نحن البشر نعيش وسط تفاعلات لا نهائية من الأحاسيس والعلاقات والقرارات، تحكمها دوافع نفسية خفية، لا ننتبه إليها إلا حين تصفعنا التجربة. كم مرة استغربت سلوك شخص مقرّب؟ أو تألمت من رد فعل لم تفهم دوافعه؟ هذا المقال يأخذك في رحلة تأملية في خمس من أعمق الحقائق النفسية التي تؤثر في سلوك الإنسان من حيث لا يدري. حقائق قد تفسّر لك الكثير… عن نفسك قبل غيرك.
كثيرًا ما تُلهمني نفسي بأفكار كثيرة، ودروسٍ أستخلصها من كل حوار أخوضه، بل كثيرًا ما أتعمد فتح الأحاديث مع بعض الأشخاص رغبةً في سبر أغوار عقولهم، وسعيًا لفهم الأسباب الكامنة وراء طريقة تفكيرهم. فأجدني أتساءل: ما الدافع الذي يقف خلف تلك الاستجابة أو ذلك السلوك؟
قد يظن القارئ أنني غريب الأطوار، لكنني أعتقد أن في داخلك نزعة مماثلة، تُمارسها دون وعي. فثمة حقائق نفسية مؤثرة في فهم طبيعة البشر وسلوكهم، لا ندركها إلا بعد فوات الأوان، على الرغم من أنها تقيم فينا، وتتشكل في تصرفاتنا، وتنعكس على علاقاتنا بالآخرين.
في هذا المقال، لخصتُ لك خمسًا من هذه الحقائق النفسية القائمة على علم النفس والتحليل النفسي التي أراها شائعة، وأظن أنك ستجد صدى بعضها في نفسك، أو فيمن حولك. بل قد تكون بعضها جزءًا من المبادئ التي تتعامل بها مع الآخرين دون أن تنتبه.
هل فكّرت يومًا في تلك الحقائق النفسية التي تتحكم في قرارات الناس من حولك؟ في هذا المقال، نعرض لك 5 من أكثر الحقائق النفسية تأثيرًا في سلوك البشر، تلك التي لا نكتشفها غالبًا إلا بعد فوات الأوان. من الغيرة إلى الصمت إلى وهم التواضع...
إليك رحلة تأملية في أعماق النفس البشرية
لن يتمنّى لك الأغلبية النجاح والتوفيق في الحياة
للأسف، هذه حقيقة. فكثيرون يبتسمون في وجوهنا حين نبوح بأحلامنا وآمالنا، لكن في دواخلهم قد يخشون أن نبدو أفضل منهم، فتشتعل الغيرة في صدورهم. وقد يفيض عند البعض مستوى «الأنا» وحب الذات، فيدفعهم ذلك إلى إحباطك أو التقليل من طموحاتك، بعبارات مثل:

«لقد حاول الكثيرون فعل ما تريد، لكنهم فشلوا».
أو: «أنت صغير على تحقيق هذه الطموحات، كان غيرك أشطر!».
أو قد يذكّرك بمحاولاتك الفاشلة الماضية، ليكرر عليك: «الفاشل دائمًا فاشل».
وإن كان في قلبه شيء من الحقد يفوق الغيرة، فربما يتعمّد إيذاءك بالكلمات لتتراجع عن أحلامك، فالغيرة والحسد يجريان في معظم الناس مجرى الدم.
لكن الحلّ ليس في البكاء على حالك، ولا في أن تضعف عزيمتك أو تظن أنه على حق، بل في أن تتخذ من سخريته أو توبيخه دافعًا ومحفزًا لتحقيق ما تصبو إليه، وتذكر بأن الإنسان هو ينبوع التحفيز لنفسه، وأن تقول في نفسك: «سأثبت له (أو لها) أنه مخطئ».
ونصيحة أخيرة قبل الانتقال إلى الحقيقة التالية: احتفظ بطموحاتك وأحلامك لنفسك، واسعَ لتحقيقها، واجعل من صمتك عملًا، ومن جهدك إنجازًا، يفاجئهم بنتائجه.
يُفقد الإسراف في إظهار التواضع القدرة على رؤية الحدود
وقبل توضيح هذه الحقيقة، أود أن أشاركك هذه القصة القصيرة: «كان يا ما كان في قديم الزمان، كان ثمة جبل شامخ في قلب الصحراء، لا تُكسر قمته، ولا يُداس سفحه. وكان الجبل شديدًا، صلبًا، إذا هبّت الرياح، اصطدمت بجنباته فارتدّت، وإذا سال المطر، تجمّع فوقه ليصنع نبعًا يفيض بالحياة».
وذات يوم، مرّت سحابة هادئة فوق الجبل، وقالت له برقة: «يا جبل، إنك تبدو قاسيًا، لِمَ لا تكون أكثر لينًا وتواضعًا؟».
تأمّل الجبل نفسه، وقال: «ربما تكونين محقّة… سأُخفض هامتي قليلًا، علّي أكون أكثر تواضعًا».
ومع مرور الأيام، بدأ الجبل يُنزل قمّته شيئًا فشيئًا، ليبدو أقلّ ترفعًا، وأكثر لطفًا في عيون من حوله. حتى مرّت قافلة من المسافرين، فقال أحدهم:
«هذا ليس جبلًا، بل تلّ صغير، لا يُخيف ولا يُهاب!»
فضحك الجميع، وراحوا يركضون على سفحه، يسحقون صخوره، ويكسرون من قمّته ما استطاعوا.
عندها همس الجبل لنفسه: «حين أسرفتُ في التواضع، نسوا أنني جبل… وظنّوني مجرد تراب».
لا أدعوك، قارئي الكريم، إلى التكبر — حاشا لله — بل أقول: أحيانًا، حين نبالغ في إظهار التواضع، نفقد القدرة على رؤية الحدود بين اللين والضعف، وبين الكرامة والمسالمة. بل الأسوأ من ذلك: قد ينسى الناس من نكون، ويظنّون أن الصمت تراجع، وأن الاحترام ضعف، وأن من حقهم التقليل منا.
نعم، التواضع فضيلة
لكن إن لم يكن موزونًا، فقد يُفقدنا الهيبة، ويشوّش علينا إدراكنا لذواتنا، ويجعلنا عُرضة لتقليل الآخرين من قيمتنا وبذلك من احترامهم لنا.
لا ينفكّ البشر عن التفكير في نفوسهم وتجاهل نفوس من حولهم.
نعم، نحن البشر كذلك. أنا وأنت أيضًا، ولن نتغيّر.
ولهذا، لا أدعوك إلى التخلّي عن الأنانية تمامًا، بل أدعوك إلى أن تأخذ من حولك في اعتبارك، وأن تقول لنفسك:
«نعم، سألبّي حاجات نفسي بقدر استطاعتي، وإن كانت بيدي مساعدة الآخرين، فلن أتراجع. وإن كانت مساعدتهم جزءًا من مساعدتي لنفسي، فها أنا ذا أضرب عصفورين بحجرٍ واحد».
لن أقول لك: فكّر في من حولك قبل نفسك، بل: فكّر في نفسك، وتأمّل حال من حولك.
فإن فاضت مساعدتك لنفسك، فلتكن مساعدة الآخرين من تواضعك وإحسانك، ولتكن خالصة لوجه الله.
أما أن تُساعد من حولك وتنسى نفسك بحجّة: «أهم شيء مساعدة الغير»، فعاجلًا أو آجلًا، ستندم على ذلك.
التفاعل العاطفي مع كل قول… سبب في الانطفاء النفسي
تُعدّ المشاعر من أقوى نقاط ضعف الجنس البشري منذ خُلق آدم حتى اليوم.
فنحن دومًا ننجذب لما يثير فينا الشفقة، ونرتعد أمام ما يوقظ الخوف، ونندهش مما يُثير دهشتنا، ونغضب ونحزن مما يستفزّ وجداننا.
