يُعد حصار مصراتة عام 1915 أحد أبرز معارك المقاومة الليبية ضد الاحتلال الإيطالي، فقد قاد رمضان السويحلي المجاهدين في معركة شرسة استمرت 75 يومًا. في هذا المقال، سنستعرض تفاصيل المعركة، واستراتيجيات المجاهدين، وتأثير هذا النصر على التاريخ الليبي.
بداية الحصار.. كيف حاصر رمضان السويحلي الطليان؟
بعد ستة أيام من انتهاء معركة القرضابية، والقبض على أخيه سعدون السويحلي ونفيه انتقامًا منه، عاد رمضان السويحلي إلى مصراتة ومعه جماعة مسلحة ببعض الغنائم التي غنموها من الطليان، وحين وصول رمضان إلى مصراتة، ضرب حولها حصارًا في خطوة أولى لتحريرها. كان وصول رمضان إلى مصراتة يوم 15 من مايو 1915م، فبدأ أولًا بحصار القوة الإيطالية الموجودة في تاورغا بقسم من قواته في 18 مايو 1915م.

ثم سار بالقسم الآخر بنفسه إلى كرزاز واتخذها مقرًا له، وجعل قيادته في مكان بها يسمى الغريفة، وشرع في حصار مصراتة بخط هلالي يمتد من منطقة أولاد بعيو إلى الرويسات قبالة طريق قصر أحمد، وجعل دوريات المراقبة تصل حتى رأس علي ورأس التوتة، وقطع الطريق بين قوات الطليان الموجودة في وسط المدينة وقواتهم الموجودة في قصر أحمد.
عقيلة بركات يقود الطليان إلى... الموت!
قرر الطليان الخروج من تاورغا لفك الحصار عنهم في العشرين من مايو 1915م، فنزل عليهم رصاص المجاهدين فولوا الأدبار، حينئذ قررت قواتهم -بعد اشتداد الحصار عليها، وبعد أن عرفوا أن مصيرهم الموت- الفرار ليلًا، واستأجروا لذلك رجلًا من تاورغا يقال له «عقيلة بركات» ليدلَّهم على طريق لا يوجد به المجاهدون، فذهب بهم من طريق سبخة ملحية تسمى «السريويل»، يبدو سطحها يابسًا ولكنها تبتلع من يسير عليها.
وبعد وصولهم إليها، أمرهم «عقيلة» بالإسراع في المشي، في حين نزل هو بجسمه يتدحرج، فابتلعتهم الأرض وهلكوا. وقيل إن عدد الجيش الإيطالي الذي غرق في هذه السبخة يقترب من 400 جندي. وعند وصول هذه الأخبار إلى رمضان، فرح فرحًا شديدًا واستبشر بالنصر، وأمر قواته الموجودة في تاورغا بالقدوم إلى مصراتة والمشاركة في حصارها حتى التحرير.

معركة رأس الطوبة.. هزيمة جديدة للطليان في مصراتة
حاول الطليان في مصراتة فك الحصار مجددًا بالوصول إلى ميناء قصر أحمد، فخرجوا ليلًا يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من مايو 1915م، وكانوا ينوون الهروب عبر سفن موجودة في الميناء، ولكنهم لم ينجحوا، فكانت موقعتهم مع المجاهدين في منطقة رأس الطوبة التي دامت من الصباح حتى المساء، حتى إن المجاهدين كانوا يصلون صلاتهم فوق صهوات جيادهم. وانتهت المعركة بهزيمة الطليان وفشل مخططهم.
معركة سبخة أبو فار
وبعد 3 أيام من معركة رأس الطوبة، كانت معركة سبخة أبو فار غربي قصر أحمد، عندما حاول الطليان الموجودون في قصر أحمد الالتفاف على المجاهدين، لكن حينما استشعر رمضان الخطر وهو يراقب تحركاتهم بالمنظار المُقرِّب، فأمر رمضان المجاهدين بالتحرك، فكانت المعركة التي تُعد من أكبر المعارك التي شهدتها مصراتة، وقد شارك كل رجال مصراتة فيها، حتى بالفؤوس والمناجل لأنهم لا يملكون السلاح، وتمكن المجاهدون من أسر ضابط إيطالي مهم، ومُني الجيش الإيطالي بهزيمة نكراء. وقد سقط من المجاهدين في هذه المعركة نحو ثلاثين شهيدًا وما يقارب سبعين جريحًا.

