يُعد حرق الجثث بديلًا جنائزيًا تتصدره اليابان بنسبة 99.97%، وتتنوع دوافعه بين التحرير الروحي في دول الشرق، والتدوير البيئي والاقتصادي في دول الغرب.
في العالم العربي ينظر إلى الموت أنه وداع تام لحياة الإنسان فيكون أفضل تكريم للجسد هو دفنه في التراب بعد الوفاة، لكن تختلف قدسية الدفن في بعض المجتمعات الغربية لتتحول هذه اللحظة إلى إجراء لا يستطيع أحد الهروب منه، فتوضع الجثث خلف أبواب المحارق، ويتعاملون معها أنها مادة انتهت صلاحيتها إلى أن تصبح رمادًا.
هذه الثقافة قد تصيبنا بالذهول، ولكن ليس السبب في المساحات الضيقة في المقابر المكتظة أو الفرار من تكلفة الدفن التي تستنزف ميزانية العائلات، الثقافة هنا أعمق وأكثر غرابة؛ فيرى كثيرون أن الجسد بعد خروج الروح ليس إلا صدفة بلا فائدة أو زي قديم تخلى عنه صاحبه ولم يعد بحاجة إليه مرة أخرى.
ما هو حرق الجثث بعد الموت؟ وهل يتألم الراحلون؟
قبل الإبحار في فلسفة هذه الثقافات، نوضح أن حرق الجثث (أو الترميد) هو عملية التخلص من رفات المتوفى عبر تعريض الجثة لدرجات حرارة شديدة الارتفاع لتحويلها إلى رماد نوعًا من المراسم الجنائزية البديلة للدفن التقليدي.
لكن هل يشعر الميت بالحرق؟
عمليًا وعلميًا، لا يشعر الميت بأي ألم أو حرارة في أثناء الحرق؛ لأن وظائف الجسم الحيوية والنشاط العصبي تتوقف تمامًا بالوفاة.
مراسم الوداع الأخير وكواليس غرف الاحتراق
لا يُغسَّل أو يكفَّن الميت ولا توجد مراسم الوداع الجماعية الموجودة في العالم العربي، بل يوضع الجسد في تابوت خشبي، ويُدفع داخل فرنٍ صناعي ضخم شديد الحرارة قد تصل 1100 درجة مئوية! هذه الحرارة الهائلة تأكل الجلد والأعضاء فلا يتبقى منها شيء بل تتبخر وتتحول إلى غازات.
لا يوجد أي شيء منها في النهاية غير العظام الصلبة، وتوضع في آلة طحن متطورة لتتحول إلى مسحوق رمادي ناعم، هذا المسحوق هو كل ما تبقى من قصة حياة كاملة، يعبأ في جَرّة ويأخذه أهل الميت فتتحول الذكرى إلى مادة يمكن استخدامها، وهو الشيء الأكثر صدمة في ثقافة الغرب الحديثة.
ويبدأ التحضير بوضع الجثة داخل نعش خشبي قابل للاحتراق، وتستغرق العملية داخل الفرن من ساعتين إلى ثلاث ساعات لتتبخر الأنسجة تمامًا.
ما هو رماد الجثث؟ وما طبيعة هذا الرماد؟
رماد الجثث بعد حرقها يمثل البقايا المعدنية الصلبة المطحونة، ليصبح رماد المتوفى هو الخلاصة المادية لكل ما كان عليه الإنسان في دنياه، ثم يُسلَّم الوعاء في النهاية لعائلته.

ما هي الشعوب التي تحرق موتاها؟ جولة بين القوانين والجغرافيا
إذا تساءلنا ما هي الدول التي تحرق موتاها؟ سنجد خريطة واسعة ترتبط بمعتقدات دينية أو قوانين بيئية وثقافية.
تتصدر اليابان دول العالم في هذه الممارسة بنسبة تقارب 99.97%، تليها دول آسيوية وأوروبية مثل كوريا الجنوبية التي تتراوح فيها النسبة بين 80% إلى 99%، وبوتان، وكمبوديا. وتتجاوز النسبة 80% في سويسرا والدنمارك وألمانيا، وتشهد الولايات المتحدة تزايدًا كبيرًا في هذا الإقبال.
وينفرد حرق الموتى في اليابان بخصوصية شديدة؛ حيث يُحرق ما يقارب 100% من الجثث بسبب تعاليم الديانة البوذية ومحدودية مساحات المقابر. ويخضع الجثمان هناك لعمليات تجميل دقيقة قبل وضعه في التابوت، ويشترط القانون مرور 24 ساعة على الوفاة قبل الحرق.
وبعدها تشارك العائلة في مراسم «كوتسواج» (Kotsuage)، فتستخدم عيدان طعام خاصة لنقل العظام المتبقية وجمعها داخل جرة. وتخلق هذه القوانين الصارمة تحديات بالغة للأقليات، فيواجه المسلمون البالغ عددهم نحو 230 ألف شخص أزمة حقيقية في ندرة المقابر المتاحة للدفن وفقًا للشريعة الإسلامية (نحو 10 مقابر فقط في كل البلاد).
