يقول الفيلسوف جان بول سارتر: «الآخرون هم الجحيم»، عبارة تختصر مأساة الإنسان المعاصر الذي يجد نفسه محاصرًا بين رغباته الحقيقية وبين الضغط الاجتماعي.
يناقش هذا المقال ظاهرة الوصاية المجتمعية، وكيف تتحول الأعراف والتقاليد إلى سياط تجلد التفرد، وتجعلنا حراسًا بائسين على حيوات لم نعشها، بدلًا من أن ننشغل بإصلاح ذواتنا، إنها دعوة للتحرر من البرجوازية الزائفة واستعادة ملكية الذات.
يبدو أن الحياة ليست بتلك القسوة التي نتصورها، حتى إن قسوتها لا تكمن في جوهرها بل فيمن يحيطون بنا، في تلك القوانين الجائرة، والبرجوازية الاجتماعية، والأنا المتعالية، والتقاليد البالية، كل ذلك يجعل العيش عبئًا ثقيلًا على الروح.
فلو ترك الإنسان ليحيا كما يحب، وكيفما تتوق نفسه، ما دام لم يتجاوز حدوده من التعدي على الآخرين ولم يسئ لأحد، لكانت الحياة أهون وطأة على عاتقه. لكننا نأبى إلا أن نحشر أنفسنا في تفاصيل لا تعنينا. نريد أن نسيِّر الناس وفق أهوائنا، أن يعيشوا كما نعيش، وأن نطوِّق أعناقهم بالقيود ذاتها التي اختنقت بها حياتنا، لنجد أننا أمام عبث، أكثر من كونه مجرد انتهاك للحرية الشخصية التي يفترض ألا تمس، عبث كامل يجعل الحياة فاقدة لخصوصيتها، مجردة من معناها.

سيكولوجية الوصاية: لماذا يتدخلون في حياتك؟
كأن قوانين الأرض لا تكفي، لنزيد فوق وطأتها قوانين خاصة، أشبه كثيرًا بالقيود التي تُصنع تحت مسمى الوجاهة العائلية والتميز الاجتماعي الزائف، لنكون من خلالها حراسًا على حياة الآخرين، بينما نحن أعجز ما نكون عن حراسة ذواتنا.
فمن ذا الذي خوَّلك أن تسدي نصائح لم تنفعك أنت أصلًا، وأن تفرض على حياتهم قيودًا هرمة عفا عليها الزمن، ولم ير الناس فيها سوى صخرة سحقت تحتها أحلام الطامحين، ودفنت تحتها محاولاتهم الأولى للحياة؟
فبأي حق تطل من شرفتك الضيقة، متدثرًا بوهم التعالي على من تحسبهم أدنى؟ أولئك الذين قد يكونون في الحقيقة أسمى منك مقامًا، لكنهم آثروا التواضع بدافع الاحترام. فمن أنت، لتعلمهم كيف يعيشون؟
دعوة لترك الخلق للخالق
لو أنكم تكفون عن خطاباتكم الوصائية وتبقون حيث أنتم، اتركوا الناس يمضون في دروبهم، راقصين على أوتار الجنون والغبطة. دعوهم يجربون الحياة كما يشتهونها، لا كما تراد لهم أو تريدون أنتم.
لقد تجاهلتم ما يحيط بكم، وظللتم مشغولين بكيفية التنغيص على بعضكم، متناسين آلة السلطة كيف تعبث بكم وتشتت آمالكم. لم يتركوا لكم شيئًا، سلبوكم كل دواعي الحياة بغير حياء، وكان الأولى بكم أن تصرخوا في وجوه هؤلاء، أن تنتقموا منهم لما صنعوا بكم، لكن يبدو أنكم لا تجدون لذتكم إلا في إفساد حياة كل من حاول أن يشق لنفسه ممرًا ولو ضيقًا، يعبر من خلاله أنه ما زال حيًا، يؤكد أن قلبه لا يزال ينبض، ليكون مثالًا حيًا على أن ثمة إنسانًا لا يزال هنا.
مانيفستو الحرية: أنت وحدك المسؤول
ولكن، بما أننا قد لا نسلم من هذا الجور الفضولي، فمن الواجب أن نضع نصب أعيننا: بما أن اليد التي قُدر لها أن تكون سببًا في وجودك لا تملك كل الحق في الإمساك بك بعد أن فتحت عينيك على ذاتك، فمنذ تلك اللحظة، صرت مسؤولًا عن كيانك، وحيدًا في حريتك، كاملًا في حقك أن تكون ما تشاء وكيفما تشاء.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.