جريمة في قصر الجميزة.. حكاية خادمة كتمت شهادتها

في صباح اليوم التالي لوفاته، كانت واقفةً، متخشبة الجسد، تتكئ على جدار غرفتها كأنها تسند روحًا تتداعى. لم يعد لها من تسند عليه القلب... بعده.

بالأمس، دفنت زوجها بيديها، ثم عادت إلى المنزل وحيدة... أول مرة منذ زمنٍ لا تتذكَّر بدايتَه.

كل ما تتذكَّره أنه تزوَّجها وهي في الخامسة عشرة، واصطحبها إلى قريةٍ اسمها الجُمَيْزَة، حيث كان يعمل خادمًا في مزرعة (سليمان بك).

عاشا في غرفة صغيرة ملتصقة بسور القصر، بين الشجر والظلال، حياةً متواضعة.. لكنها ممتلئة بالطمأنينة.

لكنها، بصفتها امرأة، لم تكن غافلة عن نظرات سليمان بك التي كانت تخترق ثوب الحياء كلَّما مرَّ بقربها.

كانت تتحاشاه، تختبئ خلف كرامة زوجها الذي ضحَّى بكل شيء من أجلها.

كل زيارةٍ لأهلها كانت تبدأ بالحب، وتنتهي بذلك السؤال الذي ينسف أحلامها:

- لِمَ لم تحملي بعد؟

كانت تصمت.. لا إجابة عندها.

مرَّت السنوات، تآكل الحلم، ثم جاء التشخيص القاطع:

- زوجك لا يُنجب.

اهتزَّت جدران حياتها، وانهالت الضغوط:

أهلها يريدون حفيدًا، وأهله يطالبونها بالصبر، فهي (امرأة أصيلة).

وفي قلب الحيرة، اختارت طريقًا واحدًا:

- سأكمل حياتي مع رجلٍ لم يظلمني يومًا.

ثم جاء يومُ الأحد.

البيت يغلي بالاستعدادات. سليمان بك سيتزوَّج من ابنة الباشا سعيد، والزفاف يُجهَّز على قدمٍ وساق.

كانت هي وزوجها ضمن خدم الحفل، يُعلِّقان الزينة ويجهِّزان القاعة.

وبين ضجيج الموسيقى وتوزيع الورود، اقترب سليمان منها.

بكل وقاحة، أمسك يدها وهمس:

- تأخَّرتُ كثيرًا.. لكنِّي أحببتك منذ أول نظرة.

ارتجفت، تراجعت، ركضت إلى زوجها.

كانت تبحث عن حضن يحميها من ارتباكٍ لم تفهمه.

انتهى الزفاف.. لكنها بقيت تشعر بأنها دُفنت حيَّة تحت ثوب الخادمة.

ومنذ ذلك اليوم، صارت تتجنبه، تهرب من عينيه، وتدفن سرَّها في صمتٍ مرير.

ومرَّت الأعوام. لم تعد تحلم بالأمومة، ولا بأي شيء.

- طفل؟! ومتى كنتُ أملك وقتًا للطفولة؟ كانت تُخاطب مرآتها بتهكُّم.

ثم جاء ذلك الخميس.

دخل سليمان البيت وحده، دون استئذان.

نظرةٌ واحدة منه كانت كفيلةً بإعادة كل الماضي.

أغلقت الباب، لكنَّه اقترب.

- كبرتُ يا بك.. وأنت أيضًا، كفاك عبثًا! صرخت.

لكنه لم يسمع. توسَّلت، بكت، استغاثت.. عبثًا.

ثم فجأة، دوَّى صوت زوجها من الخارج، ثم دخل ليجد ما لم يكن يتخيَّله.

صرخ:

- خدمتك عمري كله.. وأنت تكافئني بهذا؟!

اندفع نحوه، اشتبكا. لم يكن لزوجها فرصة أمام رجلٍ مدلَّلٍ قويٍّ.

صرخةٌ، دفعةٌ، ثم ارتطامٌ بالحائط.. وسكون.

سقط الزوج على الأرض.. بلا حراك.

ركضت إليه، احتضنته. رأسه ينزف.. وعيناه لا تردَّان.

جاءت الشرطة.

سُئل سليمان بك:

- ماذا حدث؟

قال ببرود:

- كان يسرق أوراقًا خاصة بالانتخابات. حاولت منعه، دفعني، فدفعته.. اصطدم بالحائط. لم أقصد قتله.

أما هي، فهدَّدوها:

- قولي الحقيقة، وسنُعلن للناس أن سليمان البك كان يطاردك.

فضيحةٌ تهزُّك، وعائلتك، وقبر زوجك.

فقالت وهي تنظر للأرض:

- ضحك عليه الشيطان.. خان الأمانة، وحاول يبيع سيده اللي أكلنا عيش وملح في بيته.

(المحكمة)

حُكم على سليمان بك: بـ(القتل الخطأ).

ثلاث سنوات سجن.. وربما وسام في عيون البعض.

عادت هي إلى بيتٍ خاوٍ، بيت أهلِ زوجها الذي رحل، لتعيش فيه جسدًا بلا قلب.

قطعت كل صلة بسليمان.. وقطعت لسانها عن ذكرى تلك الليلة.

وفي كل مساء، كانت تجلس في ركنٍ من الغرفة، تمسك برقعةٍ من ثوبه، وتهمس ببكاء:

- سامحني.. حين نلتقي في الآخرة، سامحني.

حين نلتقي.. في وقتٍ لا يشهد فيه أحد إلا العادل.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة