في هذا النص القصصي الآسر، نخوض مع عبير تجربة حبٍ عميقة، جمعت بين الفرح والألم، بين دفء اللقاء ومرارة الفراق، يتصاعد السرد من لحظة الانكسار إلى لحظة التماسك، فتكافح بطلتنا لاستعادة ذاتها وسط حطام الذكريات وندوب الماضي. بأسلوب رقيق وصادق، يكشف النص عن هشاشة القلب الإنساني، وعن قوة المرأة حين تختار الشفاء بعد الخذلان. إنها حكاية لا تُنسى عن التعلق، والفقد، والتحول من الضعف إلى القوة.
الفصل الأول: اللقاء بعد الفراق
بينما تسير عبير بخطا متثاقلة في طريق عودتها إلى المنزل، كان الجو باردًا، والغيوم تنذر بقرب هطول المطر بغزارة، فهي تحمل في قلبها كثيرًا من الذكريات الموجعة التي حاولت مرارًا وتكرارًا نسيانها دون جدوى، في مثل هذا الفصل قبل عامين كانت عبير تعيش أفضل أيام حياتها؛ فقد كانت حالمة وعاشقة.
شعرت بغصة في قلبها، وانسابت دموعها على خديها، كل ما شعرت به عبير هو مزيج من ألم الحب ووجع الشوق وأمل اللقاء ومرارة الفراق، لقد تغيرت عبير من الفتاة باسمة المرحة المتفائلة إلى أخرى كئيبة وكتومة وحزينة ومتشائمة، كل من حولها لاحظ هذا التغيير الذي طرأ عليها.
دخلت منزلها دون أن تصدر صوتًا، وتوجهت إلى غرفتها كأنها تعاقب نفسها على ماضيها، ارتمت على السرير، وذهبت في سبات عميق هاربة من واقع يؤلمها إلى عالم الأحلام، لعلها تجد هناك ما ينسيها ألم قلبها.
استيقظت، وتمنت لو أن الموت قد استلم روحها، لينتشلها من موتها المؤقت، سمعت رنين هاتفها يعلن عن اتصال من شخص لم تتوقع يومَا أن يحن أو ويشتاق إليها، لم تنطق عبير بكلمة، كأن كل الحروف قد سلبت منها، كأنها فقدت القدرة على الكلام.
- عبير، أرجوك، تحدثي معي، لا تصمتي..
- أعتذر..
- وانقطع الاتصال، صرخت عبير بأعلى صوتها، ثم حطمت مرآتها، لكي لا ترى ملامح ضعفها وانكسارها، لماذا عاد؟ هل ليخذلني مرة أخرى؟ هل عاد لأتجرع مرارة الفراق مجددًا؟
بعد الصراع الدائر بين قلبها وعقلها لم تعد لديها القوة للوقوف على قدميها، جلست على الأرض، ورفعت رأسها إلى السماء، تتحدث بعينيها فقط: هل شعر بالندم؟ هل اجتاحه الحنين كما اجتاحني؟ هل عاد معتذرًا أم ليكسرني من جديد؟ هبت بكل قوتها، وبخت نفسها: إياك أن تفكري في الأمر، من يتركك مرة سيعود ليكسرك مرة أخرى.
الفصل الثاني: حين يهمس الماضي من جديد
لقد مر شهر على آخر اتصال، قلب عبير كان عدوها الأول، وهزائمها لا تأتي إلا منه، عبير تعيش الحاضر، لكنها لا تزال أسيرة الماضي، حاولت، ولا تزال تحاول أن تتغلب عليه.
قررت عبير الخروج من منزلها للتنزه مع صديقتها الوفية وفاء، شعرت وفاء بأن صديقتها ليست بخير، صامتة طوال الطريق، ودمعة حبيسة في عينيها ترفض الخروج.
- قالت وفاء: ما كل هذا الحزن؟ ألم يحن الوقت للنسيان نهائيًا؟ العمر يمر سريعًا يا عبير، لقد عشت معك كل أحوالك، فحاولي يا عبير.
- قالت عبير: حاولت يا وفاء، لكنني لم أستطع، فقلبي لا يزال يحن إليه، ولا يريد أحدًا سواه، فكيف يا وفاء؟ كيف لي أن أشفى من مرض خبيث دون أن أستأصل سببه؟
بعد ساعات من المشي مع وفاء جلستا أمام البحر، في بادئ الأمر لم تتحدث أي من الفتاتين، لا صوت سوى صوت الأمواج، بعدها تحدثت عبير بصوت خافت كهمس الموج:
- أعرف يا صديقتي الحبيبة كم أنا ضعيفة، في كل مرة أقف فيها أمام مرآتي المحطمة أحدث نفسي: إن اليوم بداية مرحلة النسيان، لكنني أجد وردة تذكرني به، أو يذكر أحدهم اسمًا يشبه اسمه، يمر إعلان على التلفاز لناد يشجعه، أو فيلم يعشقه، فالعالم كله يا صديقتي يذكرني به، فكيف أنساه أنا؟ واليوم يا صديقتي نجلس معًا على شاطئ ضحكتنا وكلماتنا وهمساتنا ومشاغباتنا.
