من المعلوم أن كتابة التاريخ قد بدأت بعد ظهور الحضارات بمدة طويلة، لذا يصعب على الباحث تلمُّس معالم حقوق الإنسان في المجتمعات البدائيَّة التي تمثلت تاريخيًا بظهور القرية ثم المدينة، وقد بنى كثير من الباحثين نظرياته عن حياة المجتمعات البدائيَّة على الحدس لحياة القبائل المتوحشة والجماعات البدائيَّة التي ما زال يعيش بعضها حتى الآن في إفريقيا، بافتراض أنها تمثل المجتمع البشري الأول لأنها عاشت منعزلة عن العالم المتحضر.
وقد ذهب بعض هؤلاء الباحثين في تصورهم لحياة البشريَّة الأولى إلى حد القول بوحشية الإنسان الأول، وشيوعية الجنس التامة وشيوعية ملكية وسائل الإنتاج، وبأن الإنسان البدائي كان يعيش بحسب ما تمليه عليه غرائزه مشبعًا رغباته في جو من الحريَّة التامة إلى تقارب الانفلات من أي قانون.
وذهب آخرون إلى القول بأن حقوق الفرد في المجتمع الفطري أقل منها في حالة المدنية، وأن ذلك الفرد كان يعيش في نطاق العشيرة أو القبيلة والتي تُعدّ مسؤولة عن أفعال أبنائها، فإذا وقعت جريمة ما فإنها لا تُنسب إلى أي فرد، بل هي أمر يشترك فيه أفراد الجماعة، وأن العشيرة محكومة بعادات لا تقل في صرامتها واستحالة الخروج عنها عن أي قانون.
ونرى أنه من الخطأ التصور بأن الإنسان في المجتمعات البدائيَّة كان يعيش بحسب ما تمليه عليه غرائزه مشبعًا رغباته في جو من الحريَّة التي تقارب الانفلات من أي قانون، لأن البشريَّة لم تخلق في الأرض لتكون كمًا مهملًا تعيش حياة الفوضى تتخبط آلاف السنين حتى وصلت إلى ما عُرف بعصر المدنية، بل إن المجتمع البشري الأول قد سار لمدة طويلة محفوفًا بالعناية الإلهية والرعاية الربانية، فقد قال تعالى: (وَإِنْ مِنْ أُمَّة إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِير)، وقال: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا)، فصورة هذا المجتمع الحقيقيَّة بعيدة كل البعد عن تلك التصورات التي صورها الباحثون في تاريخ المجتمعات القديمة من علماء التاريخ والاجتماع؛ فهو مجتمعٌ بعيدٌ عما ألصق به من وحشيَّة وبربريَّة وفوضى.
وهذا لا يعني أنه لم تقم مجتمعات بشرية على الصورة التي صورها هؤلاء العلماء في التاريخ البشري، فهو أمر لا يمكن إنكاره، وإنما لم تكن هذه هي حال المجتمع البشري الأول، وعندما ينحرف المجتمع البشري ويسير بعيدًا عن هدي السماء وعن استعمال ما حباه الله تعالى من نعمة العقل، والتفكير، والعلم يأخذ في التأخر والانحطاط، وهذا هو السبب الرئيس لوجود مجتمعات بشرية على تلك الصورة المظلمة في العصور المختلفة.
حقوق الإنسان في بعض الحضارات القديمة:
1. حضارات وادي الرافدين:
شهدت بلاد الرافدين أقدم الحضارات في العالم؛ كحضارة البابليين، والآشوريين، والسومريين، ويشي بعض دارسي النقوش الأثرية لألواح القوانين والتشريعات التي كانت معروفة في تلك الحضارة إلا أن حقوق الإنسان وواجباته العامة لم تكن مجهولة لدى الأقوام العربية المتحضرة، التي سكنت بلاد العراق؛ فالحريَّة والعدالة والمساواة كانت الأفكار الأساسيَّة التي تجسدت في العديد من القوانين.