أما تجربة حرق الموتى في بريطانيا فهي الخيار الأبرز والأكثر شيوعًا بنسبة تتجاوز 73% من إجمالي الوفيات، وتُنظم العملية جمعية حرق الجثث في بريطانيا العظمى بالتعاون مع دور الجنازة (شركاء الجنازات)، وتتم داخل غرف احتراق مخصصة لجثة واحدة، وهو إجراء بدأ قانونيًا منذ عام 1884 بعد تأسيس محارق تاريخية مثل «غولدرز غرين» في لندن.
حرق الموتى عند الهندوس: عقيدة العبور إلى الفضاء الأرحب
بالانتقال من الغرب إلى الشرق، نجد فكرًا مغايرًا تمامًا؛ حيث تُعرف مراسم الجنازة باسم «أنتييستي» (Antyesti). ويعود سبب حرق الجثث عند الهندوس إلى إيمانهم بأن النار هي العنصر المطهر والوسيلة الأسرع لتحرير الروح من الجسد المادي وإعادتها إلى عناصر الطبيعة الخمسة (الأرض، الماء، النار، الهواء، الفضاء)، وقطع صلاتها بالأرض لتجنب التعلق بالدنيا.
لذلك، فإن حرق موتى الهندوس في الهند وحرق الموتى في نيبال يُمارس علنًا في الهواء الطلق على ضفاف الأنهار المقدسة مثل نهر الغانج لتطهير الروح وتحقيق «الموكشا» التحرر النهائي من دائرة الولادة والتناسخ المرتبط بالكارما.
ويمثل طقس «أنتيم سانسكار» السر الأخير الإلزامي، لأنه يث يُغسَّل الجسد ويُلف بقماش أبيض ويُوضع على محرقة خشبية يشعلها أكبر الذكور في الأسرة. ويقصد كثيرون مدنًا مقدسة مثل «فاراناسي» لإتمام المراسم. ويُستثنى من الحرق الأطفال الصغار والنساء الحوامل ومن ماتوا بلذغات الأفاعي؛ فيُدفنون أو يُلقون في النهر مباشرة.
كيف يتم استخدام رماد الجثث المحروقة؟
إن تحوُّل الذكرى إلى مادة يمكن استخدامها هو الشيء الأكثر صدمة في ثقافة الغرب الحديثة، وتتنوع طرق استخدام رماد الميت على النحو التالي:
- الجواهر التذكارية: توجد شركات متخصصة تأخذ جزءًا من الرماد وتضعه تحت ضغط هائل وحرارة فائقين ليكون ألماسًا صناعيًا ويتحول للأسف الشديد إلى حجر كريم يرتديه أهل المتوفى في خواتم كأنه جزء خالد منهم فيُستخلص الكربون لصنع هذا الألماس التذكاري.
- أحجار الشعاب المرجانية: في المناطق الساحلية يُخلط الرماد بأسمنت خاص آمن بيئيًا ليمثل كرات صخرية تُرمى في قاع البحر وتصبح مكانًا تنمو عليه الشعاب المرجانية ولدعم الحياة البحرية.
- إعادة التدوير الحيوي: قد يفضل كثيرون نثر الرماد في غابات مخصصة حيث تُزرع شجرة فوق موقع النثر فيمتص الشجر عناصر الرماد ليصبح المتوفى شجرة حية وكأنه جزء من الطبيعة باستخدام الجرار البيئية القابلة للتحلل.
- تدفئة المنازل: بعض مدن أوروبا تعاني البرد القارس فتستخدم الحرارة الناتجة عن حرق الجثث لتدفئة البيوت؛ فتنبعث في وصلات خاصة تحت المنازل وتستخدم بغرض التدفئة.
- الطرق التقليدية والحديثة الأخرى: يبرز طقس روحي رئيس وهو نثر رماد الميت في الهند في الأنهار المقدسة، في حين يحفظه الغربيون أحيانًا في جرة تذكارية (Urn) بالمنزل، أو يدمجونه مع الألعاب النارية، أو يضغطونه داخل أقراص الموسيقى (الفينيل)، أو يخلطونه بحبر الوشم لرسم أوشام تذكارية.

الشريعة الإسلامية وخاتمة المطاف
أما من المنظور الديني والقانوني في عالمنا العربي، فإن الشريعة الإسلامية تحرم حرق جثث الموتى تحريمًا قاطعًا؛ لأن إكرام الميت يكون بتغسيله وتكفينه ودفنه في التراب، فللميت حرمة كحرمة الحي تمامًا، وفي حال تفحم جثة بحادث فإن رمادها يُجمع ويُدفن إجلالًا لها، ولا تسمح القوانين العربية بهذه الممارسات إلا لرعايا بعض الدول الأجنبية وفق ترتيبات خاصة.
المدهش أننا نرى في القبر مكانًا للزيارة، هل هو برودٌ إنساني يصعب علينا نحن البشر تحمله أو تقبله أم أنها ثقافة شعوب؟
على كل حال يظل الموت الحقيقة الوحيدة التي لا تختلف باختلاف العادات.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.