بلغ رمضان أن الطليان كانوا يسيئون معاملة أهالي مصراتة، فطلب من الضابط فيكي الذي أسره المجاهدون، أن يكتب للطليان رسالة يتكلم فيها عن حسن معاملة المجاهدين له، لعلَّ هذا يُخفِّف سوء معاملتهم لأهالي مصراتة، وإلا ستكون حياته في خطر، وكان الطليان قد قرروا تنفيذ حكم الإعدام في الأسرى الليبيين، ولكنهم تراجعوا عن ذلك عندما جاءتهم رسالة رمضان.
معركة جرف المقاصبة
بعد هزيمتهم في سبخة أبو فار، قرر الطليان المجازفة والهجوم على المجاهدين المحاصرين لطريق قصر أحمد، كان ذلك فجر يوم السادس والعشرين من رجب، الموافق الحادي عشر من يونيو 1915م، في معركة عُرفت باسم «جرف المقاصبة»، إذ بدأوا بالهجوم على جرف المقاصبة، واشتبكوا مع المجاهدين في معركة عنيفة هلك فيها عدد من جيش الطليان الذي كان كثيرًا فلم يتمكن المجاهدون من صدَّه في بداية الأمر، ولكنهم جمعوا صفوفهم وقاتلوا الطليان بضراوة، مستعملين السلاح الأبيض في بعض الحالات، ولكن الطليان تمكنوا بسبب كثرة عددهم من الاستيلاء على الجرف، إلى أن وصلت نجدة المجاهدين من كرزاز، ومعها أوامر «رمضان السويحلي» بالسيطرة على الجرف من جديد، فتحقق للمجاهدين النصر وصدّوا هجوم الطليان، وأعادوهم إلى وسط المدينة محاصرين مرة أخرى، وبانتهاء هذه المعركة فشلت كل محاولات الطليان في الخروج من مصراتة وفك الحصار.
جلاء الطليان عن مصراتة.. كيف أجبر المجاهدون الطليان على الهروب من مصراتة؟
أيقن الطليان أنه لا يمكنهم البقاء في مصراتة أو بسط سيطرتهم عليها من جديد، وأنه لا سبيل لهم لفك هذا الحصار الذي يضربه عليهم رمضان ورجاله، فقرروا الرحيل والهروب منها، فأرسلت لهم حكومتهم بواخر رست في ميناء قصر أحمد؛ ليهربوا فيها، لذلك جهزوا أنفسهم يوم الأربعاء الرابع من أغسطس سنة 1915م، وخرجوا من مواقعهم قاصدين الميناء في ليلة الخميس، فسلكوا طريقًا بعيدًا عن أعين المجاهدين، إذ تسللوا من طريق «يدّر» بعد منتصف الليل، وكانت الطريق وعرة يصعب السير فيها؛ لذلك تركها المجاهدون دون حراسة، ومع ذلك وجدوا بعض المجاهدين في طريقهم، فاشتبكوا معهم ساعات حتى وصلوا إلى ميناء قصر أحمد، وظلوا في الميناء سبعة عشر يومًا محتمين بمدافع أسطولهم، ولكنهم اضطروا تحت تضييق المجاهدين وحصارهم إلى أن يركبوا البواخر التي كانت في انتظارهم، فركبوا فيها وحملتهم إلى طرابلس.

وقد استمر حصار رمضان لمصراتة حتى حُرِّرَت طيلة خمسٍ وسبعين يومًا. وهكذا، ترك الطليان مصراتة ليدخلها المجاهدون منتصرين، فغنموا المعدات كلها التي تركها الطليان فيها، من بنادق ورشاشات ومدافع وأرزاق وأطعمة وأجهزة ووسائل مواصلات.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.