في خضم الحروب غير المتكافئة، حين تتفوق الجيوش النظامية في العدد والموارد والتسليح، تبرز إستراتيجية حرب العصابات كونها أنجع وسيلة للطرف الأضعف لتحقيق انتصارات مذهلة. وعندما ترى صراعًا عسكريًّا غير متكافئ بين فريقين، فغالبًا ما تتوقع أن ينتصر الفريق الأقوى بسهولة. لكن توجد معارك وحروب شهدت مفاجآت مذهلة، فقد حققت الأطراف الأضعف انتصارات كبيرة وكبدت الأطراف القوية خسائر هائلة، وذلك باستخدام ما يُطلق عليه الحرب غير النظامية. كيفية استخدام حرب العصابات في العصر الحديث، ولماذا تنتصر المجموعات الصغيرة باستخدام حرب العصابات؟
أسئلة تجد إجاباتها في هذا المقال الذي يخبرك بكل ما تحتاج إليه عن تكتيكات الثوار في الحروب غير المتكافئة، فما حرب العصابات؟ ومتى نشأت؟ وكيف تطورت على مر الزمان؟
مفهوم حرب العصابات الحرب غير النظامية
تُعدُّ حرب العصابات إستراتيجية يتبعها المقاتلون الأقلُّ عددًا أمام الجيوش الكبيرة والمجموعات المتكاملة. ويستخدمون فيها مجموعة من التكتيكات العسكرية بغرض تكبيد هذه القوى الكبيرة خسائر هائلة أو تحقيق مكاسب سريعة، أو حتى في عمليات الاغتيال واستهداف المنشآت والموارد لدى الطرف الآخر. وغالبًا ما تلجأ إلى حرب العصابات مجموعات صغيرة قد تكون مجموعات عسكرية أو مدنية مقاتلة يطلق عليهم المقاتلون غير النظاميين، ويلجأ أحد الأطراف إلى حرب العصابات بسبب الفارق الكبير في الحجم والإمكانيات والموارد والقدرات.
ما الفرق بين الحرب النظامية وحرب العصابات؟
يكمن الفرق بين الحرب النظامية وحرب العصابات في جوانب محورية عدة:
- الحرب النظامية تعتمد على المواجهة المباشرة، والوحدات الكبيرة، وخطوط الإمداد الواضحة، والسيطرة على الأرض.
- في المقابل، تعتمد حرب العصابات على المباغتة، والانتشار، والاختباء، وتفادي المواجهة المباشرة. ثم إن عمليات المقاومة المسلحة التي تتبع تكتيك العصابات وتستهدف إنهاك العدو على المدى الطويل بدلًا من كسب المعارك الحاسمة.

تاريخ حرب العصابات: من هو مؤسس حرب العصابات؟
وعلى الرغم من أن مصطلح حرب العصابات قد بدأ استخدامه في بدايات القرن التاسع عشر وتحديدًا في أثناء حرب الاستقلال الإسبانية، فإن إستراتيجية الحروب غير المتكافئة العصابات الحالي كانت موجودة منذ أزمان طويلة، واستُخدمت بطرائق عدة في حروب شهيرة وصراعات عسكرية كثيرة منذ القرن السادس قبل الميلاد؛ لذلك، لا يمكن تحديد من هو مؤسس حرب العصابات؟ لكن يمكن الإشارة إلى المنظرين الأوائل:
- سون تزو والشرق: لعل كتاب «فن الحرب» الذي كتبه سون تزو في تلك المرحلة قد حمل كثيرًا من تكتيكات حرب العصابات، وهو الكتاب الذي استخدم مرجعًا إستراتيجيًّا وعسكريًّا في أوروبا قرونًا طويلة.
- التاريخ القديم: بعد ذلك ظهرت حروب العصابات في عدد من الكتابات التاريخية، حيث استخدمها المحاربون في الفلبين في عصور ما قبل التاريخ، واستخدمت في مصر وبلاد ما بين النهرين في المدة نفسها، قبل استخدامها في القرن الثالث قبل الميلاد في الجمهورية الرومانية.
- دليل المناوشات: وفي القرن العاشر الميلادي، ظهر دليل عسكري، أو يمكن أن نطلق عليه كتابًا ميدانيًا بعنوان «حول المناوشات»، وهو دليل بيزنطي يُنسب للإمبراطور نقفور الثاني الذي تحدث بدوره عن التكتيكات التي تستخدم بواسطة عناصر قتالية قليلة العدد من أجل تنفيذ مهام محدودة مثل الاستطلاع، أو تنفيذ هجمات سريعة، أو شن غارات بغرض تشتيت العدو قبل الهجوم الكبير في منطقة أخرى.
- القومية والأيديولوجيا: أما مفهوم حرب العصابات، بنفس المعنى الذي نعرفه الآن، فقد تشكل مع ظهور الأيديولوجيات القومية التي دفعت بدورها إلى تشكُّل حركات التمرد التي مثَّلت أقليات ضد القوى الكبرى. وبذلك، ظهرت حرب العصابات حلًّا لتحقيق انتصارات أمام هذه القوى، على الرغم من فارق الإمكانيات والموارد. وربما ارتبطت بعد ذلك حرب العصابات بأصحاب الأيديولوجيات من المقاومين والثوار، وهو ما يجعلها تختلف تمامًا عن حرب المرتزقة التي تكون بغرض المال والمكاسب المادية فقط.
في القرن الثامن عشر، أصبحت حرب العصابات واقعًا، إذ استخدمها الثوار الهنود في حربهم مع شركة الهند الشرقية البريطانية، كما استخدمها الثوار الإسبان ضد البريطانيين في بدايات القرن التاسع عشر. ولنا مثال رائع في حرب العصابات في المنطقة العربية، إذ استخدم القائد المغربي عبد الكريم الخطابي حرب العصابات ضد الاحتلال الإسباني والفرنسي في حروب الريف، والتي حقق فيها نتائج مذهلة على الرغم من فارق القوة والعتاد والموارد.
وفي بدايات القرن العشرين، استطاع الأيرلنديون تحقيق نتائج واضحة وتكبيد البريطانيين خسائر كبيرة على المستوى المادي والبشري باستخدام تكتيكات حرب العصابات في أثناء حرب الاستقلال الأيرلندية، إذ كانت مجموعات المقاومة الأيرلندية تهاجم في وحدات صغيرة لا تتجاوز ستة أفراد بغرض تنفيذ مهمة معينة ثم الاختفاء بعد ذلك وسط الجماهير والحشود.
وقد تكون الثورة الجزائرية أكبر مثال على حرب العصابات الناجحة التي استمرت مدة 8 سنوات بين مجموعة من الثوار الجزائريين الذين لا يملكون أي موارد تذكر ضد الجيش الفرنسي المسلح بأحدث التقنيات والوسائل العسكرية في ذلك الوقت.
مبادئ حرب العصابات وعناصرها الأساسية
يتطلب تنفيذ تكتيكات وإستراتيجيات حرب العصابات في الحروب غير المتكافئة مجموعة من عناصر حرب العصابات الأساسية التي تستغلها المجموعات الصغيرة في صراعها مع الجيوش والفرق ذات الإمكانيات الهائلة التي تحتاج إلى كثير من الدراسة والخبرة والمعرفة عن المكان والظروف والعدو من أجل تحديد التكتيكات المستخدمة والأهداف المطلوب تنفيذها، وكذلك الوعي بالتبعات بعد تنفيذ هذه العمليات.

مبادئ حرب العصابات
تعتمد مبادئ حرب العصابات على البقاء في حالة حركة، وتفادي الهجمات الكبيرة، واستهداف نقاط الضعف، والحصول على الدعم الشعبي (ماو تسي تونغ، تشي جيفارا).
أهم عناصر حرب العصابات
تعتمد حرب العصابات على عناصر عدة:
1. عنصر المكان (الأرض)
لا بد للمجموعات التي تستخدم حرب العصابات أن يكون لديها وعي كبير ودراسة ومعرفة بالمكان الذي ستدور فيه المعارك أو الغارات، إذ يستخدم عنصر المكان موردًا داخل المعركة، وبذلك يمكن انطلاقًا منه تحقيق عنصر السرعة والحسم والمباغتة، إضافة إلى معرفة أماكن الدخول والخروج، إذ يسهل الهروب والانسحاب والاختباء في أثناء وبعد تلك المعارك السريعة.
في معظم الأحوال تكون الجماعات أو الفرق التي تستخدم حرب العصابات أكثر وعيًا ودراية بالمكان من خصومها مثلما حدث مع الثوار الجزائريين في حربهم مع القوات الفرنسية، ومثلما حدث مع القوات المغربية بقيادة عبد الكريم الخطابي في حرب الريف. وبذلك كان المكان عنصرًا حاسمًا في هذه المعارك، إذ أمَّنَ لهم حماية كبيرة وشكَّلَ صعوبة كبيرة على الخصوم في التحرك سواء للهجوم أو للدفاع أو حتى للانسحاب.
كذلك يجب أن يتوافق ويتناسق المكان مع الطريقة المستخدمة في الهجوم، فعلى سبيل المثال إذا كان الخصم يستخدم المدرعات والدبابات الثقيلة، فمن الأفضل أن يحدث اختيار مكان غير ممهد مثل الأماكن الجبلية والصخرية، حتى تستطيع المجموعات الصغيرة الهجوم والفرار دون أن تمنح الخصم فرصة التحرك بسهولة.
ويمكن استخدام الأماكن المناسبة لعمل الكمائن وتكبيد الجيوش الكبيرة خسائر هائلة عن طريق المباغتة، واستخدام العناصر المكانية كموارد تمنعهم من تجنب هذه الخسائر، كما يمكن اختيار الأماكن التي يصعب فيها مواصلة المطاردة أو الحصول على مساندة من فرق أخرى قبل وقت طويل.
2. عنصر الزمان (التوقيت)
لا يقل عنصر الزمان أهميةً عن عنصر المكان في إعداد الخطط والتكتيكات المتبعة في حرب العصابات. وعلى الرغم من أن معظم حروب العصابات تعتمد على الظلام واستخدام الليل كساتر للهجمات، إضافة إلى الميزة التي يوفرها الظلام في حالات الهروب أو الاختباء أو إعداد الكمائن، فإن اختيار الزمان يعد ركنًا أساسيًا في حرب العصابات ويجب أن يتناسب تمامًا مع اختيار المكان ونوع التسليح.
ولأن الجيوش المدربة والقوات ذات الموارد الضخمة غالبًا ما تتوقع أن يكون الهجوم عليها في أوقات الليل، فإن كثيرًا من حروب العصابات تعتمد على عنصر المفاجأة وتهاجم في أثناء النهار، إذ لا تتوقع القوات والجيوش أن تهاجمها العصابات في ذلك الوقت. ويفضل بعض قادة حروب العصابات أن يكون الهجوم في أوقات التعب أو النعاس أو الاحتفالات لدى الجيوش والخصوم، على أن يكونوا في أقل درجة من درجات الاستعداد، وهو ما قد يجعل حرب العصابات تستخدم تكتيك الحروب المتتالية، إذ تشنُّ الهجمات بغرض إنهاك العدو، وبعدها مباشرة تشنُّ هجمات وغارات أخرى ، في حين لم يلتقط الخصم أنفاسه، لتكبيده أكبر قدر من الخسائر المادية والبشرية.
3. عنصر التسليح (الموارد)
يعد عنصر التسليح أيضًا من العناصر المهمة في حرب العصابات، على الرغم من وجود فارق كبير في الموارد والتسليح بين الفرق والجماعات التي تستخدم حرب العصابات وبين الجيوش النظامية والفرق ذات التسليح الكامل والموارد الضخمة. وبذلك تستخدم حرب العصابات ما هو متاح من أسلحة، على الرغم من أن فكرة حرب العصابات تقوم على الهجوم السريع، وبذلك ترتبط بالأسلحة الخفيفة التي يسهل حملها في الهجوم والانسحاب.

وغالبًا ما يستخدم أفراد حرب العصابات البنادق ذات الطلقات السريعة، والقنابل اليدوية، والألغام التي يتم استخدامها ضد المدرعات والآليات الكبيرة، إضافة إلى الأسلحة البيضاء. وفي حالات قليلة قد يستخدم أفراد حرب العصابات صواريخ محمولة أو مدافع ذات مدى قصير أو متوسط، كما تظهر بعض الأسلحة التي حصل عليها الثوار وأفراد حرب العصابات من هجماتهم على خصومهم في غارات سابقة.
4. عنصر الأهداف (الإستراتيجية)
قد يظن بعضنا أن الأهداف ليست عنصرًا من عناصر حرب العصابات وإنما هي نتيجة يسعى إليها المقاتلون، لكن تكتيكات حرب العصابات يجب أن ترتبط بأهداف معينة، بخلاف الجيوش والفرق النظامية المجهزة التي يكون لديها رفاهية الأهداف الكبيرة والقوائم المفتوحة، إذ يحدث اختيار الأهداف بما يتوافق مع قوة الخصم وطبيعة المكان ونوع التسليح. وبذلك تنحصر قائمة أهداف حرب العصابات في مجموعة من الأهداف مثل:
- تكبيد الخصوم خسائر بشرية ومادية هائلة.
- أعمال التجسس والرصد والاستطلاع لمعرفة تحركات الجيوش والفرق العسكرية.
- عمليات الخطف والاغتيال للقادة وأصحاب القرار والضباط أصحاب الرتب العالية.
- شن الحروب النفسية بغرض إضعاف معنويات العدو ودفعه إلى التراجع أو التنازل، ونشر حالة من الخوف داخل الصفوف.
- تخريب المنشآت وقطع خطوط الاتصال وطرق الإمداد.
5. عنصر السكان (الحاضنة الشعبية)
على الرغم من أن عنصر السكان لا يعد عنصرًا أساسيًا في حركات الجيوش والفرق المسلحة ذات الموارد الضخمة، فإنه عنصر أساسي في تكتيكات وإستراتيجيات حرب العصابات، فيجب أن يكون الأفراد الذين يمارسون حرب العصابات على علاقة جيدة بالسكان المحليين الذين يساعدونهم في غالب الأحوال في إمدادهم بالموارد والمعلومات، وقد يوفرون لهم غطاءً أمنيًا عند الهروب أو الانسحاب. وبذلك يصعب على مقاتلي حرب العصابات تنفيذ عملياتهم في مناطق لا يتمتعون فيها بتأييد السكان.
انتصارات حروب العصابات في العصر الحديث
أمثلة شهيرة لنجاح حرب العصابات في العصر الحديث، ربما كانت حرب العصابات هي أنجع الوسائل أمام الأطراف الضعيفة لتحقيق انتصارات، والبقاء في المقاومة، وكسب الوقت أمام الجيوش الكبرى ذات التسليح العالي والموارد الضخمة، وهو ما ظهر في عدد من الصراعات العسكرية والمعارك منذ بداية القرن العشرين حتى الآن.
وتلك أمثلة لحرب العصابات الناجحة في العصر الحديث، ولعل أبرز هذه الانتصارات ما يلي:
- الخطابي والمغرب: انتصارات عبد الكريم الخطابي على القوات الفرنسية والإسبانية في حروب الريف التي استمرت في المدة ما بين عام 1914 وإلى عام 1926.
- كوبا والثورة: الانتصارات الكبيرة التي حققها الثوار الكوبيون أمام القوات الحكومية في الثورة الكوبية على يد الزعيم فيدل كاسترو ، والثوري الكبير تشي جيفارا.
- الجزائر والاحتلال الفرنسي: نتائج هجمات الثوار الجزائريين ضد الاستعمار الفرنسي، الذين كبدوا الاستعمار خسائر رهيبة على مدى ثماني سنوات بإمكانيات قليلة وموارد محدودة.
- فيتنام وأمريكا: انتصار الفيتناميين الساحق على الجيش الأمريكي في حرب فيتنام على الرغم من الفارق الرهيب في الإمكانيات المادية والبشرية، وهو ما تم اعتباره هزيمة تاريخية لأمريكا.
- الصين وماو تسي تونغ: الانتصارات الكبيرة التي حققها الصينيون في الحرب الشعبية ضد الاحتلال الياباني تحت قيادة الزعيم الصيني الشهير ماو تسي تونغ.
- ليبيا وعمر المختار: الانتصارات الرائعة التي حققها الزعيم الليبي عمر المختار في جهاده أمام الاستعمار الإيطالي في العقد الثاني من القرن العشرين، على الرغم من أن الجيش الإيطالي استخدم كل ما يملك من أسلحة حديثة وقوات مدربة.
- فلسطين والمقاومة: النتائج الهائلة التي حققتها المقاومة الفلسطينية وما زالت تحققها ضد المحتل الإسرائيلي على الرغم من فارق القوة والموارد، وكل هذه تعد نماذج من حروب العصابات في العالم العربي.

وهكذا، يظل الضعفاء وأصحاب الموارد المحدودة يتحلون بالأمل في تحقيق الانتصارات على الجيوش العظمى والفرق المسلحة ذات الإمكانيات والموارد الهائلة، باستخدام تكتيكات حرب العصابات وكثير من الشجاعة والإيمان بقدرتهم على الانتصار لقلب الموازين وتحقيق نتائج مدهشة.
إن الحرب غير النظامية ليست تكتيكًا عسكريًّا، بل هي إثبات لقوة الإرادة البشرية. إن معرفة مبادئ حرب العصابات وعناصر حرب العصابات الأساسية تتيح فهم كيفية استخدام حرب العصابات في العصر الحديث للضغط على القوى الكبرى وتحقيق الأهداف الإستراتيجية في الحروب غير المتكافئة.
وفي نهاية هذا المقال عن حرب العصابات، نرجو أن نكون قدّمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.