ونحن إلى ذلك نميل بمشاعر الحب نحو كل ما يحرّك عاطفتنا، وتُثار غرائزنا أمام ما يوقظ فينا الشهوة.

ليس من المنطقي أن أدعوك لعدم الشعور — فأنت إنسان، والمشاعر من طبيعتك.
لكن ما أدعوك إليه هو أن تكون واعيًا، يقظًا لما يدور في داخلك… أن تراقب الصوت الذي يتحدث إليك من الداخل، ذاك الذي يدعوك إلى ردّة فعل عاطفية تلقائية.
فقط، راقب نفسك وتأمّل، ولو لوهلة، وقل: «ماذا لو استجبت؟».
تخيّل ردة فعل من حولك، وتذكّر أن ردّ فعلك هو ما يُشكّل صورتك في أعين الآخرين، لأنه نابع من داخلك.
أعلم أن الأمر شاقٌ علينا، لكن — وكما أوضح مايكل سينغر في كتابه الروح المتحررة «رحلة إلى ما وراء الذات» — يجب عليك أن تنظر إلى نفسك بعين المراقب أكثر من عين المتفاعل؛ فمن تلك الزاوية تبدأ السيطرة على وعيك وعلى ردود أفعالك.
ثم إن استجابات الآخرين تجاه ردّ فعلك قد تكون سببًا في استنزاف طاقتك النفسية، لا سيما إذا كانت ردودك قائمة على الغضب أو التبرير أو لعب دور الضحية. فكلما انسقت وراء الانفعال، منحتهم مفاتيح التأثير عليك، وجرّدت نفسك من قوتك الداخلية.
اللافت للانتباه حقًا.. هو من يحاول ألا يكون ملفتًا، في عالمٍ يحاول فيه الجميع أن يكون كذلك
اتخذتُ عهدًا على نفسي، قبل دخولي الجامعة، بألّا أكون تحت الأضواء ما استطعت إلى ذلك سبيلًا. أردت أن أظل في الظل، لا أظهر في الصور، وكأنني غير موجود. ظننتُ حينها أن هذا هو الطريق الذي سأغدو عليه.
لكن، قبل أن يبدأ عامي الجامعي الثاني، كنتُ الثاني على دفعتي، أو «الولد الأول» كما يُقال.
كما فزتُ بعدد من مسابقات الترجمة على مستوى الجمهورية، ونُشر لي منشور كامل في صحيفة الجمهورية يحمل صورتي، وكرّمني رئيس جامعة القاهرة.
تخيّل كل ذلك… وأنا ما زلتُ على عهدي بألّا ألفت الأنظار (فضلًا على تغيّر ترتيبي على الدفعة حاليًا…).
مع ذلك، لا أقول لك: لا تلفت الانتباه. بل أقولها لك بصدق: العمل في صمت، وترك النتائج تتحدّث عنك، هو ما يجعل من البعض لافتين للأنظار دون أن يسعوا إلى ذلك، والعكس صحيح.

ليست هذه الحقائق محصورة في قائمة نهائية، بل هي بدايات لتأملات قد تختلف في توقيت ظهورها داخل كلٍّ منا.
فبعضنا يدركها في مقتبل العمر، وآخرون لا يفهمونها إلا بعد أن تذيبهم الحياة بالتجربة.
لكن إن كان لي أن أختصر المغزى كله في عبارة واحدة، فهي: «افهم نفسك… قبل أن تُرهقها محاولًا فهم الآخرين».
في النهاية، ليست هذه الحقائق إلا إشارات في طريق الفهم الأعمق للذات، إدراكك لها اليوم قد يقيك صدمة الغد، ويمنحك سلاحًا من الوعي تحمي به نفسك من التكرار المؤلم. فحين تفهم دوافعك ودوافع من حولك، تصبح أكثر رحمة… وأكثر حكمة. ولا تنسَ: أكبر انتصار في الحياة أن تعرف نفسك، قبل أن يعرفها العالم.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.