اهتم الإسلام ولا شك بالحرية، ودعا إليها، ووضع القوانين لحمايتها، وأبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- زمن كانت الدعوة الإسلامية في مكة قبل الهجرة إلى المدينة أنكر على قريش منعها الرسول عليه السلام من حرية أن يقول: "ربي الله"، وتعجب منهم أشد العجب من ذلك، لأنهم يمنعونه من أبسط الحقوق، وهو حق أن يقول ما يعتقد أنه الحق.
والنبي عليه الصلاة والسلام أخبر أنه لا أحد يستطيع أن يكافئ والديه على صنيعهما له صغيراً وكبيراً إلا أن يجدهما أو أحدهما عبداً فيعتقه ويعطيه حريته.
في دليل واضح أن لا ثمن يساوي ما قدمه الأبوان للابن إلا الحرية، ولكن الحرية التي ينادي الإسلام بها هي الحرية التي لا تخالف شرع الله أولاً، ولا تخالف الإنسانية والذوق الصحيح والسليم والقانون ثانياً.
أو ما اصطُلح على تسميته اليوم بالحرية المسؤولة، فلا حرية لإنسان في اختيار أن يخالف أوامر الله، أو يخالف القانون؛ لأنه بذلك يصبح في حقيقة أمره عبداً لشيطانه وشهواته وهواه، وليس حراً كما يعتقد.
لأن الأمر الذي يكون للإنسان حق الحرية في اختياره هو ما لا يعاقب على اختياره له حين يختاره.
إن الحرية هي أن يختار الإنسان ما يتفق مع قناعاته دون إرغام أو إجبار، وألا يترتب على اختياره عقوبة ولا إلحاق ضرر به شخصياً أو بأحدٍ غيره.
فلا يحق للإنسان مثلاً أن يختار أن يخالف القانون، أو يتعدى بالضرب على أحد، وإلا فالعقاب سيكون جزاءه حينها.
ولكن هل يصلح لعقل أن يكون المقياس الذي به نحدد الجائز، وما ليس بجائز؟
ونحن نتكلم عن أفعالنا وما نقوم به وما نقدمه من قناعات، إنه مسألة فلسفية قديمة ومعقدة، هل كل ما يستحسنه العقل هو حسن أم في الموضوع كلام ثان؟
عقول الناس متساوية كما يرى (رينيه ديكارت)، لكن منهج فهمهم للأمور والحكم عليها هو الذي يختلف من شخص إلى آخر.
إذن، حسب هذا فإن العقل لا يمكن أن يكون هو مصدر الاستحسان والتقبيح وحده فقط، فهل خطر في بال من انتهج الشك على طريقة (ديكارت) هذا الاستنتاج؟
لا أعلم...
اقرأ أيضًا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.