ويُعدّ العراق القديم أوَّل الحضارات التي قدَّرت قيمة أن يعيش الإنسان حياة سويّة، وعادلة، وتمثَّل ذلك في نَبذ العُنف، وتحقيق السعادة، من خلال تأكيد قِيَم التعاون، والمُشاركة؛ إذ ظهرت المُجتمعات القائمة على أساس مُشاركة الفرد مع الجماعة، ومن الجدير بالذكر أنَّ حقوق الإنسان لم تُعرَف آنذاك؛ لأنَّ الإنسان في تلك المجتمعات كان أكثر رُقيّاً، والتزاماً ممَّا هو عليه الآن بمفهوم حقوق الإنسان الحديث.
ومع بداية القرن الرابع قبل الميلاد ظهرت المُدن الكبيرة في العراق القديم، وبدأت معها نشأة القوانين، التي تُعَدُّ أساساً لضمان الحقوق، ومنها حقوق الإنسان، ويُعتبَر العراق أوَّل من وضع القانون؛ حيث كان في البداية على شكل قواعد عُرفيّة، ثمّ تطوَّرت لتُصبح قواعد قانونيّة، ومن القوانين التي أقرَّت حقوق الإنسان في تلك الفترة:
2. قانون أورنامو:
وهو قانون أصدره الملك السومريّ (أور نمو) في الفترة (2003-2111ق.م)، وقد اعتُبِر بذلك أقدم القوانين المكتوبة، وتمّ العثور على أجزاء من هذا القانون في متحف الشرق القديم في إسطنبول، وذلك في عام 1952م؛ حيث تمّ التعرُّف إلى لوح مسماريّ يحتوي على أجزاء من القانون، وتضمَّن القانون إقرارًاً لحقوق الإنسان؛ فذُكِرت في مُقدِّمته مواضيع عن توطيد العدالة، والحريَّة في البلاد، وإزالة العداوة، والبغضاء، والظلم، بالإضافة إلى تحريم المَساس بجسم الإنسان، وقد اقتبست من هذا القانون العديد من النصوص لمبادئ حقوق الإنسان، والتي أُقِرَّت في الإقرار العالَميّ لحقوق الإنسان.
3. قانون لبث عشتار:
وهو قانون يعود إلى بداية العَهد البابليّ القديم، حيث أصدره الملك (لبث عشتار)، وقد تمّ العثور عليه في بداية القرن العشرين بواسطة تنقيبات أجرتها جامعة بنسلفانيا، ويتضمَّن هذا القانون نصوص مُشابهة لمُقدِّمة قانون أورنامو، وبعض الموادّ القانونيّة الأُخرى؛ حيث دعا إلى نَشر العدل في البلاد، والقضاء على العداوة، والبغضاء، وجَلْب الرفاهيّة للأكديّين، والسومريّين، بالإضافة إلى حماية طبقة العبيد، وإنصافهم، ومَنْع الإساءة إليهم، وأيضاً مَنع التعذيب، والمَساس بجسم الحيوان.
4. قانون حمورابي:
وهو قانون أصدره الملك البابليّ (حمورابي) في العهد البابليّ، ويُعتبَر هذا القانون من أكثر القوانين اهتماماً بحقوق الإنسان؛ حيث تضمَّن حقوق الإنسان التي وَردت في القوانين السابقة له، باستثناء القوانين التي لا تتَّفق مع روح العصر الذي يعيش فيه، وأضاف حمورابي بعض الموادّ القانونيّة الأُخرى، كمبدأ القَصاص، وتحديد عقوبة الموت، كما حدَّد مسؤوليّة حاكم المدينة، والمُتمثِّلة بتحقيق الاستقرار، والأمن، وحماية أموال الشعب، وتمثَّل ذلك بتحقيق نظام قضائيّ مُتطوِّر، ويضمن حقوق الإنسان.
5. قانون اشنون:
الذي اكتشف سنة 1945م، ونشرت ترجمته سنة 1984م، وتظهر فيه التفرقة بين الرقيق الأجنبي والرقيق البابلي، إذ كان رق البابليين مؤقتا، وهو أشبه ما يكون بالعقوبة، أما رق الأجانب فهو دائم إلا إذا أعتقه سيده، وتشير هذه القوانين إلى أن الناس في بابل متساوون، لا فرق بينهم وأن الطبقات المُشار إليها بين الأحرار وأنصاف الأحرار والعبيد، ناجمة عن التفرقة بين البابلي والأجنبي، وكذلك بين البابلي المحكوم عليه بالاسترقاق المؤقت والبابلي الحر.
