائي، واسمه أنا"، تشبيه ذاتها بالجوال أحالني مباشرة إلى شخصية أوشيما في رواية "كافكا على الشاطئ" للياباني هاروكي موراكامي، فقد وصف أوشيما جسمه بالحاوية التي لا يستطيع تغييرها.

وفي الفصل الثاني "صراع مع الملاك" تتدفق مشاعرها حيال الأمومة وصراعها مع فكرة الزواج. حالة الحب الوحيدة في حياة البطلة تتمثل في حبها لابنتها، والتي كانت طوال الحكي تسميها "اليرقة"، ودائما كانت حريصة أن تصبح فراشة جميلة، لكن فترة المراهقة قضت على هذا الحلم وصارت الفراشة مدمنة مخدرات!

"لا شيء في هذا يا أمي، لا تخافي، أنا أسيطر على الأمر. كلهم يتعاطون المخدرات اليوم، لو رأيتِ الآخرين- هناك من هو أسوأ مني بكثير..."

أما الفصل الثالث والأخير "النهاية" فهو فصل التحرر، فتحاول كارولينا الأخذ بنصيحة طبيبتها وتغوص في الذكريات وتتأملها وتتخفف وتتطهر بالحكي، وتنجح في تجاوز أسْرها وتخرج من القفص. تتصالح مع فكرة أن حياتها يجب أن تستمر دون الالتفات إلى زوجها وأن يرَقتَها (أي ابنتها) ستتجاوز محنتها، وتتصالح مع تقدمها في السن. هذا الفصل فصل الحلم والحرية.

"لقد صرتِ خارج كل شيء؛ لقد نجحتِ! أنتِ حرة، تجاوزتِ الأمر. في مقدوركِ أن تذهبي إلى حيث شئتِ"

الرواية مونولج في عقل امرأة وذاكرتها، اعترافات مريضة وأحلامها ومخاوفها لطبيبتها النفسية، امرأة تحاول في سنواتها المتأخرة البحث عن حريتها المفقودة، وهذه أزمة لا تخص المرأة وحدها، بل هي أزمة الإنسان بشكل عام.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب