حرب الثلاثين عامًا 1618-1648م وصلح وستفاليا.. الصراع الذي غيَّر وجه أوروبا

تُعد حرب الثلاثين عامًا واحدة من أطول وأكثر الصراعات دموية في تاريخ أوروبا، حرب بدأت بصفتها صراعًا دينيًّا محليًّا داخل ألمانيا، لتتحول إلى حرب دولية شاملة غيرت الخريطة السياسية والقوى العظمى في القارة إلى الأبد، لم تكن معارك بين الكاثوليك والبروتستانت فحسب، بل كانت صراعًا مريرًا على السلطة والنفوذ بين القوى الكبرى، وعلى رأسها آل هابسبورغ وآل بوربون.

في هذا المقال، نستعرض جذور حرب الثلاثين المعقدة، ومراحلها الأربع، وكيف أدت نهايتها في صلح وستفاليا إلى ولادة النظام الأوروبي الحديث.

فشل صلح أُجزبرج الذي حدث في عام 1555م في أن يرضي كل الأطراف، إذ لم يستطع الإمبراطور أن يفرض الكاثوليكية على الشعب الألماني كله، بل اضطر إلى ترك الحرية لكل حاكم في ولاية أو أبرشية أن يختار المذهب الذي يروق له ويفرضه على رعاياه.

كذلك لم ينصف الصلح أتباع مذهب كالفن بألمانيا، مع أن الكالفينية كانت المذهب الذي اعتنقه كثيرون من الألمان، وأصبحت المذهب الرسمي لبعض الولايات الألمانية مثل براندنبرج وبلاتين. وقصر صلح أُجزبرج شروط الصلح على اللوثريين، ولذلك لم تتقارب وجهات نظرهم، وانقسم الفريقان البروتستنتيان على أنفسهما، واختلفا في تحديد مبادئ البروتستنتية وشعائرها.

وذلك في الوقت الذي انتعش فيه المذهب الكاثوليكي بالثورة الإصلاحية المضادة، وبالجهود العملية التي بذلها اليسوعيون «الجزويت»، ما ساعد على تثبيت دعائم الكاثوليكية في بولندا، والأراضي المنخفضة الإسبانية، وفرنسا، وساد المذهب تمامًا في كل من إسبانيا وإيطاليا. وقد أدى هذا الانتعاش الكاثوليكي إلى بعث الأمل في احتمال القضاء على البروتستنتية، وعودة ألمانيا إلى كنف الكنيسة الرومانية.

والواقع أن صلح أُجزبرج لم يكن سوى منح مزيد لالتقاط الأنفاس، ولم يكن بطبيعته حلًا حاسمًا للمشكلة الدينية التي عادت إلى التفجر بعد ذلك في عام 1618م في حروب ضارية استمرت ثلاثين عامًا وانتهت بصلحِ وستفاليا عام 1648م.

المزيج الديني والسياسي وأسباب اندلاع حرب الثلاثين عامًا

اختلطت المشكلات الدينية بالدوافع السياسية، فقد كان الإمبراطور الزعيم الطبيعي للكاثوليكية وحامي حماها في ألمانيا، ولكن الأمراء الألمان الذين اختاروا الكاثوليكية مذهبًا لولاياتهم كانوا يخشون من أن تأييدهم للإمبراطور ضد الأمراء البروتستنت سوف يؤدي إلى تدعيم سلطانه المطلق على الجميع من حكام كاثوليك وبروتستنت على السواء. ولذلك كان هؤلاء الأمراء الكاثوليك الذين يمقتون البروتستنتية يكرهون وجود إمبراطور قوي. وهذا يفسر إلى حد كبير التغير الذي كان يطرأ على مواقف بعض هؤلاء الأمراء إبان حرب الثلاثين عامًا.

كانت بوهيميا أول مسرح لحرب الثلاثين عامًا ثم انتشرت ولم تعد حروبًا دينية فحسب بل أصبحت حربًا دولية بين أمم مختلفة

وثمّة مشكلة أخرى، وهي أن أمراء الشمال والجنوب من البروتستنت قد تجمعوا أو كونوا «الاتحاد البروتستني» سنة 1608م، وفي مقابل ذلك تكوّن «الحلف الكاثوليكي» سنة 1609م.

فتهيأ بذلك الجو لاندلاع حرب دينية في ألمانيا، ومن هنا بدأت حرب الثلاثين عامًا، وكانت بوهيميا أول مسرح لتلك الحروب، لكنها بعد ذلك انتشرت، ولم تعد حروبًا دينية فحسب، بل ما لبثت أن أصبحت حربًا دولية بين أمم مختلفة قامت تناهض سيادة آل هبسبرج لحفظ التوازن في أوروبا.

وقد انقسمت حرب الثلاثين سنة إلى أربع مراحل، هي:

  • الحرب البوهيمية (1618–1625م).
  • الحرب الدنماركية (1625–1629م).
  • الحرب السويدية (1630–1635م).
  • الحرب السويدية الفرنسية (1635–1648م).

مراحل حرب الثلاثين عامًا الكبرى

مرّت حرب الثلاثين عامًا بأربع مراحل رئيسية، عكست تحوُّل النزاع من صراع ديني محلي إلى حرب أوروبية شاملة، بدأت المرحلة الأولى بالحرب البوهيمية (1618–1625)، حين ثار البروتستنت في بوهيميا ضد الإمبراطور الكاثوليكي فرديناند الثاني، ما أشعل فتيل الحرب. تلتها المرحلة الدنماركية (1625–1629)، بدخول الملك كريستيان الرابع ملك الدنمارك لدعم البروتستنت، لكن هزيمته أضعفت الموقف البروتستنتي، ثم جاءت المرحلة السويدية (1630–1635)، بقيادة الملك جوستاف أدولف الذي حقّق نجاحات لافتة قبل مقتله، ما غيَّر مجرى الحرب. أما المرحلة الأخيرة، الفرنسية-السويدية (1635–1648)، فشهدت تدخل فرنسا الكاثوليكية ضد آل هابسبورغ لأسباب سياسية، لتتّضح بذلك طبيعة الحرب كصراع على السلطة أكثر من كونها نزاعًا دينيًا. انتهت الحرب بتوقيع صلح وستفاليا، الذي غيّر موازين القوى في أوروبا.

الحرب البوهيمية (1618–1625م) الشرارة الأولى

انطلقت أول شرارة للحرب في بوهيميا التي كانت معقلًا من معاقل البروتستنتية، وقد حدث في عام 1618م أن انتُخب فرديناند، أمير النمسا ومن أسرة هبسبرج، إمبراطورًا باسم فرديناند الثاني، وكان في الوقت نفسه ملكًا على البوهيميين، ومعروفًا بأنه من غلاة الكاثوليكية وخصمًا عنيدًا للمذهب البروتستنتي.

وقد تحقق للبوهيميين مدى الخطر الذي يحيق بهم وبمذهبهم عندما أمر بهدم بعض الكنائس البروتستنتية، فعارضوا وتظلموا، وانتفض الشعب البروتستنتي في براغ، واشتدت المقاومة، ما أدى إلى قيام حرب بين الأهالي والقوات الكاثوليكية، واعتدى الثوار على ثلاثة من رجال الحكومة كانوا مبعوثين من قبل الإمبراطور، وألقوا بهم من نافذة دار البلدية. وكان هذا الاعتداء فاتحة الحرب الطاحنة، فأرسل عليهم فرديناند قواته لقمع ثورتهم.

ولم يكن بوسع البروتستنت أن يأملوا النجاح في تلك الحرب بغير مساعدة خارجية، فاتجهوا إلى فردريك، حاكم ولاية البالاتين، وهو أحد زعماء البروتستنت الكالفينيين. فلبّى فردريك دعوتهم وتزعم حركتهم، وقبل التاج البوهيمي، ولُقّب بفردريك الخامس، واستقدم قوات من الاتحاد البروتستني لتحارب في صف القوات البوهيمية.

أما الإمبراطور فرديناند، فقد تلقى عونًا ماليًا من البابا، واستقدم قوات إسبانية من ميلان، وقوات كاثوليكية من بافاريا، ثم اجتاح بوهيميا بجيش لا يقل عدده عن خمسين ألف مقاتل.

ولما التحم الجيشان في موقعة «الجبل الأبيض» بالقرب من براغ، لم تستطع قوات فردريك أن تصمد أمام الهجوم الكبير، وانتصر جيش فرديناند، وهرب فردريك تاركًا قواته لأسوأ مصير. وقد أُطلق عليه «ملك الشتاء» لأنه لم يتمتع بتاج بوهيميا إلا شتاءً واحدًا.

وضرب فرديناند بيد من حديد على أمراء البروتستنت، ونفى عددًا كبيرًا منهم، واستخدم البطش والتنكيل ليرغم المواطنين في بوهيميا على اعتناق الكاثوليكية، وترتب على ذلك هجرة آلاف الأسر البروتستنتية، وتدفّق اليسوعيون إلى البلاد، فأنشأوا فيها إرسالياتهم التبشيرية والمدارس.

وهكذا بدأت كثلكة بوهيميا من جديد، وأُخمدت أنفاس البروتستنت في النمسا عندما ثار أهلها انتصارًا لبوهيميا، وأدت الكَنَسة إلى انحلال الاتحاد البروتستنتي في عام 1621م، وانتقال زعامة البروتستنت إلى يد ملك الدنمارك، وانتهى الدور الأول من حرب الثلاثين سنة.

تلقى الإمبراطور فرديناند عونًا ماليًا من البابا واستقدم قوات إسبانية من ميلان وقوات كاثوليكية من بافاريا ثم اجتاح بوهيميا

الدور الدنماركي (1625–1629م) تدخل كرستيان الرابع

كانت الدنمارك وإنجلترا تتبعان سير الحرب البوهيمية بكل قلق واهتمام، وكان كرستيان الرابع، ملك الدنمارك -وكان في الوقت نفسه دوقًا لإمارة هولشتين، وهي ولاية تابعة للإمبراطورية الرومانية المقدسة- وله أهداف سياسية إلى جانب تعصبه المذهبي، فقد كان يأمل في الاستيلاء على بعض الأبرشيات الألمانية ويكوِّن منها مملكةً باسم ولده، وقد دخل الحرب معتمدًا على تحالفه مع إنجلترا وأمراء شمال ألمانيا، وعلى ما بذله له الوزير الفرنسي ريشلييه من وعود بالمساعدة.

وهكذا بدأت المرحلة الثانية من حرب الثلاثين عامًا، ورأى الإمبراطور أن البروتستنت في هذه المرة أكثر قوة وأشد مراسًا، فاستعان بأعظم قواد ألمانيا في ذلك العصر «والنشتين»، دوق فريدلند، المعروف بمقدرته على جمع الجند المرتزقة من مختلف جنسيات أوروبا، وهم الذين يعيشون على كسب المواقع توطئة للسلب والنهب. واشترط «والنشتين» أن تكون القيادة العليا له وحده، على الرغم من أن لقوات الإمبراطور قائدًا قديرًا هو «تيللي»، فإن الإمبراطور كان مضطرًا لقبول شروط والنشتين لكسب المعركة ضد البروتستنت.

وما لبث أن استطاع والِنشتين ومن معه من قواد الإمبراطورية هزيمة ملك الدنمارك، وطرد قواته من الأراضي الألمانية، واحتلال معظم الأراضي الدنماركية نفسها، وحاول والِنشتين بعد ذلك التوسع نحو الساحل لتقوية دفاعه ضد أي غزو محتمل من جانب السويد، وفي الوقت نفسه يستغل موارد المواني بفرض الضرائب فيها لإعالة جيشه والإنفاق على مطالب المرتزقة من قواته.

وقد رفض ميناء سترالسند الإذعان لما فرضه عليها، واستعدت للدفاع عن نفسها، فحاصرها مدة خمسة أشهر خلال عام 1628م، ولكنها قاومته واستبسلت في الدفاع، وساعدها أن حصارها كان بريًا فقط، أما البحر فكان مفتوحًا لمدِّها بالمساعدات من طريق الأسطولين الدنماركي والسويدي.

ولما يئس والِنشتين اضطر إلى رفع الحصار عنها، وعلى أثر ذلك أدرك كل من الإمبراطور وكرستيان ملك الدنمارك أنّ لا مفر من الاتفاق، ولا سيّما أن الأخير يئس من وصول أية مساعدة فعّالة من إنجلترا التي وعده بها ملكها شارل الأول، أما الإمبراطور فرأى أن يسارع بعقد اتفاق قبل أن يدخل ملك السويد الحرب في صف البروتستنت.

وعلى ذلك تم صلح لوبك سنة 1629م، على أن يتنازل كرستيان عن كل ما يدّعيه في الأسقفيات الألمانية، على شرط أن يسترد أملاكه الوراثية، وهي هولشتين وشلزفيج وجنلند.

وبذلك قوي مركز الإمبراطور، وشعر البروتستنت أنهم أصبحوا تحت رحمة الكاثوليك الذين صمّموا من جانبهم على انتهاز الفرصة لتدعيم مركزهم، فحرَّضوا الإمبراطور فرديناند على إصدار «مرسوم الإعادة» خَوّل فيه للكنيسة الرومانية استرجاع كل الأملاك التي انتُزعت منها منذ معاهدة أُجزبرج عام 1555م.

وقد رَوّع هذا المرسوم جميع البروتستنت، لا في ألمانيا فحسب، بل أفزع أيضًا البروتستنت في كل أوروبا، وخصوصًا حكام الدول التي تخشى أطماع الإمبراطور وأحلامه في إنشاء حكومة ملكية من آل هبسبرج تمد سلطانها إلى أوروبا بأسرها.

الدور السويدي (1630–1635م) دخول جوستاف أدولف

كان جوستاف أدولف ملك السويد من أعظم القواد الأوروبيين في القرن السابع عشر، وحاكمًا قديرًا استطاع جمع الشعب السويدي تحت لوائه، وتكوين جيش جهّزه بأحدث الأسلحة، ودربه على أيدي خبراء من الهولنديين العسكريين.

وقد دفعه إلى القيام بمغامرته الحربية ضد الإمبراطورية حماسته الدينية، وغيرته على طائفةِ البروتستنت التي كانت تعيش في مأساة كبرى عقب هزيمتها في ألمانيا، وفي الوقت نفسه كانت سياسته تهدف إلى حماية بحر البلطيق والسيطرة عليه، إذ كانت الممتلكات السويدية تمتد على ساحله الشرقي. وكان يعتقد أن انتصار الإمبراطورية في ألمانيا على البروتستنت قد يدفعها إلى القيام بمغامرة حربية ضد دولة السويد البروتستنتية في شمال ألمانيا. وأخيرًا، فقد كانت تخامره فكرة يحلم بتحقيقها، وهي أن انتصاره على الإمبراطور يؤدي إلى استيلاء السويد على شريط من الأرض على الساحل الشمالي لألمانيا، وعندئذ يصبح بحر البلطيق بحيرة سويدية.

نزل جوستاف بقواته في ألمانيا في يونيو 1630م، وتعلّقت به آمال البروتستنت في كل مكان، واعتقد أن أمراء الولايات البروتستنتية سوف يسارعون للانضمام إليه، إلا أن أمير سكسونيا وأمير براندنبرج رفضا التعاون معه، وخيّبا أمله فيهما.

وتقدّم جوستاف من يوميرانيا لنجدة «مجدبرج» التي كان يحاصرها القائد الإمبراطوري «تيللي» لينزعها من يد الإمبراطور، تطبيقًا لمرسوم «الإعادة». وهنا رفض أمير سكسونيا وبراندنبرج السماح لقوات جوستاف بالمرور عبر ولايتيهما للوصول إلى «مجدبرج».

وكانت النتيجة أن اكتسحتها قوات الإمبراطور قبل أن ينقذها الجيش السويدي، وارتكب الفاتحون أكبر مجزرة في التاريخ، فذبحوا بوحشية ما لا يقل عن عشرين ألفًا من سكانها رجالًا ونساءً، ثم أشعلوا الحرائق في المدينة. وزهوًا بالنصر الذي حازه القائد «تيللي»، تقدّم لغزو سكسونيا، وبدأ بمطالبة أميرها أن ينزع سلاح جيشه. وعندها أدرك الأمير خطأه بعدم التعاون مع ملك السويد، ولم يعد أمامه إلا أن يستنجد به، وتعهد له بأن يكون حليفًا مخلصًا، وتبع ذلك انضمام أمير براندنبرج للمعركة.

وعاون جوستاف حليفيه، فتقدّم نحو «ليبزج» التي احتلتها قوات «تيللي»، وتقابل الجيشان عند ضاحية بريتفلد، بالقرب من ليبزج، وهنا ظهرت مقدرة جوستاف الحربية، وكفاءة جيوشه المدربة، وانهزموا أمامه قواد الإمبراطور، ثم قُتل وأُسِر عشرات الآلاف من جنود الإمبراطورية.

وشرع جوستاف بعد ذلك في التقدّم نحو الغرب في الأراضي الألمانية، مستوليًا على عدة مدن، وحاول «تيللي» أن يقاوم الهجوم السويدي، والتحم مع جوستاف في موقعة على نهر «لِخ» أحد روافد نهر الدانوب، أُصيب فيها القائد «تيللي» بجرح مميت لم يمهله أكثر من أسبوعين، واضطربت جيوشه فتقهقرت، تاركةً السبيل مفتوحًا أمام جوستاف ليتقدّم نحو ميونخ، عاصمة بافاريا.

وارتاع الإمبراطور فرديناند، وخصوصًا أن جيش ملك السويد كان يزداد عددًا وقوة بانضمام الكثيرين من الألمان إليه، وكان الحلّ الوحيد أمامه أن يستدعي من جديد القائد والِنشتين الذي أصر على أن يكون من جديد صاحب الكلمة الأولى على جيوشه، وأن يُترك له التصرف في البلاد التي يدخلها، والغنائم التي تستولي عليها قواته، وأن يُلغى مرسوم «الإعادة» الذي قال عنه والِنشتين إنه يُنافي مبادئه ومبادئ جيشه في التسامح الديني. فلم يرَ فرديناند بدًّا من الرضوخ لتلك الشروط، رغم ما فيها من مساس بهيبته وكرامته.

نزل جوستاف أدولف ملك السويد بقواته  في ألمانيا  في يونيو 1630م وتعلّقت به آمال البروتستنت  في كل مكان

الدور الفرنسي السويدي (1635–1648م) الصراع الدولي

بعد أن كانت فرنسا تكتفي بمدّ يد المساعدة المالية للسويد، قرر ريشلييه أن يرسل إلى الميدان جيشًا فرنسيًا لمهاجمة جيش الإمبراطور في الجبهة الغربية، وفي الوقت نفسه أعلن الحرب على إسبانيا التي يحكمها الفرع الثاني لأسرة هبسبرج.

وهكذا دخلت حرب الثلاثين سنة في دورها الأخير والحاسم، يشترك فيها الفرنسيون إلى جانب السويديين على الأرض الألمانية، ولم يعد الخلاف الديني هو الدافع لهذه الحرب، فقد كان غزاة ألمانيا هذه المرّة يتألّفون من كلا المذهبين، البروتستنتي والكاثوليكي. وعلى الرغم من أن ريشلييه كان كاردينالًا كاثوليكيًا تابعًا للكنيسة الرومانية، فإنه، بدوافع سياسية، أظهر نواياه علانية في الحرب إلى جانب البروتستنت الألمان، وصارت الحرب دولية ذات أهداف سياسية بعيدة.

حاول ريشلييه في أثناء ذلك أن يضمّ إلى جانبه جميع أعداء أسرة هبسبرج ممّن يستطيعون القيام بالعون الحربي الفعّال، وعلى الأخص ضد الفرع الإسباني، العدوّ الأول لفرنسا، وكان هدفه الأول إضعاف سيطرة إسبانيا على الأراضي المنخفضة، لأن الوجود الإسباني في تلك البلاد يُعدّ تهديدًا دائمًا للعاصمة الفرنسية.

وفي ذلك العام نفسه، 1635م، الذي قرر فيه دخول الحرب إلى جانب السويد، عقد تحالفًا آخر مع الهولنديين الثائرين، الذين جددوا حرب الاستقلال بعد أن انتهت هدنة الاثني عشر عامًا منذ عام 1621م. وهكذا كانت حرب الثلاثين عامًا في دورها الأخير صراعًا على السيادة بين آل بوربون وآل هبسبرج بفرعيهم الألماني والإسباني.

صلح وستفاليا 1648م.. نهاية الصراع وبداية نظام دولي جديد

ابتدأت محادثات الصلح في مقاطعة وستفاليا الواقعة في حوض الرين الأسفل، في المدينتين مونستر وأسنابروك، وطالبت فرنسا والسويد باشتراك الولايات الألمانية في المفاوضات، كلٌّ منها على انفراد بقصد تفتيت القوى، ورغم مقاومة الإمبراطور لتلك الفكرة، فإنه لم يستطع فرض إرادته.

