حرية التعبير والعيش المشترك: كيف تُكوِّن اللامبالاة الإيجابية معالم الحياة

في برلين، ترى أشكالًا وألوانًا مختلفة من أساليب الحياة. هناك أذواق متنوعة ومتباينة، بل ومتناقضة أحيانًا. ترى، مثلًا، في وسائل النقل فتاة ترتدي حذاءً عسكريًا مع فستان، وبجانبها شاب مطلي الأظفار ويرتدي بدلة، وامرأة منقبة لا يظهر منها إلا عيناها، وبجانبها رجل ذو لحية طويلة، وأمامهم فتاة ترتدي سروالًا قصيرًا وقميصًا داخليًا.

لا يوجد نمط تقليدي واحد يهيمن على لباس المدينة، ولا توجد موضة برلينية واحدة تفرض نفسها على الجميع. كل شخص يرتدي ما يحلو له، ولذلك ترى أحيانًا ما لا يخطر ببالك من أنواع اللباس.

غياب الفضول وحرية المظهر

وهذا جانب من الحرية، لكن الجانب الآخر من الحرية هو ما لفت نظري أكثر: ردة فعل الناس، أو بالأحرى غيابها في كثير من الأحيان.

لا يوجد تركيز بالنظرات، ولا تعليقات مسيئة، ولا ذلك الفضول الذي يجعلك تشعر بأنك مراقب وتحت المراقبة. قد تكون هناك نظرة عابرة وتنتهي. لقد اعتاد الناس على مختلف أنواع اللباس وأساليب الحياة، حتى أصبحت الدهشة نفسها أمرًا صعبًا في برلين.

وهذا لا يعني أن الجميع يعجبهم كل ما يرونه، بالطبع لا. قد يعجب شخص بمظهر ما، في حين يقول آخر في نفسه إنه غير جميل، وقد يرى ثالث أن هذا الأسلوب يناسبه وأن ذاك لا يناسبه. لكن الموضوع ينتهي هنا. لا أحد يشعر بأن عليه أن يحاكم الآخر بسبب لباسه، أو أن يحوِّل رأيه الشخصي إلى قانون على الجميع.

والناس عندما تخرج إلى الشارع بملابسها، لا تنتظر إعجاب الآخرين بها، ولا تخشى انتقاداتهم، لأن الناس ببساطة غير منشغلين ببعضهم طوال الوقت.

التحرر من نظرة الآخرين

وهنا يظهر معنى آخر للحرية: أن تكون حرًا ليس فقط في أفعالك، بل أن تتحرر أيضًا من علاقتك المفرطة برأي الآخرين فيك. أنت حر، وهم أحرار، حتى في ألا يهتموا بك. وأن تكون حرًا يعني أيضًا أن تتحرر من الأحكام المسبقة على الآخرين.

وهذه هي اللامبالاة الإيجابية التي أقصدها. ليست اللامبالاة بمعنى ألا يهتم الإنسان بالآخر، وإنما أن يترك الآخر يعيش كما يريد، ما دام لا يعتدي عليه.

العيش المشترك والتعددية المجتمعية

وهذا يظهر جانبًا أعمق من الحرية والعيش المشترك. فالموضوع ليس فقط أن تعيش أديان وطوائف مختلفة إلى جانب بعضها بعضًا، بل أن تعيش قوميات وأعراق وطبقات اجتماعية وأنماط حياة مختلفة تمامًا في المكان نفسه. من أعلى الهرم الاجتماعي إلى المشردين والمدمنين، يمكن أن ترى مختلف أشكال الحياة في مكان واحد.

في ساحة ألكسندر، مثلًا، وهي من أشهر ساحات برلين، قد ترى شخصًا يحمل مكبر صوت ويدعو إلى المسيحية، وعلى بعد أمتار منه شخص يعزف على الكمان، وفي زاوية أخرى شخص مشرد يعيش في خيمته تحت سكة القطار.

وفي المكان نفسه، قد ترى شابًا وفتاة يتبادلان القبلات، من دون أن يتجمع الناس حولهما لمراقبتهما. وقد ترى شخصًا يمسك القرآن ويقرأ فيه، وشخصًا آخر يحمل بيده زجاجة بيرة ويرقص بمفرده في الساحة. كل شخص يغني على ليلاه.

واقعية المشهد بعيدًا عن المثالية

وطبعًا لا أريد أن تصل الصورة وكأنني أصف مجتمعًا مثاليًا، في هذا المشهد بالتأكيد أشياء إنسانية وأخرى غير إنسانية، وأشياء إيجابية وأخرى سلبية وبائسة، وكل مجتمع ينظر إليها بقيمه وثقافته ومعاييره.

لكن الجميل في هذا الكوكتيل المجتمعي هو التعايش ومساحة الحرية: أن تعيش كما أنت، من دون أن يكون هناك قالب محضَّر عليك أن تدخل فيه حتى تكون مقبوضًا اجتماعيًا.

أن تختار نمط الحياة الذي يلائم قيمك ومعتقداتك وتعيش وفقًا لها، وفي الوقت نفسه تترك الإنسان الذي بجانبك يعيش وفق قيم ومعتقدات قد تكون مناقضة تمامًا لقيمك ومعتقداتك. قد لا يعجبك أسلوب حياته، وقد لا يعجبه أسلوب حياتك، لكن ليس مطلوبًا من أحد أن يصبح نسخة من الآخر.

مفهوم الحرية وسقف القانون

الجميع يعيشون تحت سقف قانون واحد، من دون تمييز أو مفاضلة. وهنا تصبح الحرية شيئًا أكبر من أن تقول: أنا حر، أفعل ما أريد. الحرية أن تفهم أيضًا أن الآخر حر، وأن حريتك تتوقف عندما تبدأ بالاعتداء على حرية غيرك.

والأجمل أنك لا تحتاج طوال الوقت إلى الالتفات حولك لتعرف كيف تبدو أمام الناس. لا تحتاج إلى أن تسأل نفسك: ماذا يقولون عني؟ ما رأيهم فيّ؟ هل أعجبهم لباسي؟ هل أعجبهم أسلوبي؟ لأن الناس ببساطة لديهم حياتهم الخاصة، وكل شخص مشغول بنفسه وبالدائرة التي ينتمي إليها.

دوائر متوازية في مدينة واحدة

تختار نمط الحياة الذي يناسبك، وتدور أنت ومجموعتك في فلك بعضكم بعضًا، في حين يدور الآخرون في أفلاك أخرى. ومن فوق عندما تنظر إلى برلين، ترى دوائر كثيرة بألوان مختلفة، تدور بجانب بعضها بعضًا من دون أن تتصادم، حتى لو تداخلت أحيانًا.

ولعل أجمل ما في الحرية ليس أن تجعل الآخرين يشبهونك، بل أن تستطيع أن تكون أنت، وأن تترك الآخر يكون هو. لك دائرتك، وله دائرته، وبين الدوائر قانون واحد يحمي الجميع، ويمنع الاعتداء على الآخر.

وأجمل ما في هذا المشهد كله ليس اختلاف الناس فقط، بل تلك اللامبالاة الإيجابية التي تسمح لكل شخص بأن يكون كما هو، من دون أن يشعر طول الوقت بأن العيون تراقبه وتنتظر منه أن يكون بالطريقة التي يريده الآخرون. أن تكون كما أنت، وأن يكون الآخر كما هو، وأن يمشي الاثنان في المدينة نفسها بسلام، من دون أن يحتاج أحدهما إلى تغيير الآخر.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة