حسن أوريد من القصر إلى سيرة حمار.. جدلية المثقف والسلطة في الأدب المغربي

تنبثق كتابات حسن أوريد من صلب تناقضات الوجود المغربي المعاصر، فيصطدم تراب الريف المتدين المشبع بالإيمان الشعبي بجدران القصور الرسمية اللامعة، محولًا الفقر الريفي إلى قوة داخلية صلبة، والهجرة القسرية إلى دعاء جماعي يعلو نحو السماء.

يجسد أوريد، المولود في 24 ديسمبر 1962 بقصر تازموريت الأمازيغية قرب الرشيدية جنوب شرق المغرب، جسرًا أدبيًا بليغًا يربط بين عفوية الجذور الإسلامية الأمازيغية المتواضعة وتعقيد المناصب الدبلوماسية والسلطوية مجسدًا إشكالية المثقف والسلطة، عبر رموز حية نابضة مثل «سيرة حمار» (2014) و«رواء مكة» (2019)، وتندرج هذه الأعمال ضمن أبرز محطات الأدب المغربي المعاصر.

هل يمكن للأدب أن يصبح سلاحًا فعالًا ضد عواصف التغريب والعولمة الثقافية التي تمحو الهويات المحلية؟

تتتبع هذه المقالة مساره تسلسليًّا وبعمق تحليلي، مستشهدة بشهادات نقدية واقتباسات مباشرة من أعماله مع توثيق صفحاتها، وإعفاؤه عام 2009 قبل اندلاع حركة 20 فبراير 2011 كونها محفزًا إبداعيًّا حاسمًا، لتكشف عن كيف تَحولت ذاكرته المتجذرة إلى مرآة ناقدة للمجتمع المغربي، عبر رؤية فكرية نقدية تُزاوج بين العمق الفلسفي والأدب السياسي.

الجذور التقليدية: عفوية مشبعة بالتدين الشعبي والحس الرمزي

نشأ أوريد في أسرة ريفية متواضعة تجمع بين أب صحراوي وأم أمازيغية من منطقة ميدلت، وكان الفقر المادي رفيق اليوميات، لكنه امتزج بتربية إسلامية شعبية عميقة الجذور، تجعل الأذان يدوي في الهواء والحكايات الدينية تتردد كترانيم يومية.

هذا الوسط الريفي لم يكن مجرد خلفية؛ بل مدرسةَ حياة حَولت الصمت أمام قسوة التراب إلى قوة داخلية مقاومة، درعًا شعبيًا ضد الوهم الحديث الخالي من الروح قبل أن يواجه التغريب الفعلي.

يقول أوريد في إحدى شهاداته: «في ريفي كان التدين هواءً نتنفسه، ليس عادات جامدة بل مقاومة حية لقسوة التراب، والأسرة زرعت فينا حس الرمز الذي يقاوم التغريب قبل أن نعرفه»، مشيرًا إلى كيف شكلت هذه الجذور نواة كتاباته الأدبية، فـيصبح الدين سلاحًا شعبيًّا يحمي الهوية من العولمة التي تُمحى الجذور المحلية، وهو ما يظهر في كثير من كتبه ذات الطابع التأملي النقدي.

هذه العفوية الريفية ممهدة لرمز «الحمار» كصوت المهمشين في زمن البطالة والهجرة، تحول الصمت إلى قوة ثورية كامنة.

الانتقال المفاجئ: برق المدرسة المولوية وعواصف السلطة العالمية

جاء انتقال أوريد إلى المدرسة المولوية في يناير 1977 كبرق مفاجئ، فالتحق بها مع الملك محمد السادس كولي للعهد آنذاك، في نظام عسكري صارم يجمع بين العلوم الحديثة والقيم الإسلامية التقليدية، ما كوَّن شخصيته كونه مثقفًا يربط بين تراب الريف والنخبة الملكية الرسمية.

ويستيقظ الطلاب على صلاة الفجر ودراسة القرآن في حضن مدرسة احتضنت ثلاثة أجيال من الملوك، غَرست فيه الالتزام الديني الرسمي كأساس للتكيف مع السلطة.

ثم جاء تنقله الدبلوماسي إلى أمريكا، فخبر التغريب مباشرة بدراساته وتفاعلاته مع الثقافة الغربية العلمانية، قبل أن يتقلد مناصب ناطق رسمي باسم القصر الملكي (1999–2005)، وواليًا إداريًا على جهة مكناس - تافيلالت (2005–2008)، ومؤرخًا للمملكة (2009–2010)، أصبح فيها صوتًا وسيطًا بين الملك والشعب في زمن التحولات الديمقراطية.

يصف أوريد هذه المراحل ببلاغة: «المدرسة المولوية فتحت أبواب الرمز الديني الرسمي، أمريكا علمتني عواصف التغريب، والقصر جعلني أرتب الفوضى بينهما كمؤرخ يسجل لا يمحو»، مشيرًا إلى كيف صقلت هذه التجارب وعيه بضرورة المقاومة الثقافية.

لم تَنْقطع هذه المراحل عن جذوره، بل حولتها إلى جسر حي بين الشرق والغرب، مستخدمًا مناصبه للدفاع عن الهوية المغربية المزدوجة العربية - الأمازيغية في وجه العولمة.

هل يمكن للأدب أن يصبح سلاحًا فعالًا ضد عواصف التغريب والعولمة الثقافية

التكيف دون تنكر: ثبات الأصل مرآة ناقدة للتناقضات

على الرغم من تكيفه مع رفاهية السلطة والدبلوماسية، لم ينكر أوريد أصله الريفي؛ بل بقي تراب تازموريت محفورًا في قدميه، رافضًا «الإذعان الكلي لذِبة التبني الخالد» ويرمز إلى الحمار الريفي الذي يحمل أثقال الشعب دون فقدان هويته.

استقالته من منصب مؤرخ المملكة عام 2009 كانت شهادة حية على رفضه للألقاب الزائفة، وقد روى: «حاولت التكيف بحسن نية لكن المنصب يفتقر إلى المضمون الحقيقي، مفضلًا الحرية الفكرية على الالتزام بالوهم الرسمي الذي يخالف تربيتي في المولوية».

ويؤكد: «دخلتُ القصور لكن تراب الريف في قدمي، والتدين الشعبي لم يمت بل صار سلاحًا ضد الوهم الرسمي»، محولًا تجربته إلى مرآة ناقدة تظهر التناقضات بين الفقر الشعبي والثراء المؤسسي في المغرب المعاصر.

هذا التكيف الانتقائي لم يكن استسلامًا، بل إستراتيجية للحفاظ على الذاكرة كقوة داخلية، رافضًا الشعبوية كأنها خطر يفاقم التبعية الاقتصادية والثقافية.

الإعفاء والربيع العربي: محفز للانفجار الإبداعي

جاء إعفاؤه عام 2009 مباشرة قبل اندلاع الربيع العربي وحركة 20 فبراير 2011 التي هزت المغرب بشعارات الكرامة والعمل، محفزًا صمته إلى كتابة ثورية.

رأى في ساحات الشباب امتدادًا لحماره الريفي: «بعد الإعفاء رأيتُ الشباب في الساحات يحملون حماري الريفي، فالربيع لم يكن مفاجأة بل امتدادًا لذاكرتي المتجذرة». هذا التوقيت الحساس أعاد إحياء رمزه، ممهدًا لسلسلة روايات تشهد على «الثورة الصامتة»، تحول الذاكرة إلى نقد اجتماعي حاد يفضح البطالة والهجرة كأزمات وجودية.

«سيرة حمار» 2014: رمز المهمش الثوري والمثقف المغلوب

صدرت «سيرة حمار» عن دار الأمان بالرباط عام 2014 (الطبعة الثالثة 2015)، مستوحاة من «الحمار الذهبي» لأبوليوس الأمازيغي القديم، وفيها يتحول بطلها «أذربال» -شاب أمازيغي مثقف من الريف- إلى حمار يحتفظ بعقله البشري، في مونولوج داخلي يستكشف أزمة الهوية تحت الاستبداد المغلف بالتدين.

يقول البطل مباشرة: «نظرت في مرآة فإذا أنا حمار كامل الأوصاف لا أختلف عن الحمير إلا في شيء أضحى مصدر معاناتي هو قدرتي على التفكير» (ص 20).