- قالت وفاء: حاولي يا عبير من أجلك، لا من أجل أحد، أنت الضحية، لكنك أيضًا الجلاد، الحب والفراق طريق يسلكه الجميع، منهم من يعيش حلاوة الحب، ومنهم يتجرع مرارة الفراق، هي أقدار يا صديقتي، لا نملك إلا أن نرضى بها.
الفصل الثالث: الماضي يتصل
في لحظة الهدوء والسكينة التي عمت المكان، وحديث العيون وتأمل وجوه المارين، صدح رنين هاتف في حقيبة عبير.
- قالت وفاء: من المتصل؟
صمتت عبير ثواني، ثم قالت بصوت مكسور:
- الماضي يا وفاء، لا يزال ينبش قبري، سلب روحي مرة، وعاد من جديد ليقضي على المتبقي منها.
- صرخت وفاء في وجه عبير: أنت لم تحاولي نسيانه يا عبير، بل تحيين ذكراه كل يوم، تحتفظين بكل شيء يربطك به، صورته لا تزال في هاتفك، وكل هداياه لا تزال في خزانتك، ورقم هاتفه لا يزال محفوظًا لديك، يا عبير، أنت تكذبين على نفسك..
غطت عبير عينيها بيديها محاولة أن تخفي دموعها وتمنعها من السقوط.
- قالت بصوت مرتعش: أنا لم أكذب يا وفاء..
وضعت عبير يدها على قلبها، وتابعت:
- آه.. آه.. أتمنى ألا تجربي هذا الألم يومًا يا وفاء.
وقفت عبير قبالة البحر، فانعكست صورتها على الماء، تحدثت إلى نفسها: لقد فقدت كثيرًا من وزني، ورسمت الهالات السوداء أسفل عيوني، وتورمت من كثرة البكاء، وأصبحت أكبر من سني بأضعاف، ولا أزال في مقتبل الحياة.
شعرت عبير بيد على كتفها، كان صوت وفاء هادئًا، لكن حاسمًا:
- آسفة يا عبير، لكنني مرآتك الحقيقية، أنا هنا لأريك ما تحاولين إنكاره، لا لأزيف لك صورتك..
ابتسمت عبير لصديقتها وقالت:
- شكرًا على صدقك، وعلى صداقتك، أنت قوتي حين أضعف، وعكازي الذي يسندني كلما تعثرت، أنت مرآتي وانعكاسها.
وفجأة.. صدح رنين الهاتف في يد عبير، نظرت إليه بتردد قبل أن تقول وفاء بحزم:
- ردّي يا عبير.. لقد حان وقت المواجهة، فالهروب ليس حلًا..
رفعت عبير الهاتف، وضغطت على زر الإجابة.
- ألو؟.. من المتصل؟
جاءها صوت مألوف منخفض النبرة، يحمل شيئًا من الماضي:
- هل نسيت من أكون؟
الفصل الرابع: المواجهة
- نعم لا أعرف من تكون، الشخص الذي كان يملك هذا الرقم لم يعد موجودًا..
- أكمل محمد يخاطب عبير:
- أنت كاذبة يا عبير، أنا محتل، أحتل يسارك، ولن يخرج إلا بموتك..
ضحكت عبير بأعلى صوتها، مع أن غصة كبيرة تخنق قلبها، نظرت عبير إلى هاتفها، وصوتها يختنق بين الألم والغضب:
- ماذا تريد؟ لماذا العودة بعد كل هذا الرحيل؟
في لحظة عم فيها السكون، ولم يسمع شيء سوى صوت أنفاسه، قالت بصوت مرتجف:
- هل حقًا.. لم تجد فتاة تحبك كما أحببتك؟
- يا عبير، لم يكن بيدي شيء، القدر هو من أبى أن يجمعنا معًا.
- يا محمد، الضعفاء هم من يستسلمون للقدر..
وانقطع الاتصال بين الطرفين..
وعادت عبير بذاكرتها إلى ما قبل عامين، كانت أيامها مملوءة بالألوان والضحكات، وكل شيء بدا ممكنًا، تذكرت عبير أول لقاء لها مع محمد، كيف كانت نظراته تحمل دفئًا لا يُنسى، وكيف أصبحت قلوبهما تنبض معًا في تناغم تام.
كانت تتمشى مع صديقتها وفاء في الحديقة، وفي هذه اللحظة أدّت الصدفة دورها حين التقت عيناها بعيني محمد، فابتسم لها ابتسامة جعلت قلبها يرفرف.
كان متمرسًا في إيقاع فرائسه، واحدة تلو الأخرى، أما عبير فكانت هذه المرة الأولى التي يعشق فيها قلبها حد الهلاك، لقد حذرتها وفاء منه كثيرًا، لكنها لم تستمع، فقد كانت عاشقة حد الموت، فالبدايات دائمًا ما تكون رائعة، فيها كثير من الحب والاهتمام والهدايا والرسائل الصباحية والنوم على أصوات من نحب..