وازدحمت وستفاليا بمئات الدبلوماسيين والمفاوضين من الإمبراطورية وممثلي الولايات المتحدة، وحضر المؤتمر كذلك مندوب عن البابا، وبذلك أصبح مؤتمرًا أوروبيًا يمثّل كافة الاتجاهات. وكانت المفاوضات المبدئية تجري بينما كانت الجيوش لا تزال تقاتل في الميدان، ولذلك كانت الشروط التي يعرضها كل فريق تتغير وتتبدل بعد كل معركة. ونتج عن ذلك أن تعثرت المفاوضات في البداية، ثم استقامت بعد ذلك بالشروط التي اتفق عليها الأطراف المعنية جميعًا، وتتلخص أهم شروطها فيما يلي:

  1. يتمتّع أتباع لوثر وكالفن على السواء بالحرية الدينية في جميع أنحاء الإمبراطورية، وأن يحتفظ الكاثوليك والبروتستنت بما كان في أيديهم من أملاك الكنيسة منذ عام 1624م، مع الاحترام الكامل لشروط صلح أُجزبرج (سنة 1555م)، وأن ليس للأمير الحق في إجبار رعاياه على اتباع المذهب الذي يروق له.
  2. أن تحتفظ بافاريا بالبلاتين العليا، وبذلك اتّسعت مساحتها، ما جعل لها الزعامة على الولايات الألمانية الجنوبية، وأُعيدت البلاتين السفلى إلى ابن فردريك، ملك بوهيميا السابق.
  3. أن يبقى في يد فرنسا هِتز، وتول، وفردان، وأن تضمّ معظم الألزاس ما عدا مدينة ستراسبورج الحرة، وبذلك أصبح لفرنسا السيطرة على أعالي الرين.
  4. تستولي السويد على النصف الغربي لبوميرانيا، وعلى أسقفيتي بْرِمن وفِردن، وبضمّ هذه الأملاك إلى السويد أصبحت تتحكم في مصبّات الأنهار الإمبراطورية التي أصبحت تحت رحمة دولة غير ألمانية، وسيطر السويديون بذلك على أنهار الأودر، والإلب، والفيزر.
  5. أن تستولي براندنبرج الواقعة في قلب الإمبراطورية على بوميرانيا الشرقية، ومعظم مَجْدبرج، وعدّة أسقفيات أخرى مجاورة، وانتقلت زعامة البروتستنت بهذا الاتساع من أمير سكسونيا إلى أمير براندنبرج.
  6. الاعتراف رسميًا باستقلال هولندا وسويسرا.

يُعد صلح وستفاليا نقطة تحول حاسمة  في التاريخ الأوروبي فقد وضع حدًا لحرب الثلاثين وأرسى أسس النظام الدولي الحديث

يُعد صلح وستفاليا نقطة تحول حاسمة في التاريخ الأوروبي، فلم يضع حدًا لحرب الثلاثين عامًا فحسب، بل أرست أيضًا أسس النظام الدولي الحديث القائم على مبدأ سيادة الدول والتوازن السياسي. لقد أظهرت الحرب مدى تعقيد التفاعلات بين الدين والسياسة، وكيف يمكن للصراعات الداخلية أن تتصاعد لتصبح حروبًا عالمية تُعيد تكوين خرائط الدول وموازين القوى، إن دراسة هذه الحقبة التاريخية تُقدم دروسًا قيمة حول أهمية الدبلوماسية والتفاهم لحل النزاعات، وتجنب ويلات الحروب المدمرة.

لم تكن حرب الثلاثين عامًا نهاية لصراع ديني، بل كانت نقطة تحول كبرى في التاريخ، لقد تركت ألمانيا مدمرة، لكنها أرست أسس النظام الدولي الحديث القائم على سيادة الدول وتوازن القوى، وأنهت عصر الحروب الدينية الشاملة في أوروبا، إن إرث صلح وستفاليا لا يزال حاضرًا في مبادئ القانون الدولي حتى يومنا هذا، ليظل شاهدًا على حرب دامية ولدت من رحمها قارة جديدة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة