حركة التعليم في عهد محمد علي وملامح تطوره

لبناء دوله حديثة اتجه محمد علي إلى مشروعات علمية بخبرات أوربية، لذلك كان أهم دعائم دولته العصرية، سياسته التعليمية والتثقيفية الحديثة، فسعى لإقامة إدارة فعالة ومزدهرة يدعمها ويحميها عن طريق إنشاء تعليم عصري يحل محل التعليم التقليدي.


لأن التعليم قبل محمد علي كان مقتصرا على الأزهر، الذي لم يقدم لطلابه سوى قشور العلوم، فتوقفت فيه حركة التأليف والإبداع، حيث يعتبر ظهور محمد على إيذانا بأفول ثلاثة قرون من الجهل والضعف والتخلف عاشتها مصر تحت حكم العثمانيين، وبزوغ نهضة جديدة أخرجت مصر من كبوتها دفعت بها إلى مستوى الدول القوية.وقد أرسى محمد على الأساس المتين لمصر الحديثة معتمدا على التعليم كنقطة بداية، فقبل حكم محمد علي كان التعليم بالأساس تعليما دينيا يقوم على تعليم مبادئ اللغة وحفظ القران الكريم في الكتاتيب الحرة، التي كانت بمثابة مؤسسات التعليم الأولى. وكان خريجو هذه الكتاتيب يتجهون إلى الحياة العلمية مباشرة، أو إلى استكمال دراستهم الدينية في الأزهر أو أحد المساجد الكبرى التي كانت تعد آنذاك بمثابة مؤسسات التعليم العالي. كما قسمت الدراسة بالأزهر إلى ثلاث مراحل، الأولى تمهيدية تحت إشراف صغار المدرسين والثانية متوسطة على يد أساتذة أكثر خبرة ومقدرة، والثالثة هي المرحلة النهائية التي يدرس فيها الطالب أمهات الكتب على يد كبار علماء الدين. وكان الانتقال من مرحلة إلى أخرى يعتمد على قدرة الطالب على الاستيعاب وهي القدرة التي يستأنسها الطالب في نفسه، أما الهدف النهائي لهذه الدراسة، فهو إعداد أئمة المساجد ورجال الفتوى والقضاء أو التدريس في الأزهر وغيره من المساجد ولم يكن ثمة شهادات رسمية من الدولة تشير إلى استكمال الطالب لدراسته، بل هناك إجازات يمنحها الشيخ لطلابه بعد امتحانهم فيما تلقوه من علوم، وذلك في أحد المجالات التالية:

الامالى أي ما يمليه الشيخ على طلابه، أو الكتب المعروفة التي يقرؤها الشيخ على طلابه ويقوم بشرحها، أو العلم الكامل في الحديث أو غيرها من العلوم ثم علوم النحو والصرف والتفسير، وتنوع الإيجازات التي تمنح للطلاب بين إجازة تدريس أو تجويد القران أو إجازات الصوفية المشفوعة بارتداء خرقة الصوفية. وقد انقسمت العلوم التي تدرس في الأزهر أو المساجد الكبرى إلى ثلاثة أقسام هي العلوم العقلية والدينية واللغوية، وقد استأثرت دراسات اللغة والدين بمعظم الوقت المخصص للدراسة، لدرجة أنه من النادر أن تجد بين علماء ذلك العصر شخصا له إلمام بالرياضيات أو الفلسفة أو الجغرافيا أو علوم الكمياء أو الطب وغيرها من العلوم العقلية... ففي معرض تناول الجبرتي للحياة الفكرية والدينية في مصر، تجده يتعرض لظاهرتين رئيسيتين: أولهما تدهور الحياة الفكرية بشقيها من العلوم الدينية والعلوم العقلية، أما الظاهرة الثانية فهي الانحرافات التي ظهرت في الحياة الدينية وممارسة العقيدة... كان استمرار هذا الوضع المتردي لأوضاع التعليم والحالة الفكرية والثقافية بشكل عام كفيلا بتقويض مشروع محمد على، الذي تشير بعض مأثوراته المشهورة والتي تحمل قدرا من المبالغة إلى أنه عندما تولى حكم مصر، لم يكن بها أكثر من مائتين يعرفون القراءة والكتابة، ولنقل عنه أيضا نيته في تعليم العباد لعمار البلاد..هي التي صنعت شكل التعليم المدني الحديث الذي عرفته مصر في تلك الحقبة حيث إن نظام التعليم الحديث لم يقم على قاعدة عامة، يستند إليها في هيكلة مؤسساته. وإنما بدأ محمد على هذا النظام التعليمي الحديث على نظرية الهرم المقلوب. فبدلا من أن يبدأ تعليمةبالمرحلة الأولية أو الابتدائية التي تمثل قاعدة التعليم بدأ بمرحلة الدراسة العالية ويتم توضيح ذلك من خلال مراحله التالية:

  • مرحلة الدراسة الأولية أو الابتدائية أو المبتديان كما كان يسميها وقد بدأت في الظهور بعد مرحلتين تعليميتين سبقتها إلى الوجود. وكانت بداية هذه المرحلة الاوليةسنة1833.
  • مرحلة أرقى من السابقة، كانت تسمى المرحلة التجهيزية(الثانوية)وقد بدأت قبل المرحلة الأولية بحوالي ثماني سنوات أي بدأت سنة1825، وبعد المرحلة الأعلى منها.
  • مرحلة الدراسة العالية وكانت المرحلة التي بدأ بها محمد على نظام التعليم الحديث في مصر سنة 1813بعد أن بدأت الدراسة العسكرية قبل ذلك بعامين سنة1811.

ولكن ربما يرجع السبب في هذه النشأة المعكوسة لنظام التعليم الحديث، إلى التطلع المتعجل لتحقيق الأحلام الإمبراطورية، إذ لم يكن في وسع محمد على أن يبدأ البداية الطبيعة بالتعليم الابتدائي ثم الثانوي فالعالي، لكي يؤتى ثماره المرجوة....وهذه البداية تعد نتيجة منطقية للسياسة العامة للدولة في ذلك الوقت، إذ إن البلاد كانت في مسيس الحاجة إلى الكثير من أعمال البناء والعمران، وهذا وغيره يتطلب المزيد من المهندسين. وتجلى الاهتمام بالعلوم الطبيعية والرياضية ليس فقط في المدارس العالية التي بدأ بها، وإنما أيضا في البعثات العلمية إلي ارويا، فقد كان التخصص الغالب فيها بعد العلوم العسكرية هو تلك العلوم الطبيعية والرياضية..وسنحاول هنا تتبع حركة التعليم وملامحه الرئيسية من خلال مساراته المقصودة في هذه الأدوار الأربعة، مع الاهتمام بإبراز دور المؤسسات التعليمية الثلاث كما نعرفها الآن.وليس كما بدأت في عهد محمد علي.

 

 

المرحلة الأولى في التعليم (المبتديان)

عندما تقدمت المدارس العليا واتسع نطاقها، قرر محمد على إنشاء ديوان المدارس 1937 لتنظيم التعليم بالمدارس، قرر هذا الديوان توسيع قاعدة التعليم في مصر، فوضع لائحة لنشر التعليم الابتدائي، وهو ما وافق عليه محمد علي، وأمر بإنشائها على أن يكون 4 منها بالقاهرة وواحدة بالإسكندرية تضم كل منها 200 تلميذ، والباقي توزع على مختلف الأقاليم.

أنشأ محمد على مكاتب تعليم المرحلة الأولى سنة 1833 وكانت الدعامة الأساسية التي قام عليها تنظيم التعليم الابتدائي في العصر الحديث.حيث يعتبر الغرض الرئيسي من إنشاء هذه المكاتب هو(تحضير التلاميذ وتهيئتهم للمدرسة التجهيزية، ونشر مبادئ العلوم للأهالي الطفل يلحق بهذه المدرسة وهو أمي لا يعرف القراءة والكتابة يتعلم من خلالها مبادئ الصرف والنحو والفروض الدينية مع العناية بحفظ القران الكريم بوجه خاص، كان يقضى بها ثلاث سنوات.

اهتمت الحكومة بانشاءها في عدد محدود من القرى بجانب البنادر والمدن ولم تتوسع في نشرها بالقرى الصغيرة.وجدت بجانب هذه المكاتب الأميرية الخاضعة للحكومة نوع آخر للتعليم الأولى لا يخضع لرقابة الحكومة، وهو التعليم القديم كان يقوم به الفقهاء في المساجد والكتاتيب والزوايا، والذي أهمله محمد علي ولم يمد له يد الإصلاح لذلك ساءت أحوال هذه الكتاتيب وأخذت في الاختفاء تدريجيا.

أنشئ محمد على من مكاتب المبتديان هذه 67 مكتبا من سنة 1833 إلى سنة 1836. ثم بدأ بإنشاء هذه المكاتب في القاهرة والإسكندرية سنة 1836، حيث كانت الحكومة في هاتين العاصمتين تكتفى بالمدارس القائمة فيها من قبل، مثل مدرسة القلعة ومدرسة القصر العيني والدرسخانة المليكة، والتي يلتحق بها صغار السن من التلاميذ لتجهيزهم للدراسات المقبلة في نفس المدارس.

كما أن معظم المدارس الابتدائية قد ألغيت في أواخر عهد محمد علي. وكان التعليم في المدارس كافة عالية وتجهيزية وابتدائية مجانا، والحكومة تنفق على التلاميذ من مسكن وغذاء وملبس، ولكن لم يكن الأهالي في بدء افتتاح المدارس راضين عن إدخال أبنائهم فيها، بل كانوا نافرين منها نفورهم من الجندية، فكانت الحكومة تدخلهم المدارس في غالب الأحيان بالقوة، ولكن ما لبث الأهلون أن رأوا ثمرات التعليم فكفوا عن المعارضة في تعليم أبنائهم في المدارس واقبلوا عليها.

ديوان المدارس

أنشئت المعاهد التعليمية الحديثة ومؤسساتها لتحقيق الأهداف العسكرية فقد خضعت لديوان الجهادية منذ إنشائها حتى سنة 1836، حيث كلف محمد على لجنة من خبراء التعليم بتنظيمها سنة 1836، وعرفت باسم لجنة شورى المدارس ولا يعنى ذلك انفصال التعليم عن ديوان الجهادية لان مهمة هذه اللجنة كانت استشارية فقط.

كان من الطبيعي أن يكون هناك كيان مؤسسي لإدارة المنظومة التعليمية والبحثية والبعثية، فبعد أن أنشأ محمد على المدارس العليا المتخصصة في جميع الأفرع العلمية المدنية والحربية، قام بأول وأكبر حركة بعوث في الشرق من مصر إلى أوروبا لنقل العلوم والفنون كانت الخطوة الحتمية لإنشاء ديوان ويكون أول كيان مؤسسي، يضم تلك المنظومة، ففي عام 1837م صدر قرار محمد على بإنشاء ديوان المدارس ليحل محل مجلس الشورى الذي كان موجودا من قبل..كان ذلك الديوان بمثابة أول وزارة للمعرف العمومية، أو أول وزارة للتربية والتعليم في مصر وأسند إدارة هذا الديوان إلى خريجي البعثات الأولى أولا المدارس العليا وتكون هذا الديوان من نخبة من العلماء المتخصصين برئاسة مصطفى بك مختار، وقد بدا المجلس إنجازاته بإنشاء وتنظيم التعليم الابتدائي في مصر وكان ذلك عام 1837م .

وضع الديوان لائحة كانت هي الأساس الذي قام عليه التعليم الابتدائي الحديث في مصر إلى سنة 1849ووفقا لهذه اللائحة أنشئت في القاهرة أربع مدارس  مبتديان استقلت عن المدارس التجهيزية  بالقعلة والقصر العيني والدرسخانة الملكية، وكانت هذه اللائحة تشترط أن الملتحقين بهذه المدارس تتراوح أعمارهم بين السابعة والثانية عشر، ونصت على تحديد مدة الدرسة فيها بثلاث سنوات، كما نظمت الشئون الفنية والإدارية والصحية بهذه المدارس.

وكان النظام يقضى بإنشاء خمسين مدرسة ابتدائي على مستوى القطر المصري منها 4 بالقاهرة وواحدة بالإسكندرية،وخمس وأربعون على مستوى البلاد، لنشر التعليم بين طبقات الأمة بجميع أطيافها ومستوياتها الاجتماعية، وقد قرر الديوان أن تكون كثافة المدارس بالقاهرة والإسكندرية 200 طالب وفي سائر أنحاء القطر المصري 100 طالب بالمدرسة الواحدة وكان التعليم مجانا في جميع مراحله، وكانت الحكومة تنفق على التلاميذ، وتوفر لهم الغذاء والكساء والمسكن، وكانت تنظم لهم الأرزاق والمرتبات، وقد بلغ عدد التلاميذ في أنحاء القطر المصري في عهد محمد على 900 طالب في جميع مراحل العملية التعليمية.

 

 

المرحلة المتوسطة في التعليم(التجهيزية)

أنشأت أولى المدارس التجهيزية(الثانوية) سنة 1825 ، كانت تستقبل طلاب المكاتب والأزهر وتقوم على تعليمهم وتربيتهم، حددت الدراسة بها بأربع سنوات دراسية ينتقلون بعدها إلى المدارس الخصوصية...وبذلك كانت تمثل المرحلة الثانية والوسطى من مراحل التعليم، كما أنها تمثل حلقة الوصل بين مكاتب المبتديان وبين المدارس العليا.

كان الغرض من المدارس التجهيزية واضح وهو إعداد التلاميذ للمدارس الخصوصية، فالمدرسة التجهيزية تتلقى تلاميذ المكاتب وتقوم على تربيتهم وتعليمهم أربع سنوات ثم تنقلهم بعدها للمدارس الخصوصية، وتتضح صعوبة مهمة هذه المدارس إذا لاحظنا أن تلاميذ المكاتب لم يصبوا من العلم إلا حفظ القران وقراءة بعض الكتب الأزهرية الأولية في النحو والصرف والدين وقواعد الحساب الأربع وخط الثلث. فهؤلاء التلاميذ ذو الثقافة الضعيفة كان يطلب من المدارس التجهيزية إعدادهم في أربع سنوات ليدرسوا فنون الحرب أو الطب أو الهندسة، أو ليتعمقوا في دراسة اللغات الشرقية والغربية ..فقد كان عليها أن تعد التلاميذ لحياة المدارس وتضخ عناية الحكومة كذلك بالتعليم التجهيزي من خلال العدد الضخم من الموظفين الذين نصت اللائحة على تعينهم بكل مدرسة من المدارس التجهيزية: إذ كان بكل منها مدير ووكيل وثلاثة من رؤساء الفرق واثنا عشر مدرسا للغات التركية والفارسية والعربية ومدرس للتاريخ وآخر للجغرافيا وثلاثة للرسم ومدرسان لخط الثلث وآخرون لخط الرقعة .هذه هي الهيئة الفنية بالمدرسةوهناك هيئة أخرى (طبية)..لهذا كلة سميت المدرسة التجهيزية بهذا الاسم تميزا لها عن مكاتب المبتديان..

قد مكن الحكومة من هذا الكرم الذي أولته للتعليم التجهيزي أنه كان منحصرا في مدرستين اثنتين: إحداهما بالقاهرة والأخرى بالإسكندرية، حيث رأت الحكومة أنهما تكفيان لإعداد التلاميذ للمدارس الخصوصية.وقد نصت اللائحة على أن يكون بالمدرسة التجهيزية بالقاهرة 1500 تلميذ، وتشمل المدرسة التجهيزية بالإسكندرية على 500تلميذ، يتم توزيعهم على أربعة فرق دراسية، ولا شك أن الحكومة قد راعت في تحديد العدد هذا العدد الكبير أن يتسع لخريجي مدارس المبتديان بالقاهرة والأقاليم

تم إنشاء مدرسة القصر العيني التجهيزية سنة1825، مثل المدارس الحربية ومدرسة الطب ومدرسة الهندسة...كانت تجمع بين التعليمين المدني والعسكري ، حيث كانت اللغة الأولى فيها التركية بالإضافة للعديد من اللغات.

