يوجد بعض الأدباء الذين لم تكن شهرتهم أبدًا على قدر قيمتهم الأدبية وموهبتهم الكبيرة وتجربتهم الإبداعية متعددة الأوجه والروافد، ومن هؤلاء الشاعر والناقد المصري حسن فتح الباب الذي يُعدُّ أحد علامات الثقافة العربية في النصف الثاني من القرن الـ20.
.
ومع تجربته الكبيرة وقيمته الأدبية الهائلة؛ فلم يحظَ الأديب الكبير بما يستحق من شهرة واهتمام أو عناية كافية من النقاد والباحثين في مجالات الأدب.
وفي هذا المقال ندعوك إلى جولة سريعة في عالم الشاعر والناقد والفيلسوف المصري الكبير حسن فتح الباب لنتعرَّف على أهم محطات حياته الشخصية والإبداعية في السطور التالية.
اقرأ أيضًا: توفيق الحكيم (1898م _1987م ) بين ريادة المسرح وريادة الرواية
مولد حسن فتح الباب والنشأة
ولد حسن فتح الباب في حي شبرا بمدينة القاهرة يوم 27 نوفمبر عام 1923 لأب يعمل موظفًا حكوميًّا، وأم ربة منزل، وعائلة تعود أصولها إلى محافظة المنيا في صعيد مصر، وتربى في منطقة شبرا التي منحته كثيرًا من الزخم والمعرفة والخبرات في سن صغيرة؛ فكان مُحبًا للقراءة والأدب على نحو لافت.
كان حسن فتح الباب متفوقًا في مراحل دراسته الأولى، إضافة إلى اتجاهه إلى كتابة الشعر، وكان دائم المشاركة في مسابقات الشعر التي تُقام للطلاب، حتى إنه حصل على المركز الأول في المسابقة التي أقيمت لطلاب السنة التوجيهية في الأدب العربي، وحصل على إشادة كبيرة من الأديب المصري طه حسين الذي أعطاه منحة للدراسة في كلية الآداب جامعة القاهرة؛ حين رأى موهبته الكبيرة واستعداده الشديد لخوض غمار معركة الأدب وطريق الكتابة.
حياة حسن فتح الباب
تزوج الشاعر والأديب المصري الكبير حسن فتحي الباب بالسيدة ابتسام يوسف التي كانت تعمل أستاذة للموسيقى، وأنجب منها ثلاثة أبناء، وأهدى لها ديوانًا كاملًا كتبه لها خصيصًا، إذ كانت المرأة ذات الأصول التركية تهتم كثيرًا بالأدب والجمال، وتجمعها صلة قرابة بأمير الشعراء أحمد شوقي.
لم تستمر دراسة حسن فتح الباب في كلية الآداب سوى عام واحد، ثم اتجه إلى كلية الحقوق حينما صدرت القوانين التي تمنع الجمع بين الدراسة في كليتين في وقت واحد، ومع أنَّ الأديب الكبير كان يحب الشعر والأدب، لكنه اختار طريق القانون، وحصل على ليسانس الحقوق عام 1947.
عمل الشاب الذي يكتب الشعر ويميل إلى الأدب ضابطًا للشرطة، وهو ما يراه كثير من الناس بعيدًا عن حياة الشعراء والأدباء، لكن هذه المرحلة كانت مصدرًا للزخم والمعرفة والتجربة الإنسانية الكبيرة في حياة الشاعر حسن فتح الباب، إذ كان في ذلك الوقت يكتب الشعر العمودي وتحول بعد ذلك إلى شعر التفعيلة.
استطاع حسن فتح الباب أن يحصل على الدكتوراه في القانون الدولي والعلوم السياسية بصعوبة شديدة، وفي ظل ظروف مادية ليست سهلة، كما حدث بينه وبين المشرفين على أطروحته صدام كبير؛ بسبب آرائه التي كان يعارض بواسطتها البنود السرية لاتفاقية كامب ديفيد.
تعلق الشاعر والأديب الكبير حسن فتح الباب بدولة الجزائر، وكان يحبها حبًّا شديدًا، حتى إنه كان يقول دائمًا (أريد أن أدفن في الجزائر)؛ متأثرًا بثقافتها وشعبها، وكتب عنها أكثر من سبعة مؤلفات، إضافة إلى القصائد الشعرية التي كتبها عن الجزائر والشعب الجزائري ومدينة وهران، وكانت مدة عمله أستاذًا للقانون الدولي والعلوم السياسية في جامعة طهران من أفضل سنوات عمره على المستوى الشخصي والإبداعي، حتى إنه اختير ليكون عضوًا في اتحاد الكتاب الجزائريين بصفته عضوًا منتسبًا.
تولى حسن فتح الباب عددًا من المناصب داخل سلك الشرطة والقضاء العسكري في وزارة الداخلية، وترقى إلى رتبة اللواء، إضافة إلى عمله في تدريس القانون الدولي والعلوم السياسية، وهو ما توازى مع مسيرته الإبداعية في الشعر والنقد والكتابات الموسوعية حتى كتابات أدب الرحلة، إضافة إلى كتب القانون والسياسة.
اقرأ أيضًا: نجيب محفوظ وبعد الجائزة
أدب حسن فتح الباب
مع أنَّ الأديب الكبير قد بدأ حياته بكتابة الشعر العمودي، لكنه اتجه بعد ذلك إلى كتابة شعر التفعيلة، وأصبح أحد كتابه الكبار، وهو ما ظهر في ديوانه الأول من (وحي بورسعيد) الذي تظهر في كتابات التفعيلة وكتابات الشعر العمودي، وكأن الشاعر يتلمس الطريق إلى نفسه الشاعرة، ثم تصدر دواوينه متتابعة بعد ذلك وخالية من الشعر العمودي باستثناء قصيدتين أو ثلاث.
ومع أنَّ حسن فتح الباب كان من الشعراء الذين ينحازون للكتابة العمودية والتفعيلية، فإنه كان مرنًا ومنفتحًا على كل أشكال الكتابة، وكان مساندًا لكُتاب قصيدة النثر، وهو ما كان معارضًا لآراء وأفكار كثير من كتاب جيله في خمسينيات وستينيات القرن الماضي الذين حاربوا كتاب قصيدة النثر علنًا.
لم يكن الأديب الكبير حسن فتح الباب يكتب الشعر فقط، وإنما كان ناقدًا كبيرًا، وله إسهامات رائعة في مجال النقد على مستوى تناول الأعمال والمدارس الأدبية، وكذلك على مستوى تاريخ النقد، حتى إن بعض الأدباء والمثقفين يرى أن تجربته النقدية لا تقل أهمية أبدًا عن تجربته الشعرية، إذ كان له علامات مهمة في التاريخ الأدبي، وهو ما يظهر في كتبه (رؤية جديدة لشعرنا القديم) و(شعر الجزيرة العربية)، وهي الكتب التي بذل فيها حسن فتح الباب كثيرًا من المجهود؛ لمحاولة استخلاص عوامل التدهور و الازدهار والأدوات الأدبية والفنية في هذه المراحل التاريخية.
كذلك كان لحسن فتح الباب أعمال نقدية حداثية تتعامل مع المنتج الجديد بحيادية شديدة، وهو ما يظهر مثلًا في كتابه (سمات الحداثة في شعر العربي المعاصر)، إضافة إلى تناوله للتجربة الشعرية في الثورة الجزائرية والشعراء الجزائريين أمثال (مفدي زكريا) شاعر الثورة الجزائرية.
على الرغم من تعدد أغراض الكتابة لديه وتباعد الأعمال الشعرية على مدار تجربته المتسعة، كان حسن فتح الباب كثيرًا ما يتغنى بالأمل والحرية ويطمح إلى الجمال، إضافة إلى أنه لم يكن ذلك الأديب الذي يُحبُّ المعارك ويسعى إليها، وكان دائمًا مًا يبتعد عن الضجيج الإعلامي، وربما كان هذا الأمر من أسباب عدم حصول هذا الأديب الكبير على ما يستحق من شهرة وانتشار مع أنَّ تجربته كبيرة ومتنوعة.
اقرأ أيضًا رواية زنوبيا .. رواية تحيا بين أسوار مملكتها
جوائز حسن فتح الباب
العديد والعديد من الجوائز والأوسمة والتكريمات التي نالها الأديب الكبير حسن فتح الباب إلا أن أبرزها ما يلي:
- جائزة المجلس الأعلى للآداب والفنون والثقافة عام 1975 التي حصل عليها عن ديوانه (حبنا أقوى من الموت).
- جائزة مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين عام 1992 التي حصل عليها عن ديوانه (أحداق الجياد).
- جائزة القدس من اتحاد الكتاب العرب عام 2001.
- جائزة التميز من اتحاد كتاب مصر عام 2007.
- الترشح لجائزة الدولة التقديرية عام 2001.
أعمال حسن فتح الباب
كانت رحلة الأديب الكبير حسن فتح الباب مع الأدب غزيرة الإنتاج متعددة الأشكال الأدبية التي أثمرت عن أكثر من 50 كتابًا ومؤلفًا يكاد نصفها يكون في الشعر.
