قد لا تكون قصص الحيوانات التي تمثل خطرًا على النظام البيئي في أستراليا غريبة، فقد خاضت الجزيرة حروبًا سابقة مع حيوان الكنغر وحيوان الإيمو، وكذلك مع الجمال، لكن قصة حرب الأرانب تُعد هي الأغرب والأخطر والأكثر تكلفة في تاريخ أستراليا، على الرغممن أن الجزيرة الأسترالية لا تعد موطنًا أصليًا للأرانب، ومع ذلك فقد تطور الأمر إلى احتلال الأرانب للجزيرة وتسببها في كارثة بيئية كبيرة في غضون سنوات قليلة.
فماذا فعلت أستراليا في حربها مع الأرانب؟ وكيف تطور الأمر ليشمل استخدام الفيروسات المدمرة والأسلاك العازلة والمكافآت الضخمة في سبيل التخلص من ذلك العدو اللطيف الذي تسبب في خسائر هائلة؟
أسئلة تجد اجابتها في هذا المقال الذي يتناول قصة حرب الأرانب في أستراليا منذ بدايتها حتى الآن في السطور التالية.
أستراليا و الأرانب
الأرانب بطبيعتها من أسرع الثدييات انتشارًا في الطبيعة، لكن وجودها في مناطقها الطبيعية -حيث توجد المفترسات بأنواعها المختلفة- يحافظ على التوازن البيئي، بحيث لا تتخطى أعداد الأرانب النسبة التي تسمح لها بتدمير البيئة والمحاصيل.
أما في أستراليا، فإن الانتشار السريع الذي حدث للأرانب في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين أدى إلى تضرر الغطاء النباتي العشبي ضررًا كبير، وهو ما أخل بالتوازن البيئي وعرَّض كثيرًا من الأنواع المحلية من حيوانات وطيور ونباتات إلى خطر الانقراض.

ومع بداية المشكلة، بدأ المزارعون يتخلون عن أراضيهم، وينسحبون لمصلحة الأرانب التي بدأت تنتشر في كل مكان، حيث كان المناخ في أستراليا يساعدها في إظهار قدراتها في العيش والتكاثر دون مشكلات أو عوائق طبيعية، حتى وصلت إلى ولاية كوينزلاند في شمال شرق أستراليا عام 1890.
وحينئذ اندفعت الحكومات الأسترالية المتعاقبة إلى مواجهة غزو الأرانب للأراضي الأسترالية بإجراءات مختلفة، منها استخدام الفخاخ والسموم، وتشجيع الصيادين ومنحهم المكافآت، لكن الأعداد الكبيرة للأرانب تجاوزت تلك الإجراءات، فقد كانت الأعداد تقدر بالملايين وربما تخطت المليار.
وفي هذه المرحلة من الحرب مع الأرانب، أصبح الأستراليون مهووسين بقتال الأرانب وصيدها، وانتشرت هواية الصيد المربحة في كل مكان، وتطوع لها كثير من الناس، حتى طلاب المدارس الذين كانوا يبحثون عن مصروف للجيب. أيضًا فبعض المحترفين استطاعوا تحقيق ثروة كبيرة من صيد الأرانب، وقضى كثيرون الليالي وهم ينصبون الفخاخ طمعًا في المكافأة.
ومع تفاقم المشكلة وتأثر الغطاء النباتي الذي أوشك على النفاد في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، بدأت أعداد الأغنام تتناقص على نحو ملحوظ، مع ملاحظة أن الأغنام تمثل قيمة اقتصادية كبيرة في أستراليا، وهو ما دفع الحكومة الأسترالية إلى البحث عن وسائل أكثر قوة ونجاعة في مواجهة الأرانب.
كيف بدأت أزمة الأرانب في أستراليا
إذا لم تكن الأرانب جزءًا من التوازن البيئي في أستراليا، فكيف جاءت من بيئتها الأصلية، لأن أستراليا جزيرة ولا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق الماء؟ وتقودنا الإجابة عن هذا السؤال إلى بداية حكاية الأرانب مع الأراضي الأسترالية، وهي الحكاية التي بدأت عام 1859 عندما استورد أحد الأوروبيين الذين يعيشون في أستراليا ويُدعى (توماس أوستن) عدد 24 أرنبًا بريًا من إنجلترا من أجل استخدامها في ممارسة هواية الصيد.
وفعلًا، أطلق توماس أوستن الأرانب في البرية من أجل إرضاء ميوله في كسر الملل، لكن الأرانب كانت أسرع وأكثر ذكاءً من الرجل، وانطلقت في البرية من جنوب شرق أستراليا إلى باقي أنحاء البلاد، حيث لا توجد مفترسات، وحيث الأراضي العشبية المنخفضة التي تسمح بتناول الطعام على مدار العام، إضافة إلى طبيعة الأرانب وقدرتها على التكاثر، وهو ما أدى إلى بداية الكابوس.

لم تمر سنوات عدة إلا وقد وصلت أعداد الأرانب إلى الملايين، وفي أقل من 70 عامًا أصبح عدد الأرانب في أستراليا لا يمكن حصره. فتشير المصادر إلى أرقام مختلفة، وبعضها يؤكد تجاوز الأرانب للمليار في بدايات القرن العشرين. وكانت الكارثة الأكبر في هجرة الأرانب داخل أستراليا بمعدل 80 ميلًا في السنة، وهو ما يعني تدمير ملايين الأفدنة من الأراضي في الغرب والشرق.
هذا ما دفع ولاية (نيو ساوث ويلز) الأسترالية إلى الإعلان عن جائزة كبيرة قدرها 25 ألف جنيه إسترليني، وهو ما يعادل نحو مليون ونصف مليون دولار حاليًا، للشخص الذي يجد فكرة تستطيع تخليص البلاد من الأرانب.
بداية الحرب على الأرانب في أستراليا
لم يكن أمام الاستراليين سوى إعلان الحرب على الأرانب بأعدادها المهولة، وذلك بعد أن ابتلعت المحاصيل والأعشاب، ودمَّرت الأخضر واليابس، وهددت باقي الأنواع الموجودة في الجزيرة الأسترالية، ومن بينها الأغنام التي تعتمد عليها أستراليا اقتصاديًا على نحو كبير.
كانت الحرب في البداية تعتمد على الطرائق البدائية، ومنها الصيد وإطلاق النار، لكن تزايد أعداد الأرانب كان أكبر من عدد طلقات النيران والأفخاخ التي يضعها الصيادون، وبذلك كان على الحكومة الأسترالية استحداث أساليب جديدة لمقاومة الغزاة، وهو ما دفعهم لبناء أسوار واقية لحماية أراضي الرعي في المناطق الغربية من أستراليا التي امتدت من الشمال إلى الجنوب عموديًّا، وهو ما عُدَّ أطول سور في العالم في ذلك الوقت.

الغريب في الأمر أن الأسوار لم تمنع الأرانب من الانتقال أو التكاثر أو الوصول إلى مناطق الرعي، فقد استطاعت أعداد كبيرة عبور السور في أثناء بنائه، وبعضها استطاع اختراق السياج بغرابة شديدة، حتى وصل الأمر عام 1920 إلى تدمير مساحة كبيرة من الأراضي الأسترالية، وهو ما بلغت تكلفته 350 مليون دولار سنويًا في ذلك الوقت.
إجراءات جديدة في حرب الأرانب
ومع فشل الطرق التقليدية وبناء الأسوار في الحد من انتشار الأرانب في الأراضي الأسترالية، بدأت الحكومة الأسترالية تلجأ إلى الطرق البيولوجية. فاستخدمت الأمراض سلاحًا في قتل الأرانب، فوقع الاختيار على أحد أخطر الأمراض التي تصيب الأرانب وهو مرض (الورم المخاطي) والذي جربته في بداية الخمسينيات من القرن الماضي ثم أطلقته في البراري بواسطة البعوض والبراغيث التي حقنوها بالفيروس الذي يصيب الأرانب فقط.