ضمت التجهيزية إلى مدرسة الألسن في سنة1841 وقررت تدريس اللغة الفرنسي بها لأول مرة، تم إلغاء هذه المدرسة في نفس السنة بموجب تنظيم التعليم سنة1841 ثم أعيدت في نفس العام، وتنقلت من أبى زعبل والأزبكية، إلى أن التحقت بمدرسة المهندس خانة ببولاق.

أما المدرسة التجهيزية بالإسكندرية فقد أنشئت سنة 1836/1837، واتخذت المدرسة البحرية نواه لها حيث إنها ضمت الابتدائية والتجهيزية معا، وضمت ست فرق دراسية، ثلاث منها ابتدائي وثلاث للدراسة التجهيزية.

أنشئ المكتب العالي بالخانكة، ليقوم بدور المدرستين الابتدائية والتجهيزية بلاضافة للمدرستين التجهيزيتين بالقاهرة ولإسكندرية للالتحاق بالخصوصية.حيث كانت الدراسة بهذا المكتب مخصصة لمماليك الباشا وأنجال الأمراء واليتامى الذين يحظون بعطفه، كانت مدة الدراسة حمس سنوات سنتان منها ابتدائي وثلاث سنوات تجهيزي

لذا نجد أن هذه المرحلة لم تلق ملاقيته المدرسة الابتدائية من انتشار عند إنشائها كما لم تحظ بالعناية التي حظيت بها المدارس الخصوصية.

المرحلة الخصوصية في التعليم(العالية)

حين بدأ محمد علي نظامه التعليمي كان يضع نصب عينية تكوين إمبراطورية قوية. حيث كان تكوين الجيش العامل الأساسي لتحقيق هذا الحلم حيث أصبح أحد العوامل فيبث الاتجاه نحو العناية بالتعليم نفسه..ولم يكن الهدف هو تعليم الشعب ولا خلق جيل واع، وإنما كان الاستجابة العاجلة لمطالب الجيش.حيث كان اهتمام الوالي كله موجهةإلى المرحلة العليا من التعليم الذي يخدم أغراضه بصورة مباشرة..كما ارتبط تأسيس هذه المدارس بنمو مشروعة وتطوره وتزايد احتياجه للخبراء والفنيين من جهة.حيث إنه بدأ في إنشاء المدارس الخصوصية بعد سنوات قليلة من مذبحة القلعة، ففي 1811 جمع أبناء وغلمان وصغار المماليك في مدرسة بالقلعة.. ورتب لهم دروسا في اللغات التركية-والعربية والفنون الحربية والرسم والرياضة واللغة الاطالية.

تابع في إنشاء المدارس الخصوصية منذ1816 تقريبا حيث أنشئت المدرسة الحربية في أسوان لكبار تلاميذ القلعة وأبناء وغلمان الوالي ، حيث تعلم التلاميذ فيها الفنون الحربية على أيدي المدرسين الأوربيين.ثم أنشئت الدرسخانة الملكية لإعداد موظفي دواوين الحكومة.ثم أنشئت مدرسة الإدارة الملكية لتخريج الموظفين والمترجمين ليقوموا بترجمة الكتب التي تحتاج إليها الحكومة إلى اللغة التركية والعربية.ثم توالى إنشاء مدارس الطب البشري والبيطري والزراعة والهندسخانة والألسن والبحرية.

في بداية تأسيسه لهذه المدارس العليا استعان محمد علي بالعديد من الخبراء الأجانب، وهو ما شكل وسيلة سريعة للحصول على الخبرة والمعرفة اللازمة لإقامة مشروع الدولة الحديثة، لحين إعداد الكوادر المحلية التي تحل محل أولئك الأجانب في النهاية. وتعد جهود جماعة العلماء والخبراء التي احتضنت فكر سان سيمون مؤسس الاشتراكية الفرنسية من أبرز الإسهامات في هذا المجال .ومع عودة رفاعة الطهطاوي من بعثته التعليمية في فرنسا أسند إليه محمد على تأسيس مدرسة الألسن عام 1836 بالأزبكية، حيث تولى نظارتها

وبعد ذلك أنشئت مدارس خاصة بالجيش كمدارس أركان حرب والمشاة والفرسان والمدفعية وكلها أنشئت قبل تنظيم المدارس سنة1836/1837 والعمليات( الفنون والصناعي)سنة 1839، ومدرسة القانون الإداري سنة 1840، هذا بالإضافة إلى مدرسة الصيدلة والطب.وقفى حين تأثرت المدارس الخصوصية بحركة الانكماش التي تعرض لها التعليم سنة1841، حيث لم يبق حاجة إلى الجيش الجرار بعد معاهدة لندن 1840/1841ولا حاجة لما يتبع هذا الجيش من مظاهر النشاط الاقتصادي والإداري والتعليمي.حيثأغلقت أبواب المصانع والترسانات البحرية، وسرح الكثيرون من ضباط الجيش.

انتشار التعليم الأجنبي في مصر

شهدت البلاد في عهد محمد على بداية حقيقية لانتشار المدارس الأجنبية لاستعانته بعدد كبير من الأجانب في بناء دولته الحديثة.

كانت الجاليات الأرمنية من أهم الجاليات الأجنبية أثرا في التعليم الأجنبي ، وذلك للعدد الكبير الذي استعان به محمد علي في التحديث، وقد إنشات هذه الجالية أول مدرسة لها في مصر سنة 1828، وذلك للمكانة الخاصة التي تمتع بها هؤلاء في عهده حيث تبوأ عدد من أفرادها مناصب كبيرة في الدولة .

وتبع الأرمن الإيطاليون في فتح مدرسة لهم في الموسكي سنة1829،كانت تعلم اللغة العربية والفرنسيّة إلى جانب الإيطالية بالطبع.

بدأت الجالية اليونانية سنة1825 في حي الحمزاوي بالموسكي، إلا أنها أغلقت أبوابها في نفس السنة، ثم أعيد فتحها سنة 1843.

إنشات الجالية الفرنسية أيضا، فكانت مدرسة الراعي الصالح بالموسكي سنة 1846، ثم مدرسة الفرنسيّة 1847، كانت الفرير قبل ذلك بالاشتراك مع الآباء العذريين سنة 1840.

كان المعظم من هذه المدارس ملحقة بكنائس الجاليات الأجنبية، يقوم رجال الدين بالتدريس فيها لأطفال الجاليات ولمن يرغب من أبناء البلاد ، ومن هنا بدأ في مصر ما يسمى بالمدارس الأجنبية.

البعثات العلمية

كما اهتم محمد علي بإيفاد البعثات العلمية إلى أوروبا ليتموا دراستهم في المعاهد العلمية،فهو لم يكتف بان يؤسس المدارس والمعاهد العلمية بمصر ليتلقى فيها المصريون العلوم التي تنهض بالمجتمع المصري، بل زعم إلى أن ينقل إلى مصر معارف أوربا وخبرة علمائها ومهندسيها ورجال الحرب والصنائع والفنون.

وتعتبر من أولى البعثات التي أرسلها محمد على لأوروبا كانت لإيطاليا في الفترة ما بين 1809الى 1818، ثم تلتها البعثة الكبرى لفرنسا عام 1826والتى تكونت من 44 طالب، وقد أرسل بعثة ثالثة بين عامى1828و1836الى فرنسا وإنجلترا ضمت108 طالب، كما تم إرسال بعثة رابعة إلى إنجلترا بين عامي 1837و1843، وكانت آخر بعثة أرسلها محمد علي هي في فترة ما بين 1844و1849، وكانت وجهتها إلى فرنسا والنمسا وإنجلترا، وسميت ببعثة الأنجال ضمت 112طالبا كان منهم بعض من أبناء وأحفاد محمد علي.