هذا ما عاشته عبير في كنف محمد، حيث ظنت أن السعادة ولدت لأجلها فقط، في لحظة واحدة، رحل محمد كأن عبير لم تكن يومًا، لم يبرر لها، ولم يمنحها أي علامة صغيرة تشرح قراره المفاجئ، كان يملأ وقتها، يملأ روحها، يشغل كل تفاصيلها، ثم فجأة لم يعد موجودًا، لم يبقَ سوى فراغٌ كبير، وصوت صمته الذي يطاردها كل يوم، ظلت عبير حبيسة ذكريات محمد، فقد سكنها كجني يتلبس جسد إنسان، ولا يخرج منه، ولا يترك لها فرصة للشفاء.
مرت بها الساعات والأيام والأسابيع والشهور والسنين، وعلى أمل أن يعود تركت باب قلبها مفتوحًا، لكنها انتظرت طويلًا، ولم يعد، هل سمعت يومًا أن الطيور إذا غادرت القفص تعود؟
في تلك اللحظة بدأت الأمطار تهطل بغزارة، فأفاقت عبير من عالم الذكريات الحزينة على صوت وفاء يناديها من بعيد:
- عبير.. هيا، لنعد إلى المنزل .
عادت عبير الى منزلها محطمة ووحيدة، فقدت عائلتها جميعها من عام في حادث سير، لم يتبق لها أحد إلا صديقتها الوفية وفاء.
فقدان عائلتها هو الذي حطم ما تبقى منها، في تلك اللحظة تمنت لو كان محمد إلى جانبها، يعزيها ويسمح لدموعها أن تنساب، فيكون هو دعمها الأول، أن يكون عكازها الذي يمنع سقوطها،
تمنت أن يكون بديلًا، يعوضها عن فقدان أمها وأبيها، لكن الحقيقة أن لا أحد يستطيع أن يسد فراغ عائلتها.
الفصل الأخير: نهاية عبير
عاهدت عبير نفسها بأنها ستكون أقوى مما كانت عليه، ارتدت ملابس منزلية دافئة تناسب برد الشتاء، وأعدت لنفسها كوبًا من القهوة الساخنة، وقطعة من الحلوى التي حضرتها بنفسها، فقد قررت أن تشفى من محمد، أن تنزعه من قلبها كما يستأصل الفرع من جذوره.
دخلت غرفتها، جمعت كل ما يربطها به، ورمت الهدايا في أكياس القمامة، وحذفت صوره من هاتفها، لقد بدأت تغلق الأبواب المفتوحة، خرجت من غرفتها وتوجهت إلى الشرفة، وجلست على الكرسي الخشبي، ووضعت كوب القهوة على الطاولة الصغيرة، وأخرجت الهاتف من جيب بجامتها، وبدأت تكتب رسالة إلى وفاء:
صديقتي الوفية وفاء..
أعتذر عن كل ما بدر مني دون قصد، أعلم أنك كنت تحاولين حمايتي من نفسي، فالنفس أمارة بالسوء، لكنك تعرفين جيدًا أننا لا نملك سلطانًا على قلوبنا، أنت أخت لم تلدها أمي، شكرًا لوجودك في حياتي، وها قد حان وقت النهاية، نهاية حكاية محمد وعبير..
جلست عبير بهدوء، وبدأت تكتب آخر رسالة له:
إلى حبيبي الذي أدمنته.. إلى من تسلّل حبه إلى قلبي من أول نظرة، رضيت بك وبكل عيوبك، كأنها مزايا، فالمحبّ دائمًا يغفر ويشفع ويبرر، لكنني اليوم أعلنت الحداد عليك، وها أنا أقبل التعازي فيك، وفي قلبي الذي وهبك كل شيء، واليوم ستكون آخر دمعة تبكيك.
أرجوك.. كن وفيًّا لرحيلك، فقد اخترت الرحيل، وأنا -على الرغم من كل شيء- قبلته، ولو كان القرار متأخرًا، لا تطلب فرصة ثانية، فأنا لا أؤمن بالفرص لمن أضاع فرصته الأولى.
رسالة إلى عبير..
اليوم تنتهي عبير الحالمة، الفتاة التي كانت تنتظر فارسًا يأتيها على حصانه الأبيض، وتؤمن بالحب من أول نظرة، كأنها تعيش داخل فيلم أو رواية، لم يكن الحب سيئًا، لكن عبير لم تكن تعلم أن ليس كل من يُشبه الرجال هو رجل، لقد أحبّت بقلبها وصدقها وأحلامها، لكن الحياة لا تشبه القصص دائمًا..
إياك ثم إياك ثم إياك أن تظني أن الحب هو موضة العصر، فإما حب صادق يأتي من الأبواب أو حب كاذب، يتلاعب بالمشاعر، ونهايته أن تتجرعي مرارة الفراق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.