كان نجاح الفيروس في قتل الأرانب هائلًا، فقد استطاع الورم المخاطي أن يقضي على أعداد كبيرة من الأرانب، وقالت بعض التقارير إن نحو 99% من الأرانب ماتت نتيجة الفيروس، وقالت تقارير أخرى إن الفيروس قتل 500 مليون أرنب، لكن الأمر كان يحمل مفاجأة أخرى للمسؤولين في أستراليا.
على الرغم من أن أعداد الأرانب التي نجت من الفيروس كانت قليلة نسبة إلى أعداد القتلى؛ فإن الأرانب الناجية استطاعت أن تطور في أجسادها نظامًا لمقاومة المرض، ومع سرعة الإنجاب ورثت الذرية تلك المقاومة ليصبح فيروس الورم المخاطي بلا تأثير كبير على الأرانب، وينحصر دوره في مجرد نزلة برد بسيطة تصيب الأرنب ثم يعود بعد ذلك لممارسة حياته الطبيعية، أيضًا فالمناطق الداخلية في أستراليا لم يصل إليها المرض، وذلك لأنَّها ليست بيئة مناسبة للحشرات التي تنقل الفيروس، لذا فإن الأرانب استطاعت النجاة وانتصرت في تلك الجولة على الجهود الأسترالية التي تكلفت مبالغ طائلة.
لم تتوقف أستراليا عند هذا الحد، ولم ترفع الراية البيضاء، واستعانت بفيروس آخر وهو مرض (الفيروس النزفي) الذي يقضي على الأرانب بسرعة كبيرة، وتم إجراء التجارب في جزيرة غير مأهولة بالسكان، ثم نشرته المرض على الأراضي الأسترالية بالطريقة نفسها، لتأتي النتائج المدهشة في مدة قصيرة ونجح الفيروس النزفي في القضاء على أعداد كبيرة من الأرانب التي تحتل البيئة الأسترالية.
من ناحية أخرى، فإن الفيروس النزفي قد انتشر من أستراليا إلى أوروبا وأمريكا بسبب البعوض، وألحق أضرارًا كبيرة بمزارع الأرانب الموجودة هناك. لذا فإن مكاسب الأستراليين في معركتهم مع الأرانب أدت إلى خسائر كبيرة في أمكنة أخرى من الكرة الأرضية.
الوضع الحالي للأرانب في أستراليا
على الرغم من هذه الجهود الكبيرة والحرب الطويلة التي خاضتها أستراليا بإمكاناتها الكبيرة ضد الأرانب؛ فإن الحرب لم تُحسم بعد، وما زالت أعداد كبيرة من الأرانب تنتشر في الأراضي الأسترالية، وهو ما قد يتطور إلى كارثة في أي وقت. وما زالت السلطات الأسترالية تبحث عن حل جذري يخلصها من أصحاب الفراء الناعم والآذان الطويلة.

من ناحية أخرى، فإن الأستراليين لا يستهلكون لحوم الأرانب بكميات كبيرة، وذلك لأسباب عدة، أهمها أنه لا يمكن التحقق إذا كان الحيوان مصابًا بفيروسات نتيجة الحرب البيولوجية، كذلك فإن أسعار اللحوم الخالية من الأمراض تعد باهظة الثمن على الرغم وفرة الأرانب في البلاد، لذا يتجه الناس إلى اللحوم الأخرى.
وقد تكون حرب الأرانب في أستراليا درسًا قاسيًا للبشرية لكي تتعلم عدم التدخل في النظام البيئي، فقد كان إحضار عدد قليل من الأرانب إلى بيئة جديدة لا تناسبها بغرض الصيد وكسر الملل سببًا في كارثة بيئية وتعرُّض كثير من الأنواع للانقراض.
أيضًا فإن الحرب البيولوجية التي شنتها أستراليا على الأرانب كانت سببًا في أضرار بيئية أخرى، إضافة إلى الخسائر التي حدثت في مزارع الأرانب في أوروبا وأمريكا، وهو ما يجعلنا نقرأ الدرس جيدًا علَّنا نستفيد منه في المستقبل.
في نهاية هذا المقال الذي تناول قصة حرب الأرانب في أستراليا منذ بدايتها حتى الآن، نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة. ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.