حركة الترجمة

كان يتجه محمد علي في سياسته الإصلاحية إلى النقل عن الغرب ولهذا يمكن أن نقول إن الغرض الأول والأساسي للترجمة في ذلك العصر.لذا يمكن القول إن عصر محمد علي من جهة النهضة العلمية كان عصر ترجمة وتعريب.

حيث كان يرى أن كل ما هو مفيد من النظم الغربية قد كتبه أصحابها بلغتهم، فإذا ترجم هذه الكتب استطاع أن يقف على علوم الغرب وآدابه وطرائفه في معالجة الشئون الحربية والزراعية والصناعية والعمرانية، ولت يتم ذلك إلا إذا نقل إلى التركية أو العربية..عمد إلى إعداد مترجمين مصريين، ليصبوا من اللغات الشرقية والغربيةحظا يمكنهم من ترجمة المؤلفات الأوربية، كانت بداية هذا البعثات طلاب البعثات الذين تبعثهم للتعلم في أوروبا.

فقرت الدولة فتح مدرسة، تنقل منهجا عن مدرسة مماثلة في الخارج، وتكلف المترجمين بترجمتها لتكون في أيدي الطلاب،كانت خطوة أولى لإنشاء مدرسة، وهكذا أنشئت حركة الترجمة هدفها الأول ترجمة الكتب المدرسية.

بسبب الاحتياج الشديد لعدد من المترجمين يفوق قدرة البلاد على انبعاثهم إلى الخارج، تم فتح مدرسة لتحقيق اكتفاء البلاد من فئة العلماء ليضعوا بمهمة التعريب الكتب الأجنبية وخاصة الفرنسية، وليكونوا حلقة اتصال بين الثقافتين الشرقية والغربية،اقترح رفاعة الطهطاوي إلى الباشا بإنشاء مدرسة الألسن التي عرفت عند إنشائها بمدرسة الترجمة في سنة1835، درست فيها آداب اللغة العربية واللغات الأجنبية الفرنسية والإيطالية والفرنسية بالإضافة إلى اللغات الشرقية غير العربية كالفارسية والتركية، وكذلك علوم لتاريخ والشريعة الإسلامية والشرائع...كان رفاعة هو أول ناظر عند إنشائها وهو المشرف على قلم الترجمة الذي ألحق بها سنة1841 وقام بتعريب الكثير من الكتب.

أنشأ الوالي مطابع بولاق سنة 1822 حيث كان لها الفضل الأكبر في نشر العلوم والمعارف المختلفة، حيث كان يقوم بتصحيح مطبوعاتها لغويا طائفة من العلماء.

المراجع:

يونان لبيب- محسن يوسف: مرجع سابق، ص75-76-77-79

محمود ابو النور: تاريخ ونظام التعليم في مصر، د.ن، القاهرة، 2020،ص43-44

نشات الديهى: محمد علي باشا (تاجر التيغعلى عرش مصر)،مركز المحروسة للنشر والخدمات الصحيفة والمعلومات،2016،ص84-85 

هبة عبدالوارث الاصبجى:كيف بدأ التعليم وكيف تطور، دن، الرياض، 2017،ص13

احمد عزت عبدالكريم: تاريخ التعليم في عصر محمد علي، مصر، مكتبة النهضة المصرية، 1938، ص225-226-227

محمود ابو النور: تاريخ ونظام التعليم في مصر، د.ن، القاهرة، 2020،ص46-47-48-49-50

يونان لبيب- محسن يوسف: تحديث مصر في عصر محمد علي، الاسكندرية، د.ن، 2005،ص80

محمود ابو النور: تاريخ ونظام التعليم في مصر، د.ن، القاهرة، 2020،ص49-50-51-52

على المحافظة: الاتجاهات الفكرية عند العرب عصر النهضة (1798-1914)، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1987،ص205

هبة عبد الوارث الاصبحي: كيف بدأ التعليم وكيف تطور،د.ن، الرياض، 2017،ص15

محمود ابو النور: تاريخ ونظام التعليم في مصر، د.ن، القاهرة، 2020،ص53-54-55

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب