تُعد حرب المئة عام واحدة من أطول الصراعات في تاريخ أوروبا، فقد امتدت على نحو متقطع أكثر من 116 عامًا، تحديدًا من عام 1337 إلى 1453، لم تكن هذه الحرب سلسلة من المعارك العسكرية بين إنجلترا وفرنسا فحسب، بل كانت محركًا أساسيًّا للتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في القارة الأوروبية خلال العصور الوسطى.
كانت حرب 100 عام سلسلة من الصراعات الوحشية التي امتدت عبر أجيال، ورسمت بالدم والحديد ملامح الهوية الوطنية لكل من إنجلترا وفرنسا، بدأت بنزاع إقطاعي على وراثة العرش الفرنسي، لكنها سرعان ما تحولت إلى صراع وجودي كوَّن مفهوم الأمة وأنهى أحلام الملوك الإنجليز في حكم القارة الأوروبية.
في هذا المقال سنتناول القصة الكاملة لحرب المئة عام وشخصياتها الخالدة، مستعرضين أسباب حرب 100 عام المعقدة، وأبرز أحداثها ومعاركها الحاسمة، وصولًا إلى نتائج حرب المئة عام التي كوَّنت مستقبل إنجلترا وفرسنا وأوروبا بأسرها.
ربما لم يعرف التاريخ الحديث معركة أطول من معركة المئة عام التي دارت بين إنجلترا وفرنسا على مدى 116 عامًا في القرنين الرابع عشر والخامس عشر التي شهدت تعاقب 5 ملوك على حكم إنجلترا و5 ملوك على حكم فرنسا، وكثيرًا من التغيرات الكبيرة التي شهدتها القارة العجوز بسبب تلك الحرب.
وعلى الرغم من أن الحرب استمرت أكثر من 100 عام، فإن المؤرخ الفرنسي المعروف (فيليب كونتامين) عندما أطلق عليها اسم حرب المئة عام في كتابه الذي صدر عام 1823، فأصبح لقبًا أو اسمًا رسميًّا للحرب واستخدمه الكتاب والمؤرخون بعد ذلك، حتى إن الكتب المدرسية التي صدرت في فرنسا في منتصف القرن التاسع عشر قد استخدمت مصطلح حرب المئة عام.
أسباب حرب المئة عام
ربما كانت أسباب حرب 100 عام كثيرة ومتداخلة إلى حد التعقيد، لكن أسباب الحرب يمكن إجمالها في بعدين أساسيين، وهما البعد الاقتصادي والبعد السياسي، فقد كانت قارة أوروبا تمر بمرحلة طويلة من التدهور الاقتصادي والكساد التجاري في العصور الوسطى، إضافة إلى الصراعات الدائرة بين العائلات الإقطاعية في فرنسا وبريطانيا من أجل السيطرة على منطقة (بوردو) والتي كانت تعرف في وقتها باسم (جوين).
ومن بين الصراعات السياسية، يبرز الصراع المحتدم على كرسي العرش في فرنسا منذ عام 1328، بعد وفاة الملك تشارلز الرابع بسبب عدم وجود ولي للعهد، فلم يكن للملك أبناء من الذكور، ثم إن ملك بريطانيا في ذلك الوقت، إدوارد الثالث، هو ابن إيزابيلا، شقيقة الملك المتوفى تشارلز الرابع، وعلى هذا عَدَّ إدوارد الثالث نفسه وليًّا على عرش فرنسا.

وبذلك نشأ صراع على حكم فرنسا، فرفض الفرنسيون الخضوع لحكم الملكة إيزابيلا ومعها زوجها (روجر مارتيمر) حتى لا يتولى ابنها إدوارد الثالث عرش فرنسا بعد ذلك، وهو ما أدى في النهاية إلى تنصيب فيليب السادس ملكًا على فرنسا، وبذلك استشاط إدوارد الثالث غضبًا وقرر التدخل لاسترداد عرش فرنسا بالقوة.
بداية حرب المئة عام.. مقاطعة جاسكوني الصدام الأول
توجد كثير من الدلائل التي توحي باقتراب نشوب الحرب بين إنجلترا وفرنسا، لكن شرارة الحرب اندلعت على إثر خلافات قوية على مقاطعة (جاسكوني)، وهي مقاطعة فرنسية تضم عددًا من الممتلكات الإنجليزية الإقطاعية، إضافة إلى كونها تتبع إنجلترا في كثير من المعاهدات والعلاقات الاقتصادية والتجارية، وهو ما جعلها نقطة ساخنة للصراع بين إنجلترا وفرنسا على مدار سنوات طويلة، وبذلك كانت مقاطعة جاسكوني هي الفتيل الذي أشعل الحرب التي استمرت أكثر من 116 عامًا.
المرحلة الإدواردية (1337-1360).. تفوق الإنجليز
في 25 مايو عام 1337، بدأت الحرب عسكريًّا باحتلال فرنسا مقاطعة جاسكوني، وهو ما أدى إلى الرد العنيف من إنجلترا التي شنت غارات قوية على السواحل الفرنسية، وهو ما استدعى اصطدام الأسطولين الإنجليزي والفرنسي، فكانت المعارك البحرية التي استطاع الأسطول الإنجليزي حسمها في جزيرة كاتزاند، ثم استطاع بعد ذلك تدمير الأسطول الفرنسي في معركة أخرى تسمى سلويز البحرية، وهو ما مكنه من السيطرة على القنال الإنجليزي.
لم يكن انتصار الأسطول الإنجليزي انتصارًا في المعركة الأولى بين البلدين فحسب، وإنما كان سببًا في سيطرة إنجلترا على الممر المائي الذي يربط بين البلدين، إضافة إلى منح الجيش الإنجليزي فرصة للنزول على السواحل الفرنسية ومهاجمتها دون أي عقبات، وهو ما حدث فعلًا، حين أمر الملك إدوارد الثالث ملك إنجلترا قواته أن تهاجم أعماق الأراضي الفرنسية عام 1346 التي وصلت في زحفها إلى نهر السوم، وهو المكان الذي ترابط فيه قوات الملك فيليب السادس ملك فرنسا.

أهم أحداث ومعارك حرب المئة عام
من الجدير بالذكر أن حرب المئة عام لم تكن حربًا متصلة على مدار 116 عامًا، وإنما تخللها كثير من أوقات الهدنة والراحة والسكون، وذلك لأسباب مختلفة، منها ما هو سياسي ومنها ما هو اقتصادي، ومنها ما هو خارج عن إرادة الدولتين مثل الأمراض والأوبئة، وقد شهدت حرب 100 عام عددًا من المعارك والأحداث المهمة، ومن أهمها ما يلي:
معركة كريسي
تعد معركة كريسي البرية من أوائل المعارك التي التقى فيها الجيشان الفرنسي والإنجليزي عام 1346، وانتصر فيها الجيش الإنجليزي واحتل ميناء (كاليه) عام 1347، وكان من نتائج هذه المعركة فرار الملك فيليب السادس إلى اسكتلندا للحصول على دعم وإمدادات، كما طلب الملك فيليب من ملك اسكتلندا إرسال جزء من جيشه إلى الأراضي البريطانية للتسبب في حالة من الذعر، بغرض تشتيت انتباه الجيش الإنجليزي وإعطاء بعض الفرصة للقوات الفرنسية.
وفعلًا أرسل ملك اسكتلندا بإرسال بعض جيوشه إلى الأراضي البريطانية، لكن الجيش البريطاني حقق انتصارًا كبيرًا على الجيش الاسكتلندي في معركة (الصليب نيفيه) عام 1346 التي أدت إلى أسر ملك اسكتلندا ديفيد الثاني، كما تفرغت بريطانيا بعد هذه المعركة لمواجهة الفرنسيين مرة أخرى.
معركة بواتييه
في عام 1356 ظهرت معركة كبيرة أخرى ضمن أحداث حرب المئة عام بين إنجلترا وفرنسا، وكان (الأمير الأسود) ابن الملك إدوارد الثالث هو من يقود القوات البريطانية داخل الأراضي الفرنسية، وكان هذا اللقب الذي اكتسبه بعد تغلبه على وباء الطاعون الذي انتشر في ذلك الوقت في كل أنحاء بريطانيا.
واستطاع الأمير الأسود أن ينتصر في معركة بواتييه على القوات الفرنسية، بل وأكثر من ذلك استطاع أن يأسر ملك فرنسا جون الثاني، وبعد المعركة نصب الأمير شارل ملكًا على فرنسا قبل أن يعود جون الثاني للحكم مرة أخرى عام 1360.
معاهدة بريتاني
في عام 1360، كانت هناك معركة أخرى بين القوات البريطانية والفرنسية، لكن هذه المرة استطاعت القوات الفرنسية أن تكبد الجيش البريطاني خسائر كبيرة، واستطاعت أيضًا وقف الزحف البريطاني نحو باريس، وكان الجو القارس عاملًا مساعدًا للقوات الفرنسية.
ومن نتائج ذلك الانتصار أن الملك إدوارد الثالث ملك بريطانيا ذهب إلى الملك جون الثاني ملك فرنسا ووقع معه (معاهدة بريتاني) التي أُطلق عليها أيضًا (معاهدة كاليه)، وهو اسم المدينة التي شهدت توقيع المعاهدة.
اعترفت فرنسا في المعاهدة بسيطرة بريطانيا على عدة مدن فرنسية، واعترف الملك إدوارد الثالث بالتخلي عن عرش فرنسا، إضافة إلى تخليه عن بعض المدن مثل ماين وتورين ونورماندي.

تضمنت بنود المعاهدة دفع فرنسا مبلغ 3 ملايين جنيه ذهبي لبريطانيا، وذلك فدية لإطلاق سراح الملك جون الثاني، لكن البند الغريب في المعاهدة هو تسليم ابني الملك الإنجليزي وشقيقيه مع 37 أميرًا فرنسيًا، إضافة إلى اثنين من مواطني كل مدينة فرنسية إلى بريطانيا، وهو ما يعد ثمنًا باهظًا للسلام الذي عاشته فرنسا مع إنجلترا منذ عام 1360 حتى عام 1369.
الصحوة الفرنسية.. المرحلة الكارولينية (1369-1389) والعودة إلى الحرب
في عام 1369 انتهت الهدنة بين البلدين وذلك بعد رفض الأمراء الفرنسيين دفع الضرائب المقررة في المعاهدة، وهو ما جعل الأمير إدوارد ابن الملك إدوارد الثالث ملك إنجلترا يغزو بعض الأراضي الفرنسية مع موافقة والده على ذلك الهجوم.
ومن ناحيته، صادر الملك شارل الخامس، ملك فرنسا، الأراضي والأملاك البريطانية في البلاد، لتندلع الحرب مرة أخرى في عدة مدن فرنسية، لكن الجيش الفرنسي أبلى بلاءً حسنًا وكبد القوات البريطانية خسائر كبيرة، ما دفع القوات البريطانية للانسحاب.
معاهدة لولينجين
في السبعينيات من القرن الرابع عشر كانت الأوضاع في بريطانيا تتجه للأسوأ في ما يخص العمال والفلاحين، الذين ثاروا على الأوضاع والضرائب العالية التي فرضت عليهم من أجل تمويل الحرب مع فرنسا، وهو ما جعل الأمراء يطلبون من الملك التوقف عن الحملات العسكرية على فرنسا لتبدأ مفاوضات بين البلدين عام 1380.
وفعلًا انتهى الأمر بتوقيع معاهدة لولينجين عام 1389 التي نصت على إيقاف الحرب مدة 3 سنوات، مع إمكانية تمديدها مددًا أخرى، وهو ما استمر حتى عام 1413 نظرًا لوجود كثير من التغيرات والتحولات السياسية والثورات الأهلية في كلا البلدين.
معاهدة تروي
في عام 1415، عادت حرب المئة عام لتشهد الأعمال العسكرية بين البلدين، وعُرفت هذه المرحلة باسم (الحرب اللانكسترية) نسبةً إلى الأسرة الحاكمة في إنجلترا، آل لانكستر، فزحف الملك هنري الخامس، ملك إنجلترا إلى الأراضي الفرنسية مرةً أخرى، واستطاع تحقيق انتصارات عدة وسيطر على عدد من الأراضي، وأسر كثيرًا من القادة الفرنسيين.
وبعد معارك عدة على مدار سنوات عدة، استطاع الملك هنري الخامس احتلال نورماندي، وهو ما جعل شارل السادس، ملك فرنسا، يقبل بتوقيع معاهدة جديدة مع الجانب الإنجليزي التي عرفت باسم (معاهدة تروي) عام 1420، وتضمنت زواج هنري الخامس من كاثرين ابنة شارل السادس، وتضمنت المعاهدة أن يرث الأبناء من هذا الزواج عرش فرنسا بعد شارل السادس.
وسادت حالة كبيرة من الغضب والسخط من بنود المعاهدة بين أفراد الشعب الفرنسي، حتى إن بعض المعارضين الرافضين لبنود المعاهدة قد استمروا في الحرب مع إنجلترا حتى وفاة هنري الخامس عام 1422 الذي خلفه ابنه الرضيع الذي حكم البلاد باسم هنري السادس، ثم توفي شارل السادس ملك فرنسا بعد شهرين فقط ليتولى شارل السابع حكم البلاد.
جان دارك والانتصارات الفرنسية المتتالية
لا يمكن الحديث عن حرب المئة عام دون ذكر (جان دارك) المقاتلة الفرنسية الرائعة التي لقبها الشعب الفرنسي باسم (عذراء أورليان)، فاستطاعت أن تغير كثيرًا من موازين الحرب بين إنجلترا وفرنسا، فحققت فرنسا انتصارات عدة متتالية منذ عام 1429 في (معركة باتي) حتى عام 1431، عندما قُبض على جان دارك في معركة (كومبيين) ونقلت إلى إنجلترا واتهموها بالسحر، وحكم عليها بالإعدام الذي نُفذ عام 1437.

وفي أربعينات القرن الخامس عشر، دارت عدد من الحروب والحملات العسكرية الصغيرة، واستطاعت فرنسا تحقيق بعض الانتصارات واستعادة بعض المقاطعات حتى عام 1450 الذي شهد (معركة فورميني الكبرى) واستعادة القوات الفرنسية نورماندي ومجموعة من المناطق الأخرى.
وفي عام 1453 كانت (معركة كاستيلون) آخر المعارك الكبيرة في تلك الحرب الطويلة التي حاول فيها الإنجليز استعادة الأراضي التي خسروها في فرنسا، لكن المعركة شهدت انتصار القوات الفرنسية وسيطرتهم على معظم الأراضي المتنازع عليها، ولم يبق تحت سيطرة إنجلترا من الأراضي الفرنسية سوى مقاطعة كاليه، وذلك حتى عقدت (معاهدة بيكو جني) عام 1475 التي كانت نهاية لحرب المئة عام رسميًّا، حين تخلى ملك بريطانيا تمامًا عن مطالبته بعرش فرنسا.
نتائج حرب المئة عام
لا يمكن التحقق من الخسائر البشرية لحرب المئة بأرقام أو إحصائيات دقيقة، فالمعارك كانت كثيرة ومدة الحرب كانت طويلة، إضافة إلى ظهور الطاعون الذي حصد مئات الآلاف من الأرواح في مراحل مختلفة من حرب المئة عام، وكذلك الثورات الأهلية التي دارت في ذلك الوقت، وعلى هذا لم يستطع أحد من المؤرخين الحديث عن رقم معين لضحايا حرب المئة عام، لكننا يمكن أن نشير إلى المصادر التي تقول إن عدد سكان إنجلترا قد انخفض إلى النصف في ذلك الوقت، وهو ما يدل على ضخامة الخسائر البشرية.
أما خسائر حرب المئة عام السياسية فكانت متعددة:
- نشأة الفكر الوطني والقومي في إنجلترا وفرنسا.
- تدهور الأحوال الاقتصادية في البلدين، وبالأخص إنجلترا التي فقدت إقطاعياتها في الأراضي الفرنسية.
- حرب الوردتين في إنجلترا: كانت حرب المئة عام مقدمة لقيام حرب الوردتين في إنجلترا التي أدت بدورها إلى مجموعة من التغيرات السياسية، وعلى رأسها تقليص الصلاحيات الممنوحة للملك وطبقة النبلاء، وزيادة هيمنة البرلمان على الحياة السياسية في إنجلترا.
- استقلال العرش الفرنسي: كانت أهم التغيرات السياسية التي استفادت منها فرنسا هي نهاية المطالبة الإنجليزية بوراثة العرش الفرنسي، وهو ما يتكئ عليه الفرنسيون في الحديث عن حرب المئة عام، حين يقولون إنهم انتصروا إستراتيجيًّا على أكبر إمبراطورية في العالم في ذلك الوقت، وهو أمر أقرب للصحة إذا وضعنا في الحسبان أيضًا استعادة فرنسا الإقطاعيات الخاصة بها، إضافة إلى تقلص موارد الخزينة الإنجليزية نتيجة هذا الانتصار.

لقد كانت حرب المئة عام مرحلة محورية في التاريخ الأوروبي، لم تقتصر تداعياتها على تغيير الحدود الجغرافية فحسب، بل امتدت لتشمل إعادة تكوين الهياكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية في كل من إنجلترا وفرنسا، ومن أسباب الحرب المتعددة، مرورًا بالمعارك الكبرى مثل كريسي وبواتييه، وصولًا إلى دور شخصيات أيقونية مثل جان دارك، تقدم لنا هذه المرحلة التاريخية دروسًا قيمة عن الصراعات الدولية، بناء الهوية الوطنية، وتأثير الأوبئة على مسار الأحداث.
وفي الأخير فإن حرب المئة عام تحمل في طياتها مئات الدروس التي يجب أن نقرأها ونعيها جيدًا على عدة مستويات، عسكرية وإستراتيجية وسياسية واقتصادية واجتماعية.
وفي نهاية هذا المقال، نرجو أن يكون عرضنا تاريخ حرب المئة عام بين إنجلترا وفرنسا قد قدم لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.