وفي لحظة التحول الأول: «نقعت من الشراب فإذا هو سائغ لذة… ثم فجأة انفجرت صارخة، فقد تَمَزقَت ثِيابي كلها، وتكلَس جلدي، وتحولت يداي ورجلاي إلى قوائم، وكبرت أذناي، وإذا أنا حمار» (ص 20).

 وعند استرجاع إنسانيته: «تمددت على ظهري… فإذا أنا أقف على رجلي وإذا أنا إنسان جديد… أنا أذربال ولم يكن نهيقًا» (ص 119–120).

الحمار هنا استعارة حادة للشاب المغربي المثقل بالبطالة والهجرة، يحمل أثقال الآخرين دون شكوى: «ها أنا ما زلت حيًا يا صاحب السيرك، ها أنا حر يا صاحب السيرك.. حر رغم جراحي ورغم نُدُبي» (ص 104).

تهاجم الرواية الكرامة الإنسانية المهدورة بإساءة معاملة الحيوان كونه رمزًا، وتفضح الشعوذة والجهل الشعبي كأدوات سيطرة (ص 64، 90)، مستعيدة تاريخ المغرب الأمازيغي قبل الفتح الإسلامي، ومُمهدة لانتقال نحو الواقعية الأدبية في أعمال لاحقة.

رواية سيرة حمار

«رواء مكة» 2019: مصالحة روحية وسجال أدبي حيوي

بلغ أوريد ذروة إبداعه في «رواء مكة» (صدرت عن دار الآداب ببيروت 2019)، رحلة روحية تغوص في طقوس الحج كتلاقٍ حضاري، وفيها يتحول البطل – باحث مثقف يعاني الاغتراب – إلى حاج يتساءل: «هل لكل ما أرى معنى؟»، مستخدمًا استشهادات فقهية وتاريخية ليرسم لوحة شعرية.

«وفجأة، نعم، كماءٍ يتفجر من الأعماق تحول رَواء انبجس من داخل نفسي… كنتُ أشرب من ماء زمزم».

وفي تأمل فلسفي: «ليس هناك من دينٍ ينزل من السماء، بل هي آهات البشر تَصْعَدُ إلى السماء، لتعود بعدها كما ينزل الماء من السماء».

أثار ذلك جدلًا أيديولوجيًّا واسعًا في المغرب، وتحول إلى حدث ثقافي جماعي. وبرز تفاعل أبو زيد الإدريسي، المُقرئ الذي وصفها: «تصعد الآهات إلى السماء كدعاءٍ متفجرٍ للعدل الإلهي، تُغير القارئ بمثل ما يغير كتاب الله، أوريد أكبر مثقف في دائرة النخبة المولوية التي درست مع الملك محمد السادس، نجح في إعادة صياغة الهوية الإسلامية بلغة أدبية تجاوزت الجدل العلماني».

رد أوريد بقوة وتواضع في حوار تلفزيوني: «جاء شخصٌ مسؤولٌ كبيرٌ يريد التقرب بالحج فتنصلتُ… لكن الرواية كقصر كارل الخامس قصرت علي المعنى وفتحت أبوابه للتفسير العميق»، مُحولًا السجال إلى ترويج لمصالحة بين العقل والإيمان، ودعوة لقراءة الحج كتجربة فلسفية تُعيد القارئ إلى جذوره.

صورة رواية رواء مكة

الجسر الأدبي: من رمزية الحمار إلى واقعية مكة

يمثل مسار أوريد جسرًا أدبيًا بليغًا ومتعدد الأبعاد في الأدب المغربي المعاصر، يربط بساطة نشأة تازموريت الريفية -المشبعة بالتدين الشعبي والصمت الثوري الكامن- بتعقيد المناصب السلطوية والدبلوماسية، مرورًا برمزية ساخرة ومونولوجية في «سيرة حمار» (2014) كصوت للمهمشين المثقلين بالبطالة والهجرة، إلى واقعية متجذرة وشعرية في «رواء مكة» (2019) كعودة أبدية إلى الأصل الإسلامي.

هذا الجسر ليس تسلسلًا زمنيًّا فحسب، بل رحلة فكرية دائرية تظهر صراع الهويةيبدأ من «قدرتي على التفكير مصدر معاناتي» (ص 20، «سيرة حمار») كمسخ حيواني للمثقف المغلوب، ليبلغ ذروته في «آهات البشر تصعد إلى السماء» («رواء مكة») كدعاء متفجر يُعيد بناء الإنسانية.

يلخص أوريد «العفوية جسر إلى التعقيد، والأصل عودة أبدية»، مُحولًا الاغتراب الداخلي إلى مصالحة جماعية، فيغدو الأدب نفسه الجسر الذي يربط التراب الريفي بمرآة مكة، رافضًا الإذعان للعولمة بفلسفته: «ليس هناك دينٌ ينزل من السماء، بل أصلٌ يصعد إليها، أحدًا يصمد أمام عواصف التكيف».

سلسلة المؤلفات: زخم إثراء أدبي خالد ومتنوع يعكس الذاكرة المتجذرة

تزخر سلسلة أوريد الغنية (أكثر من 20 عملًا أدبيًا وفكريًا، بما في ذلك روايات، مقالات تاريخية، ومرافعات سياسية) برمزية اجتماعية - دينية عميقة تتطور تدريجيًا، تظهر رحلة الذاكرة من الريف إلى العالمية:

«المهاجرين الداخليين» تفضح الهجرة الداخلية كفقر مزمن يُفرق العائلات الريفية ويهدد التراث الإسلامي - الأمازيغي، مُحولة الاغتراب إلى نقد اقتصادي حاد.

«الكذب الصادق» يدعو الرواية المغربية إلى «كذبة صادقة تحمل أثقال الشعب كالحمار»، كأداة لكشف المظالم الاجتماعية دون مواجهة مباشرة، مُمهدًا لفلسفة الرمز كمقاومة.

«الموتشو» (2022) مرافعة عن الربيع العربي والتطبيع السياسي، تربط البطالة بالشعبوية كأزمة وجودية معاصرة.

أعمال أخرى مثل «رحلة إلى أمريكا» (تجربة دبلوماسية) و«تاريخ المملكة» (كمؤرخ رسمي) تُكمل الدورة بمزج التاريخ بالسيرة الذاتية، مؤكدة أن «لا شيء يسمو على كرامة الإنسان».

نقادٌ يشهدون

يشهد النقاد لأوريد بـ«عمقٌ فلسفي وسياسي يُعيد صياغة الهوية المغربية»، مؤثرًا جيلًا يبحث عن جذوره أمام العولمة والبطالة، فتتحول السلسلة إلى جسر خالد يربط الماضي بالحاضر.

أوريد حارس ذاكرة متجذرة في زمن العواصف

يمثل حسن أوريد دورة مكتملة مذهلة في الأدب المغربي المعاصرمن جذور ريفية متدينة مشبعة بتراب تازموريت، مرورًا بانتقال مفاجئ عبر المدرسة المولوية والمناصب السلطوية المعقدة، إلى إعفاء إبداعي يشعل «سيرة حمار» كأنه رمز ثوري للمهمشين المثقلين، ثم «رواء مكة» (2019) مصالحة روحية عميقة تَصْعَدُ الآهات كأنها دعاء متفجر نحو السماء المنتظَرة.

هذا الجسر الأدبي البليغ ليس طريقًا، بل نهر جارٍ يُحول الذاكرة الريفية المتجذرة إلى سلاح رمزي خالد يقتحم عواصف التغريب والتبعية العالمية، مُجسدًا ثبات الهوية كجبل يصمد أمام العواصف ويرفع صوته دعوة جماعية.

في زمننا هذا المضطرب، في ظل تعاظم أزمات البطالة والهجرة المؤلمة والشعبوية الرقمية المضللة، ألا يدعونا أوريد إلى استعادة الجذور كأنها قوة أبدية تنبثق من تحت التراب؟

هل يمكن للأدب أن يُفجر الثورات المؤجلة كماء زمزم يتفجر، ويُحول الآهات المكبوتة إلى صوت جماعي يصعد إلى السماء ليعود عدلًا إنسانيًا وحريةً روحية، مُعيدًا بناء الهوية المفترقة في وجه العواصف المعاصرة؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة