حسن جلبي أول رائد فضاء عثماني قبل عصر الصواريخ الحديثة

في إحدى ليالي القرن السابع عشر، كانت مدينة إسطنبول تتلألأ بالأضواء وتعج بالفرح والاحتفالات السعيده، ابتهاجًا بمولد الأميرة (قايا) وهي ابنة السلطان مراد الرابع. وبينما أهل المدينة يشاركون الحاكم ميلاد الأميرة الجديدة، وفي قلب هذا المشهد المهيب، لم يكن أحد يتوقع أن يشهد التاريخ واحدة من المغامرات التي ستظل بصمة لا يمحوها الزمان من ذاكرة البشر. إنها مغامرة رجل أراد أن يحلق في أعالي السماء على ظهر صاروخ صُنع بطريقة بدائية، ليصبح أحد أوائل من حلموا بالفضاء. فما القصة يا تُرى؟

حسن جلبي: الحالم الذي تحدى المستحيل

كان هناك رجل يُدعى حسن جلبي، نشأ في بيئة عثمانية تقدِّر التعليم والاختراعات العلمية الحديثة، لكنه لم يكن من العلماء التقليديين كسائر علماء عصره، بل كان عاشقًا للتجارب التي تكسر حجاب المألوف، ويهوى المجازفة بقلب لا يخشى ظلمات الفشل، إذ كان صاحب خيال واسع جعله ينظر إلى السماء بشغف لا تنطفئ شعلته ليلًا ونهارًا.

العالم العثماني حسن جلبي

وفي يوم ميلاد الأميرة وبينما انشغل الآخرون بالاحتفال، كان حسن جلبي يخطط لأمر لم يجرؤ عليه أحد من قبله: فكانت إطلالته في الحفل عبارة عن مفاجأة لم تطرأ على بال أدهى إنسان في مدينة إسطنبول، فقرر أن يُقلع في صاروخ من صنع يديه أمام أعين السلطان نفسه.

صناعة الصاروخ البدائي: إنجاز علمي فريد

وبمهارة وحسابات دقيقة أعد حسن جلبي قذيفة صاروخية بسبعة أذرع، ومن ثم وضع بداخلها حشوًا بمقدار خمسين أوقية من معجون البارود وصعد بداخلها، فأعطى حينها إشارة لمساعديه كي يشعلوا الفتيل. وبمجرد أن فعلوا ذلك دوى الانفجار الأول وارتفع الصاروخ في السماء، ارتصت الحشود وباتت تنظر في صدمة وذهول وكأنه مشهد من فيلم أسطوري يتجسد علي أرض إسطنبول.

بدأ جسد حسن جلبي في الارتفاع عاليًا، ويُقال إنه صعد لمسافة تزيد عن تسعمائة قدم، وتقدر بنحو 275 مترًا، وفي مشهد أقرب إلى الخيال، وما إن بدأ البارود ينفد حتى أطلق جناحين ضخمين صنعهما على هيئة جناحي نسر ليخفف من حدة سقوطه، وهبط وهو ينساب نحو البحر بالقرب من قصر سنان باشا، حتى غاص في المياه، ثم خرج سالمًا دون أي إصابة وسط دهشة الجميع.

حسن جلبي وصناعة الصاروخ البدائي

مغامرة الهبوط والاحتفاء السلطاني

عاد جلبي إلى القصر بعد أن ابتل بمياه البحر، لكنه على الرغم من هذا كان منتشيًا بنجاحه وفي بالغ سعادته، لا سيما بعد أن استقبله السلطان مراد الرابع بنفسه، وأثنى عليه مكافئًا إياه بكيس من العملات الذهبية، ومنحه أيضًا منصبًا في فرقة الانكشارية المرموقة في ذلك التوقيت، وكان ذلك تعبيرًا سخيًا وتكريمًا على شجاعته وإبداعه، بل وإقرارًا بأن ما فعله لم يكن مجرد لعبة نارية، بل كان إنجازًا علميًا مبكرًا سبق عصره بمئات السنين.

رحيل في صمت... وإنجاز في الذاكرة

بعد هذه المغامرة الشهيرة التي دوَّنها التاريخ بين سجلاته، رحل حسن جلبي إلى القرم وهناك قضى ما تبقى من عمره بعيدًا عن الأضواء، حتى توفي في ظروف غامضة دون أن يُعرف تاريخ وفاته بدقة أو يُحدد مكان قبره. ومع ذلك ظل اسمه يتردد كونه رمز يُحتذى على منابر العلماء الذين ساروا على نهجه.

حسن جلبي في سجلات التاريخ.. رائد فضاء سبق عصره

اليوم وفي تاريخ العلم الحديث يُعد حسن جلبي أول رائد فضاء عثماني، أو بالأحرى أول إنسان جرَّب الصعود بصاروخ بدائي في التاريخ، وقصته لا تزال تفتح بابًا للتأمل في أن الدولة العثمانية لم تكن فقط سيفًا وجيشًا، بل أيضًا بيئة خرج منها علماء ومخترعون حالمون بالسماء. لقد وضع جلبي الحجر الأول لما يمكن أن نعده الآن بداية مبكرة لـعلم الصواريخ.

حسن جلبي في العلم الحديث

ففي عام 1998 ذكر عالم الطيران النرويجي موريتز روفافيك في مقابلة صحفية أن هذه التجربة قد تكون أول محاولة بشرية للصعود إلى السماء بصاروخ، أي قبل أن يكتب التاريخ اسم يوري غاغارين أو نيل أرمسترونغ، إذ وصف جلبي بأنه رائد في علم الصواريخ، فقد استخدم نظامًا مزدوجًا مكونًا من قاعدة بها ستة صواريخ للانطلاق، وجزء علوي يحمله إلى السماء. وقصته تظل شاهدًا على أن الحلم بالفضاء لم يكن حكرًا على الغرب، بل راود عقول الشرق منذ قرون.

رأي المؤرخين في قصة حسن جلبي أسطورة أم حقيقة تاريخية؟

على الرغم من أن قصة حسن جلبي تُعد ملهمة، فإنه من الضروري الإشارة إلى أن مصدرها الوحيد هو كتابات الرحالة العثماني الشهير أوليا جلبي الذي عاش في القرن السابع عشر. ويشير عدد من المؤرخين إلى أن أوليا كان معروفًا بمبالغاته في وصف الأحداث، ما يضع بعض الغموض حول دقة هذه الرواية. ففي حين يرى بعضنا أنها حقيقة تاريخية تظهر روح الابتكار العثماني، يعدها آخرون أسطورة جميلة ترمز إلى الطموح العلمي الذي ساد تلك المرحلة.

بغض النظر عن كونها حقيقة أو أسطورة، فإن قصة جلبي تظل ذات أهمية ثقافية كبيرة؛ لأنها تظهر أن فكرة السفر إلى الفضاء لم تكن غائبة عن أذهان العلماء والباحثين في الحضارات الشرقية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.