بينما يأتي النقد الأدبي في المرتبة الثانية بنحو 12 كتاب، إضافة إلى المسرحيات الشعرية وأدب الرحلة والسيرة الذاتية وكتب القانون والشرطة، أضف على ذلك كتب عدة دينية وتاريخية، ومؤلفات في الحضارة العربية والإسلامية، ولعل أشهر أعماله ما يلي:
في مجال الشعر:
- من وحي بورسعيد عام 1957
- فارس الأمل عام 1965
- مدينة الدخان والدمى عام 1967
- عيون منار عام 1971
- حبنا أقوى من الموت عام 1975
- أمواجنا ينتشرون عام 1977
- معزوفات الحارس السجين عام 1980
- رؤيا إلى فلسطين عام 1980
- وردة كنت في النيل خبأتها عام 1986
- مواويل النيل المهاجر عام 1987
- أحداق الجياد عام 1990
- كل غيب شجر عام 1993
- الخروج إلى الجنوب عام 1998
- سلة من محار عام 2001
- أما النهر الساقي فتمرد
- البلبل والجلاد عام 2002
- العصافير تنفض أغلالها عام 2002
- فوق العاصفة عام 2004
- على سلم من هشيم الريح عام 2007
- شجرة ورد خلف الشط الآخر عام 2008
- وجوه في الميدان عام 2012
- أرقني الشوق إلى العادلين عام 2013
في مجال المسرح الشعر:
- محاكمة الزائر عام 1997
- مسرحيتان لم تنشرا حتى الآن أوزوريس / إخناتون
في مجال النقد الأدبي:
- رؤية جديدة في شعرنا القديم عام 1984
- شعر الشباب في الجزائر بين الواقع والآفاق عام 1985
- شاعر وثورة عام 1986
- مفدي زكريا شاعر الثورة الجزائرية عام 1987
- حسان بن ثابت شاعر الرسول عام 1997
- محمد الشوباشي عام 1997
- سمات الحداثة في الشعر العربي المعاصر عام 1997
- حسن القرشي شاعر الجزيرة العربية عام 1997
- المقاومة والبطولة في الشعر العربي عام 1998
- ومضات نقدية في أشعار معاصرة عام 1999
- محمد العيد آل خليفة شاعر الجزائر عام 2002
- ثورة الجزائر في إبداع شعراء مصر عام 2005
في المؤلفات التاريخية والإسلامية:
- السفارات الثقافية في الدبلوماسية الإسلامية عام 1962
- مقومات القيادة الإدارية في الإسلام عام 1962
- التخطيط والتنظيم في الهجرة عام 1969
- المؤامرات اليهودية من خيبر إلى القدس عام 1969
- مقاومات السفراء في الإسلام عام 1970
- على طريق الهجرة عام 1971
- القيم الأخلاقية والإنسانية في الغزوات عام 1971
في مجالات أخرى:
- تنويعات على لحن السندباد عام 2001
- المنازعات الدولية ودور الأمم المتحدة عام 1976
- المخدرات سلاح الاستعمار في عام 1967
- التخطيط لمكافحة الجريمة عام 1970
من وحي السيرة النبوية:
- وكان ما قد كان
- الجزائر شهداء وشعراء
- شاعر وضابط شرطة
مقتطفات من أشعار حسن فتح الباب
- ليل لا يسري
نجم مغلول الفجر
والصلبان الجدران الرطبة
تتدانى الأسقف ويطل الكهف
يمسي الدانوب أطياف شراع
منديل وداع
يا قلبا كلله الموج الأبيض
لا تعشق لا تبغض
فالكون سديم
والعالم ذكرى تنبض
بالفردوس الموهوم
صدري تهدج رؤيا تتوهج
وغمامات وطن
- تجولت في الأرض تذكي رماد البقاء وعدت ولما تعد
فما أقرب النار مما جنيت وما أبعد النار مما حلمت
فقم هئ المصطلى للشتاء وقاتله بالأرق المستبد
أفق لا تنم إن عش الحمام يثير اشتهاء الأفاعي
ويوقظ ليل الشقاء
- يقول المغنون صوتك نبض اليباب وومض السراب
وحرفك رهن الشجى و الضجر
ترحلت ظمآن والنبع أدنى اليدين
تناءيت لا الأرض فوق المدار فتدنو
ولا الأفق يعلوك حتى تقر
ولا أنت تغضي البصر
وعنوانك الفلك تحت البحار
فكيف انتظارك للراحلين ؟
وفاة حسن فتح الباب
توفي الشاعر والناقد والأديب المصري الكبير حسن فتح الباب في يوم 28 سبتمبر عام 2015 عن عمر ناهز 92 عامًا بعد مدة من المعاناة مع المرض، فقد كتبت ابنته منار حسن فتح الباب على حسابها الشخصي في موقع فيسبوك قائلة: (تنعى مصر والوطن العربي والعالم خبر رحيل أبي)، ليرحل أحد علامات الثقافة العربية وأحد رواد الشعر الحر، تاركًا خلفه رصيدًا كبيرًا من الإبداع والجمال.
وفي نهاية هذه الجولة السريعة في حياة الأديب المصري حسن فتح الباب، نرجو أن نكون قدَّمنا لك المتعة والإضافة، ويُسعدنا أن تُشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.