حقوق الإنسان في الإسلام ج4

حال العرب قبل الإسلام:

على الرغم من ادّعاء البعض بأن للعرب في العصر الجاهلي دوراً في المساهمة الحضارية في تطوير فكرة حقوق الإنسان، إلا أننا نرى أن العرب لم يهتموا بهذا الجانب بشكل فكري وفلسفي، وإنما كانت ممارساتهم في الغالب الأعم تتفق والمفهوم العام لحقوق الإنسان، وذلك لمجرد السمات السلوكية التي كانت تفرضها عليهم طبائع الإنسان العربي، والمتأصلة في الدم العربي منذ القدم.

ومع ذلك سجلت الذاكرة التاريخية أن وثيقة الفضلين من أقدم الوثائق التاريخية التي اهتمت بحقوق الإنسان، حيث كانت هذه الوثيقة قبل مجيء نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلّم، وممّا لا شكّ فيه أن الوثيقة جسدت أهم الحقوق للمواطنين الذين كانوا يقطنون شِعاب مكة، ووضعت أسساً ومعايير للإبقاء على مفاهيم ومعاني السلام، والعدالة، والمساواة بين جميع أعضاء المجتمع المكي.

 إن أهم ما تميز به تاريخ العرب قبل قدوم الإسلام هو إقراره بكافة حقوق المرأة، عدا حقها في الميراث، فالمرأة قد مارست جميع حقوقها أيام جاهلية العرب وقبل قدوم الإسلام باستثناء حقها في الميراث، وعند البحث عن أصول فهم الفكر العربي القديم لحقوق الإنسان، نجد أن هناك تأصيلاً نافذاً في مفاهيم الحق والكرامة لدى قدماء العرب، ولكن كان ذلك غير مقنن وبعيداً عن النظريات المجردة، وفي هذا السياق ذهب بعض الباحثين إلى أنه لم يأتِ حلف الفضول في مكة ما قبل الإسلام، عندما اتفق أعيان مكة على حماية الزائر والغريب من الظلم في بلدهم نتيجة لقانون مدني موضوع، بل استجابة لرؤية متغلغلة في الضمير لأصول التعامل والتبادل، ولا استغرابَ أن تسجل ذاكرة التاريخ البشري أهم الوثائق العالمية لحماية حقوق الإنسان في شبه الجزيرة العربية، والتي تعكس في مضمونها وفحواها مدى درجة الحضارة والتمدن التي وصل إليها الفكر العربي في القرن السابع للميلاد، والذي ينم عن زخم الميراث الحضاري العربي القديم الذي نما وترعرع في جزيرة العرب، وتجسد هذا التطور لمفهوم حقوق الإنسان على يد الإنسان العربي القديم بولادة ما يسمى بـ "صحيفة المدينة" والتي جاءت لتراعي حقوقاً وواجبات خاصة لأطراف الوثيقة وخصوصاً لليهود، والتي بموجبها أضحى اليهود جزءاً من النسيج الاجتماعي العام، من سكان المدينة، وتضمن لليهود حرية الدين والاعتماد، وكل المكاتبات في الملكية والاقتصاد، وكان من أكثر تجليات الفكر العربي القديم أنْ حفظ للمرأة العديد من الحقوق، فكانت تشارك في الغزوات، وتعمل في التجارة، ولها الحرية بأن تعتنق الدين الذي يناسبها دون أن تتبع إرادة زوجها سلبياً، وأبعد من ذلك تشير الوثائق أن المرأة العربية كانت تستطيع أن تطلق زوجها، وأنها كانت سيدة نفسها، وتختار زوجها، ولها الحق بأن تهجره عندما يناسبها ذلك، أما فيما يتعلق بالحجاب فتشير الوثائق الخاصة بالتاريخ العربي القديم إلى أن هذه الممارسة من الممارسات العربية القديمة، وأنها لم تكن وليدة الإسلام وتعاليمه، ومع كل ما تقدم، عرف تاريخ العرب القديم، العبودية والنظرة المشينة للمرأة، فقد كان هناك تمييز واضح بين الحرة والأمَة، إذ كان يتصور أن تقوم الأمَة، وكان من أبشع العادات العربية التي تتنافى وجوهر حقوق الإنسان عادة وأد البنات، والتي كان الباعث عليها إما مخافة العار الذي يلحقهم بسببهن إذا سبين، وطمع فيهن غير الأكفاء، وإما مخافة الفقر والإملاق، ويروى أن الوالدة إذا جاءها المخاض حفرت حفرة فتمخضت على رأسها، فإن كان المولود بنتاً رمت بها فيه.

تشير الوثائق التاريخية أن الحضارة العربية الكنعانية التي كانت تسود في فلسطين قد عرفت مفاهيم متقدمة في العدالة والمساواة وحفظ الحقوق، وكان ملوك تلك الحقبة يمتلكون إحساساً عظيماً بالمسؤولية تجاه حفظ وحماية حقوق الإنسان، وفي هذا الصدد كانت المدن الكنعانية بيد ملوك صالحين يقضون بالعدل ويحفظون حقوق الأرامل واليتامى، وأقرت هذه الحضارة العربية العظيمة بمبادئ هامة وهي الحق في ثورة العرش، والمشاركة السياسية في الشؤون العامة المشتركة، وبناء على ما تقدم، نرى أن التاريخ العربي القديم شهد نزعة ذاتية لدى حضاراته المختلفة تجاه احترام مبادئ حقوق الإنسان وجوهرها، بالرغم من عدم توافر الإطار القانوني العام الذي ينظم هذه الحقوق، إذ بقيت الممارسات العملية والبعيدة عن الجانب التقني والفلسفي تزخر بمعايير حفظ وحماية تلك الحقوق.

ولقد سجلت ذاكرة التاريخ العربي القديم شاهدين حيَّين على المساهمة العربية في مسيرة تبلور مفهوم حقوق الإنسان، وهما وثيقة الفضلين وصحيفة مكة، واللتان تعدان من أهم الوثائق التاريخية على صعيد حقوق الإنسان، ليس فقط على مستوى العالم العربي القديم، وإنما على المستوى الدولي والإنساني، وبهذا فإننا نجد أن وثيقة الفضلين تحتوي على مبادئ تضمن للإنسان كرامته وحريته، وترقى في جوهرها إلى الماجنا كارتا أو العهد العظيم الذي شهدته إنجلترا، ولازال العالم يتغنى بها حتى يومنا هذا.

حقوق الإنسان في الإسلام:

 جاء الإسلام في فترة كان يسود فيها الظلم والاستبداد والقهر وانتهاك كرامة الإنسان، حيث كانت البشرية فقط في ظلام دامس، ونزل القرآن الكريم على نبي الهدى محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ليجد الحلول الناجحة لضلالات البشر وطغيانهم، وبصورة تضمن للإنسان آدميته، وكرامته، وحرمة دمه، وعرضه وممتلكاته، وكانت رسالة السماء مجسدة في القرآن الكريم واضحة كل الوضوح على صعيد احترام حقوق الإنسان، حيث نادت بضرورة تحرير الإنسان من العبودية، والرق والاستيعاب، وأقرت بمبادئ العدالة، والمساواة وتحريم التميز، ولم تكن نظرة القرآن الكريم والشريعة الإسلامية تجاه مسألة حقوق الإنسان ناقصة، وذلك لسبب بسيط أنها انعكاس لعدالة الله عز وجل على الأرض، ومن أهم الحقوق التي ضمنتها الشريعة الإسلامية الحق في الحياة، والمساواة، والحرية، والعقيدة، وحرية التعبير عن الرأي، والشورى، وحرية التنقل واللجوء، وحق العدل، والعمل، وحقوق المرأة والطفل، ومن ثم نرى أن الحضارة الإسلامية لعبت دوراً مهماً في تطور ونضج وعي الإنسان بحقوقه وحرياته الأساسية، وذلك من خلال إقراره بمبادئ هامة تعد ركيزة لأي نظام اجتماعي قانوني بشري، ومهما يكون من إجحاف النظرة الغربية وعدم إنصافها للمساهمة الإسلامية في تطوير مفهوم حقوق الإنسان وصون كرامة الإنسان وتحريم الظلم والطغيان والاستبداد، تلك النظرة التي عظمت حق الإنسان المسلم، ودفعت به إلى التطرف والكراهية للآخرين، خاصة بعد إنكار حقوقه من قبل الغرب وأنظمته السياسية المختلفة.

إن مفهوم حقوق الإنسان في الإسلام يضبطه حقوق الناس على بعضهم في الإسلام، وجلب كل مصلحة مندوبة، ودرء كل مفسدة محرمة أو مكروهة، ويجمع ذلك قوله تعالى: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان"، ويؤسس هذا الحق العدل الواجب ومبدأ تكريم الإنسان، وتصنف حقوق الإنسان في الإسلام إلى عامة وهي: الحق في الحياة والتمتع بها، وحرية الاعتقاد، والمعرفة، والاختلاف، والشورى، والمساواة، وحقوق خاصة وهي: البر، والعفو عن المستضعفين، وحقوق المرأة، وتكريم الإنسان هو أساس فكرة حقوق الإنسان في القرآن الكريم، ولحفظ تلك الكرامة والمنزلة الرفيعة للإنسان شرع الله تعالى له الحقوق التي من شأنها تحقيق سعادته وحفظ مصالحه، فكان القرآن الكريم هو الأسبق في تقرير حقوق الإنسان التي تتغنى بها حضارات اليوم، والأشمل لجميع أنواع الحقوق والأكثر عدالة واحتراماً للإنسان، ومن الحقوق التي نصّ عليها القرآن الكريم حق الحياة، والمساواة، والحرية، والملكية، والتعليم، والعمل، والأمن، وحقوق الأسرة، والضمان، والتكافل الاجتماعي، وتكاملت الصيغة النهائية لدستور حقوق الإنسان بنزول الدساتير الإلهية التي أولت تلك الحقوق اهتماماً عظيماً انطلاقاً من مبدأ تكريم الإنسان خليفة الله في الأرض لإنسانيته الحقّة التي لا تتكامل إلا بعد أن تحق له الحقوق الموجبة لإنسانيته ولفطرته البشرية، فحقه في الحياة، وفي حرية التفكير، والتعبير، من مصداق الإكرام له، وطلب المساواة، والسلام، وعدم الاعتداء، وحب الفضيلة، وازدراء كل ما من شأنه التقليل من كرامته حق مشروع له، مكفول بما شرعه الله تعالى له، ويجب أن تكفله له أيضاً القوانين الوضعية، ولنتوسع في حق الحرية المكفولة ضمن حقوقه الإنسانية نظراً لما بها من الحرية في جوانب التفكير والتعبير والحوار التي ترتبط مع بعضها ارتباطاً وثيقا؛ لأنها تنبع من مصدر واحد هو العقل البشري جوهر الإنسان المميز .

الإسلام يقر بأنه من العدل تأتي الحقوق، وتضمن سائر المقررات والحريات المشرعة لبني الإنسان، وإذا ما اغتصبت حقوق الإنسان الطبيعية وصودرت حرياته، فإن ذلك يعني تفشي الظلم والطغيان، وما يترتب على ذلك من اضطهاد ومعاناة لأبناء الشعوب والأمم، سواء من المسلمين أو غيرهم، وكل ذلك يعني الإخلال بالسلوك والنظام الإنساني وتغييب العدل.

إن جميع الحقوق تستقي من حرية الإنسان، وتصبح مضمونة بتنفيذ الواجبات والتكاليف في الاجتماع والسياسة، والمجتمع السليم والسعيد هو الذي تكون فيه الحريات والحقوق مكفولة.

لقد دعا الإسلام منذ بزوغ فجره إلى صيانة حقوق الإنسان، ورفع شعاره في جميع المجالات، كما دعا إلى حرية التفكير، ولم يلغِ الطاقات العقلية التي وهبها الله للإنسان، فهو يقر إقراراً صريحاً وواضحاً بحرية الفكر، وانطلاق النفس من كل خرافة ووهم، ودعا بقوة إلى نبذ ما كان عليه السلف الجاهلي من ضلالات وتقاليد وهمية جائرة، وسياسات ذات نزعة تسلطية، فهو قرر العبودية لله وحده، وهي التحرر الواقعي من الخضوع للغير؛ حيث إن الآية القرآنية المباركة تقول: "إياك نعبد وإياك نستعين".

وأخيراً حق الأمان أو اللجوء السياسي، وهو حق تكفله الدولة الإسلامية لكل إنسان بقطع النظر عن جنسه وملته، من استنجد بالمسلمين وطلب الأمان عندهم فالواجب تمكينه من هذا الحق، وحمايته حتى يقرر العودة إلى وطنه أو إلى مكان آخر.

ومن خصائص حقوق الإنسان في الإسلام أنها كاملة وغير قابلة للإلغاء؛ لأنها جزءٌ من الشريعة الإسلامية، أما وثائق حقوق الإنسان فهي قابلة للتعديل أو الإلغاء، حيث تقوم العديد من الدول بتعديل دساتيرها.

المراجع:

  1. محمد حسين الطباطباني/ الميزان في تفسير القرآن/ مؤسسة الأعلمي للمطبوعات/ بيروت/ج10/ 1997م.
  2. شفيق الجراح/ دراسات في تاريخ الحقوق/ دمشق/ مطبعة جامعة دمشق/ ط9/ 2003م.
  1. غازي صابرين/ الوجيز في حقوق الإنسان وحرياته العامة/ عمان/ ط1/ 2002م.
  2. محمد عمارة/ الفكر الاجتماعي لعلي بن أبي طالب/ القاهرة/ دار الثقافة/ ط1/ 1977م.
  3. محمد عمارة/ الفكر الاجتماعي لعلي بن أبي طالب/ القاهرة/ دار الثقافة/ ط1/ 1977م.
  4. سيرة ابن هشام / ج1.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.