6. حضارة وادي النيل:
إن مصر بلد ذو حضارة من أعرق حضارات العالم القديم، جرت عليها دول لها نظم حكم مختلفة، نظم اختلفت باختلاف الزمان والمعتقدات، وتباينت أشخاص حاكميها وأساليبهم، عاشت مصر خلالها مع العدل تارة، وعانت من الظلم والاستبداد مرَّات، فقد خضعت مصر لحكم الفراعنة وغيرهم حتى فتحها المسلمون في عهد الخليفة عمر بن الخطاب.
ولقد ساهمت الحضارة الفرعونية التي تُعدّ من أقدم الحضارات البشريَّة أن لم تكن أقدمها في تجسيد الفكر القانوني لحماية حقوق الإنسان.
ويذهب المؤرخون إلى أن أول صفحات التاريخ البشري المكتوب بدأت في أراضي وادي النيل الأدنى، مصر الفرعونية –حوالي 3300 قبل الميلاد، وذلك عندما اتخذت القرى الزراعية على طول النيل في مملكتين هما مصر العليا ومصر السفلى تحت حكم الفراعنة آنذاك، أخضع أهلها إلى قانون سماوي اسمه (ماعت)، وأن أهم الركائز التي كان يستند إليها هذا القانون هي مفاهيم الحق والعدل والصدق وبقي العمل بهذا القانون لفترة طويلة.
ويذكر أيضًا أنه أنشئ في عهد الأسرة الثامنة عشر مجالس للبلاد تحكم بالعدالة، وتنادي بضرورة تطبيق معايير العدالة، حيثُ صار من حق كل فرد ضمن حقوقه الدينية أن يحفظ جثته بعد موته، خاصة وأن التحنيط لم يكن من حقوق العامة، إذ تمارسه طبقة الأمراء والملوك فقط.
ونرى أنه لمن المفيد في هذا السياق الإشارة إلى أن (ثورة أخناتون)، تُعدّ من أهم الثورات التي جاءت لتجسد معايير ومفاهيم حقوق الإنسان في تلك الحقبة، حيث دعت إلى السلام والرحمة والتسامح ونبذ الحروب ونشر المساواة بين الناس في شؤونهم الدنيوية، كما دعت إلى تحقيق العدالة للجميع من دون تميُّز، وألغت التقديس المبالغ به للأسرة المالكة وذلك بشكل أصبـح بموجبه أفراد العائلة المالكة كسائر أبناء الشعب من حيث المعاملة والامتيازات.
كما أن أهم ما جاء في تعاليم الملك (حريكارع) أحد حكماء الأسرة العاشرة الذي أوصى بإقامة العدل وضرورة الشعور من الآخرين في محنهم، وفي هذا السياق تقول أحد التعاليم (احتفظ بذكراك بين الناس بحبهم فالإنسان الذي يصل إلى الآخرة من دون أن يرتكب خطيئة فإنه سوف يمكث هناك ويمشي مرحًا مثل الأرباب الخالدين)، ونُشير هنا إلى أن جميع الأمثال المرتبطة بحقوق الإنسان قام بتقديمها الحكماء المصريون في إطار التعليم والتربية قد كتبت على قطع من الخزف وشظايا من الحجر الجبري.
7. الحضارة اليونانية:
يرجع تاريخ الحضارة اليونانية إلى عام (1200) ق. م تقريبا، وهي حضارة تمتاز بالفكر الفلسفي والسياسي، فقد كثر فيها علماء الفلسفة والسياسة والقانون، والذين شكلوا بواكير المذاهب والنظريات التي يفتخر بها الغرب المعاصر من أمثال أرسطو، الذي ميَّز بين القانون الطبيعي والقوانين الوضعية. واعتبر أرسطو أن مبدأ المساواة من المبادئ الأساسية التي تنطوي تحت لوائه جميع الحقوق والحريات المعترف بها للاثنين، وبهذا فإن مبدأ المساواة هذا يحتم معاملة جميع الناس بشكل متساوٍ سواء أمام القانون، أو حتى فيما يتعلق بحقوقهم السياسية والوظيفية، وممارسة الحق في الرأي، وحريَّة التعبير.
وأكد أرسطو في مذهبه أن (فريقًا من الناس مخلوقون للعبودية لأنهم يعملون على الآلات التي يتصرَّف فيها الأحرار ذوو الفكر والمشيئة)، () ووفقا لمفهوم أرسطو، فإن الله خلق فئتين من الناس، اليونانيون الذين يمتازون بالفعل والإرادة، والبربر ذوي الطاقات البدنية التي تهيئهم لأن يكونوا عبيدًا. ومع ظهور ما يُعرف بالمدرسة الكلبية، اندحر الفكر الأرسطي التمييزي الذي ينادي بالعبودية، واسترقاق البشر، وجاءت هذه المدرسة تندّد بالكثير من الممارسات الشنيعة والمتعارضة مع جوهر الكرامة البشريَّة، ودعت إلى ضرورة إلغاء مثل هذا الفكر، وإقرار مبدأ المساواة بين جميع أفراد المجتمع ().
ويقضي أفلاطون في جمهوريته الفاضلة بحرمان العبيد من حق المواطنة، وإجبارهم على الطاعة والخضوع للأحرار من سادتهم أو من السادة الغرباء، ومن تطاول منهم مع سيد غريب، أسلمته الدولة ليقضي منه كما يشاء، ورأى بلوتارك أنه في (بلاد الإغريق كان يساء إلى العبيد أشد الإساءة... وأخاف أن الحر منها أكثر حريَّة في حين كان الرقيق أشد استرقاق ...
(ونلاحظ مما تقدَّم، أن فكرة حقوق الإنسان كانت تنتقص للجوهر والوجه التي تعرف به اليوم في العصور الإغريقية القديمة، حيث كانت هذه الحقوق لا تشمل الفئات الاجتماعية الأخرى من غير اليونان، ومع ذلك وجدنا أن المدرسة الكلبية جاءت لتخفف من حدة التطرف الفكري والفلسفي اليوناني تجاه مسألة حقوق الإنسان، والتي تبعت خطاها بعد المدرسة الرواقية (430 – 490 ق. م) والتي كان من أهم مبادئها على الإطلاق، مبدأ الأخوة والذي يقضي بأن جميع البشر أخوان، وألغت ظاهرة العبودية والسيد والعبد، إذ تنظر هذه المدرسة أن جميع البشر أخوة مهما تباينت أصولهم وأجناسهم ولغاتهم، وذلك بإخضاعهم إلى قانون واحد هو القانون الطبيعي، الذي لا يجوز أن يخالف من قبل نصوص القانون الوضعي).
وذهب الرواقيون إلى أبعد مما سبق، حيث رأوا بأنه من غير المسوغ تحديد المواطنة بمدينة أو شعب معين، وأن جميع أبناء الجنس. واعتبر الرواقيون الإنسانية جمعاء أسرة واحدة، مهما اختلفت شعوبها ومواطنها، وأن الإنسان يولد حرًا في منظور قانون الطبيعة العادل، وأنه لا يجوز في أي حال من الأحوال مخالفة القوانين الإنسانية لنواميس الطبيعة وقوانينها.
وقد عرفت أثينا بعض الإصلاحات التشريعية فقد عرفت ما يسمى بقانون (صولون) عام (594) ق. م، ومن أبرز ما جاء في هذا القانون "إلغاء استرقاق المدين المعسر، ووضع نظامًا للتركات أعطت بموجبه المرأة بعض الحقوق في الإرث وألغيت موجبه قاعدة حصر الإرث في الابن الأكبر وحل محلها تقسيم التركة...".
ويُمكن القول إن الحضارة الإغريقية عرفت في تاريخها أهم ما عرفته هو حريَّة المشاركة في الحكم وعلى اعتبار أن الدمقراطية هي أسلوبهم الأمثل للحكم كانت نظرتهم للإنسان أنه الأصل في كيان الدولة، إلا أنه لم يكن يعترف للفرد بالحريَّة الشخصية ولا للجميع بممارستها، ولكن مفهوم الحريَّة في ديمقراطية أثينا تختلف عن مفهوم الحريَّة في الديمقراطيات المعاصرة؛ فالحريَّة عند قدماء الإغريق كانت تعني حريَّة المواطن بصفته عضواً في المجتمع دون أن يمتاز بالحريات المدنية الحديثة مثل: الحريَّة الشخصية، وحريَّة التملك، وحريَّة العقيدة، وحريَّة السكن.
8. الحضارة الرومانية:
إن أهم ما يُميِّز الحضارة الرومانية وإسهاماتها على صعيد التطور الفكري البشري إقراراها بمبدأ الديمقراطية، حيث قامت باسمه الثورات التي وجهتها الحريات المستخدمة، والتي لعبت دورًا فاعلًا فيما بعد بولادة معظم المواثيق والعهود الدولية وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في القرن الثامن عشر، وكانت روما للعديد من القرون والحقب الزمنية موطنا للصراع في سبيل إحقاق مبادئ المساواة وتحقيق الحريَّة.
ولم يكن الحال عند الرومان بأفضل منه عند اليونان، فقد انتشر الاسترقاق بينهم من غير تفريق بين ما كـان رومانيا أو أجنبيا؛ فكانـوا يملكونهم إما بحرب، أو شراء، أو باختطاف، وتعتبر الألواح الاثنا عشر من أقدم أثار الحق الروماني، وقد وَضعت في أواسط القرن الخامس قبل الميلاد للنضال بين العوام والخواص، فحلت محل حق العرف والعادة السارية المفعول في روما قبل ذلك، وقد عكست هذه القوانين التمايز الطبقي والاجتماعي في نسيج المجتمع الروماني القديم، على أساس الملكية، وتطور نظام الرق، ونشوء دولة مالكي العبيد، وكتبت القوانين على اثني عشر لوحًا.
ولقد تجاوزت فظائع انتهاكات حقوق الإنسان في العصر الروماني كل أشكال الظلم والقهر التي شهدها الإنسان في الحضارات الأخرى، فقد كان الرقيق في العهد الروماني شيئًا لا بشرًا، فلا حقوق لهم، وكان سبب غزو الرومان لغيرهم هو لمجرد استعباد سكان الأقاليم التي تقع تحت احتلالهم، وكان القانون الروماني يقسم الناس إلى وطنين وأجانب، والآخرون في الأصل أعداء، وهم سكان البلاد المجاورة لهم، والتي تقع على الضفة الأخرى للنهر. وما لم يرتبط هؤلاء الأجانب بروما بمعاهدة أو حلف، فقد كان للرومان أن يستولوا عليهم وعلى أموالهم وممتلكاتهم، وبالتالي كان مبدأ استباحة الآخرين هو أهم المبادئ التي قامت عليه عناصر القوة الرومانية في التعامل مع الآخرين من شعوب هذه الأرض، ومن ثم كان القانون الروماني يقسم العالم إلى ثلاثة ديار هي دار الوطنيين، ودار الأعداء، ودار المعاهدين، والمحالفين.
ومن ثم نرى فيما بعد بأن الرومان طبقوا المبادئ التي جاءت بها مدرسة القانون الطبيعي، والتي هي من نتاج الفكر الفلسفي اليوناني والتي ترى بوجود قوة عليا تنفرد بوضع النواميس والقوانين الضابطة لحركة هذا الكون، وأن أهم المبادئ التي نادى بها القانون الطبيعي تلك الخاصة بالمساواة والتي لا تميِّز بين المواطن والأجنبي، والحر والعبد من حيث الحقوق والواجبات، وكذلك مبدأ المساواة ومطابقة العدالة في النفس تُعدّ من المبادئ الجوهرية التي تقوم عليها هذه الفكرة أو حتى العدالة في ظل انعدام هذه المبادئ، وذهب معظم المفكرين والفلاسفة إلى اعتبار القانون الطبيعي مصدرًا أساسيًا للحقوق الثابتة للأفراد، ووصفه بعضهم بأنه جزء من القانون الإلهي، ولكن القانوني الهولندي (هوغو غروشيوس) (1583-1645م) قام بعملية فصل بني القانون الطبيعي والقانون الإلهي، وجعل الأول مصدرًا أساسيًا للقوانين الدنيوية، الذي ارتأى أنها تقوم على المنطق والعقلانية، وانتهى (غروشيوس) إلى أن كل ما يتفق مع طبيعة الأمور شرعي عادل، وكل ما يحالفها غير شرعي وباطل.
وتعرف قواعد القانون الطبيعي على أنها "مجموعة القواعد القانونية الآمرة التي يفرضها المنطق السليم، والتي تجد أساسها في الأخلاق أو الضرورات الأخلاقية"، ولقد مهدت أعمال غروشيوس المناخ للمفكرين والفلاسفة للنظر إلى حقوق الإنسان وشرعيتها باعتبارها حقوقًا طبيعية وكان لفكرة القانون الطبيعي انعكاساتها في مجموعة قوانين الإمبراطور البيزنطي "جو ستنان"، وهذا يظهر جليًا في بعض النصوص التي تنادي بالدفاع عن الرقيق العامل في بيت صاحبه، وتلك التي تقف إلى جانب الحريَّة.
وفي سياق تطور حقوق الإنسان في الحضارة الرومانية نجد تأثر الفلسفة الرومانية بالفلسفة الرواقية من حيث (مطالبتهم بعتق العبيد وتعاطفهم مع الفقراء والمساكين، وقد انتهج الروماني ششرون نفس النهج الرواقي، وتبنى القانون الطبيعي، وأكد على أن الناس أمة واحدة يستوي أفرادها في نظر الطبيعة).
ولا زالت الدول الغربية تستخدم مبادئ نظرية القانون الطبيعي للتدخل في حماية حقوق الإنسان في كثير من أنحاء العالم، حيث استخدمت هذه النظرية ضد الدولة العثمانية عام 1828م في اليونان، وفي عام 1876م في بلغاريا، ومع ذلك كان هذا مؤشرًا على اعتماد الدولة لحقوق الإنسان، بمفهوم ذلك الوقت سندًا للنضال ضد الاستبداد السياسي، وهذا ما دعا (موريس كرانستون) إلى القول بأنه (فجر الاستبداد في الإنسان الدعوة لحقوقه، التي أنكرت عليه سواء أكانت طبيعية أم إنسانية.
كانت الحريَّة عند الرومان تعني المشاركة في الحياة السياسية، على خلفية الحكومة الشعبية التي يشارك فيها جميع الأفراد، ولقد عرفت الحضارة الرومانية الملكية الفردية والجماعية للأرض، أما الحريَّة الدينية فكانت معدومة وكان الانتخاب عندهم هو أساس اختيار الحاكم، ولا يشارك في العملية إلا الأحرار الأثرياء، وكان المجتمع مقسم إلى طبقتين طبقة الأشراف وطبقة العامة، ولا توجد مساواة ببنهما أمام القانون، كما كانت المرأة لا تملك أيا من هذه الحقوق.
المراجع:
1. محمد حسين الطباطباني/ الميزان في تفسير القرآن/ مؤسسة الأعلمي للمطبوعات/ بيروت/ج10/ 1997/.
2. فتحي الدريني/ الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده/ دار البشير/ عمان/ 1997/.
3. أحمد الرشيدي/ حقوق الإنسان ماهية الأسس العلمية للمعرفة/ منشورات المركز الدولي للدراسات المستقبلية والاستراتيجية/ القاهرة/ العدد 24/ 2006/.
4. باسيل يوسف/ حقوق الإنسان في فكر الحزب دراسة مقارنة/ دار الرشيد للنشر/ بغداد/ 1981/.
5. محمد عبد الملك متوكل/ الإسلام وحقوق الإنسان/ مجلة المستقبل العربي/ مركز دراسات الوحدة العربية/ بيروت/ عدد 216/ 1997/.
6. حقوق الإنسان وإنفاذ القانون/ مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان/ الأمم المتحدة نيويورك/ جنيف/ 2002/.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.