في مدينة القاهرة، في أواخر خمسينيات القرن العشرين، كانت المدينة تستيقظ كل صباح على ضجيج الحياة؛ الباعة يفتحون دكاكينهم، والترام يشق الشوارع القديمة، ودخان المقاهي يتصاعد مختلطًا برائحة الخبز الساخن. لكن في زاوية بعيدة من المدينة، خلف أسوار السجن العتيق، كان صباح آخر يولد كل مرة؛ صباح لا يشبه أي صباح، تقاس فيه الدقائق بأنفاس رجل ينتظر نهايته، وتعلن الساعة الثامنة موعدًا أخيرًا بين إنسان والحياة.
وفي المساء، وعلى مسرح تغمره الأضواء، كان الناي ينساب شجيًا بين يدي رجل يجلس خلف أم كلثوم، فينسج من الهواء أنغامًا تلامس القلوب، حتى يخيل للسامعين أن الحزن نفسه قد تعلم كيف يغني.
كان ذلك الرجل هو وفا فاضل، عازف الناي الأول في الإقليم الجنوبي، وواحدًا من أشهر العازفين الذين رافقوا أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وأوركسترا الإذاعة. لم يكن أحد من الجمهور يعلم أن اليد التي تمنحهم السكينة في الليل كانت في الصباح ذاته قد ارتجفت أمام مشهد إنسان يسلم عنقه إلى حبل المشنقة.
ولد وفا عاشقًا للصوت قبل أن يكون عاشقًا للموسيقى. منذ ثلاثين عامًا، حين كان فتى يتردد على المجالس الأدبية والفنية التي يجتمع فيها الشعراء والمثقفون، كان يجلس مأخوذًا بما يسمعه من قصائد وألحان. هناك سمع محمد عبد الوهاب يغني «آه يا ذكرى الغرام»، وكانت مقدمة الناي التي عزفها الفنان الراحل عزيز صادق أشبه بنداء غامض اخترق قلبه.
في تلك اللحظة، شعر أن الناي لا يصنع الموسيقى، بل يترجم ما تعجز الروح عن قوله.
ومنذ ذلك اليوم، صار الناي صديقه الوحيد.
بدأ رحلته الفنية مع فرق علي الكسار والريحاني ويوسف فخر الدين، ثم صعد درجة بعد أخرى حتى جلس بين كبار الموسيقيين في فرقة أم كلثوم، وسافر مع فنه إلى مدن العالم، حاملًا نايه كما يحمل الإنسان قطعة من قلبه.
لكن القدر كان يخبئ له صداقة أخرى... صداقة مع الموت.
قبل اثني عشر عامًا، اهتزت القاهرة على وقع جريمة مروعة عُرفت بجريمة البار في شارع عدلي. تابع وفا تفاصيلها كما تابعها آلاف القراء، غير أن شيئًا غريبًا بدأ ينمو في داخله.
لم يكن فضولًا. ولم يكن إعجابًا بالعنف.
كان سؤالًا وجوديًا ثقيلًا:
كيف يبدو الإنسان في اللحظة التي يعرف فيها أن العالم انتهى؟
كان وفا قبل ذلك يخاف رؤية دجاجة تُذبح. يشيح بوجهه، ويشعر بالغثيان. لكن الجريمة دفعته إلى التفكير طويلًا في العدالة، وفي القصاص، وفي النهاية التي تنتظر من يقتل روحًا بغير حق.
رفع يديه إلى السماء ذات ليلة، وقال في دعاء خافت:
«اللهم أرني بعينيَّ عدلك حين يستوفي المظلوم حقه».
وفي صباح اليوم السابق لتنفيذ الحكم، كتب طلبًا إلى رئيس النيابة، يرجوه فيه أن يسمح له بدخول غرفة الإعدام.
سأله المسؤول بدهشة: «ولماذا تريد رؤية ذلك؟»
أجاب بهدوء: «أريد أن أرى عدالة الله وهي تتحقق على الأرض».
حصل على التصريح.
ولم يكن يعلم أنه بذلك التصريح فتح بابًا لن يستطيع إغلاقه طوال اثني عشر عامًا.
في ذلك الصباح البارد، عبر بوابة السجن للمرة الأولى.
كان الممر طويلًا، رطبًا، قليل الضوء، كأنه نفق يقود إلى عالم لا يعيش فيه إلا الصمت.
كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها. كل باب يفتح كان يشبه إغلاق باب آخر داخل القلب.
وقف مع هيئة التنفيذ أمام غرفة الإعدام.
كانت الساعة تقترب من الثامنة. لم يكن يسمع سوى دقات الساعة.
ثم جاء المحكوم عليه. شاب في مقتبل العمر.
قرأ مأمور السجن قرار النائب العام بصوت رسمي جامد، كأن الكلمات لا تحمل مصير إنسان، بل تعليمات إدارية عادية.
انتهى من القراءة.
تقدم عشماوي، الرجل الذي صار وجهه مرادفًا للنهاية.
أوثق يدي الشاب خلف ظهره. غطى وجهه بغطاء أحمر.
لحظة قصيرة...
ثم انفتح الباب. واختفى كل شيء.
بعد نصف ساعة، تكرر المشهد مع المحكوم الثاني.
خرج وفا من الغرفة وهو يشعر أن الهواء صار أثقل من أن يُستنشق.
ذلك اليوم لم ينم. ولم يأكل اللحم عامًا كاملًا.
كان كلما أغمض عينيه رأى الحبل يتأرجح في الفراغ.
لكن الإنسان كائن غريب. فالصور التي تؤلمه أحيانًا تتحول إلى أسئلة تطارده.
وبعد ستة أشهر، قرأ في الصحف خبر تنفيذ حكم جديد. قاوم رغبته في الذهاب. ثم وجد نفسه واقفًا مرة أخرى أمام باب السجن.
ومنذ ذلك اليوم، صار يعود. مرة... ثم أخرى... حتى تحولت الزيارة إلى عادة، ثم إلى هوس صامت.
لم يعد يكتفي بالمشاهدة. صار يجمع القصص. يقرأ التحقيقات. يحفظ أسماء الضحايا. يعرف تفاصيل الجرائم.
يسأل عن وزن المحكوم عليه يوم دخوله السجن، ووزنه قبل الإعدام، وطعامه الأخير، وكلماته الأخيرة.
واشترى مفكرة جلدية صغيرة، يكتب فيها كل شيء. كانت أشبه بأرشيف للحظات الأخيرة من حياة البشر.
كان يقول: «الناس يظنون أن الجميع يموتون بالطريقة نفسها.
هذا غير صحيح. لكل إنسان موته الخاص».
رأى رجالًا انهاروا قبل الوصول إلى غرفة الإعدام. ورأى آخرين يرددون الشهادتين في سكينة غريبة. ورأى من اعترف بجريمته أخيرًا بعدما كذب سنوات.
لكن الحقيقة الوحيدة التي سجلها في آخر كل صفحة كانت دائمًا واحدة:
حين يقف الإنسان تحت حبل المشنقة... يسقط كل شيء، ولا يبقى إلا الذهول.
ومن بين عشرات الوجوه التي مرت أمامه، ظل وجه واحد يطارده أكثر من غيره.
كان اسمه بيومي يس.
صدر ضده حكمان بالإعدام. ومنذ القبض عليه، لم يتوقف عن الضحك. ضحك أمام رجال الشرطة. وضحك أمام النيابة. وضحك في المحكمة. وضحك عندما نطق القاضي بالحكم. وضحك عندما رفض طعنه.
حتى صباح التنفيذ، دخل غرفة الإعدام مبتسمًا. صافح الواقفين واحدًا واحدًا. ابتسم لمأمور السجن. ابتسم لعشماوي. ابتسم للموت نفسه.
لكن... حين نطق مأمور السجن بالكلمات الأخيرة:
سينفذ فيك حكم الإعدام شنقًا...
تجمدت الابتسامة. لم تختف. لكنها فقدت الحياة.
رأى وفا وجهًا يضحك بعينيه ويبكي بروحه.
وفهم لأول مرة أن الضحك قد يكون آخر أقنعة البكاء.
قال في نفسه: كم من إنسان يضحك لأنه لم يعد يملك القدرة على البكاء؟
ومنذ ذلك اليوم، صار يسمع في ضحكات الناس رجفة خفية لا يسمعها سواهم.
كان الليل يأتي بعد كل صباح ثقيل. يغادر السجن. يعود إلى منزله. يغلق الباب. يحمل نايه. ولا يعزف للناس. بل يعزف لنفسه. كان الناي يبكي. وكان هو يبكي معه.
ثم، حين يحين موعد الحفل، يجلس بين أعضاء فرقة أم كلثوم.
تسطع الأضواء. تمتلئ القاعة بالتصفيق. تدخل أم كلثوم في وقارها المعتاد. تبدأ الأغنية.
ويرتفع الناي. فيظن الجمهور أنه يسمع مقامًا حزينًا.
أما وفا، فكان يسمع أصواتًا أخرى. كان يسمع وقع الأقدام في الممر الطويل. صرير الأبواب الحديدية. وصوت الحبل حين يستقر.
وكان يسأل نفسه وهو يعزف: كيف تستطيع الموسيقى أن تمنح الناس الحياة، في حين لا يزال الموت عالقًا في أصابعي؟
مرت السنوات. وأصبح الحزن جزءًا من ملامحه. حتى أصدقاؤه لاحظوا أن ضحكته أصبحت نادرة. وأن أنغامه صارت أكثر شجنًا.
قال له أحدهم يومًا: لماذا يبكي نايك دائمًا؟
ابتسم ابتسامة باهتة وقال: لأنه يعرف ما رأته عيناي.
وفي إحدى الصفحات الأخيرة من مفكرته، كتب عن المحكوم عليه جمال عبد الغفور مسعد.
سجل كل شيء بدقة مذهلة: تاريخ الجريمة. مكانها. أسماء أطرافها. رقم الزنزانة. الوزن الذي ازداد ستة كيلوغرامات خلال مدة السجن. وجبة الإفطار الأخيرة. ثلاث بيضات. ثلاث سجائر. ثم الجملة الأخيرة التي خرجت من فمه قبل أن يسلم رقبته للحبل:
أسأل الله الغفران.
توقف وفا طويلًا عند تلك العبارة.
ثم أغلق المفكرة.
وقال لنفسه: في النهاية... لا يبقى للإنسان سوى كلمة.
وذات مساء، بعد اثني عشر عامًا من تلك الزيارة الأولى، جلس وفا أمام نافذة منزله، والناي بين يديه.
كانت الشمس تغيب خلف النيل، والسماء تمتلئ بلون برتقالي هادئ، كأن الكون كله يعيد إليه درسًا نسيه طويلًا.
نظر إلى مفكراته المكدسة. فتح واحدة منها. قرأ أسماء الذين رحلوا. أغلقها. ثم جمعها كلها في صندوق خشبي. وأغلق الصندوق إلى الأبد.
في تلك اللحظة، أدرك أن العدالة التي جاء يبحث عنها لم تعد هي ما يشغله. بل الحياة. الحياة التي أهمل جمالها وهو يراقب نهايات...
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.