تُعد حرائق الغابات من الكوارث البيئية المدمرة التي تخلف وراءها دمارًا هائلًا وتؤثر في النظم البيئية والمناخ على نطاق عالمي، ومع تزايد وتيرة هذه الحرائق وشدتها في مناطق عدة من العالم خلال السنوات الأخيرة، ويبرز التساؤل في العوامل الكامنة وراء اندلاعها: هل هي قضاء وقدر طبيعي بحت، أم أن لليد البشرية دوراً أساسياً فيها؟ وما تأثير التغيرات المناخية المتسارعة على هذه الظاهرة؟
يتعمق هذا المقال في علم الحريق، يستعرض الأسباب المختلفة التي تؤدي إلى اشتعال الغابات، ويسلط الضوء على العلاقة المعقدة بين الظروف البيئية ونشاط الإنسان في إشعال فتيل هذه الحرائق المدمرة.
تعد الحرائق التي تحدث في الغابات في عدد من أنحاء العالم من الأحداث المؤلمة التي تتسبب بدمار بيئي وخسائر كبيرة، ومع تزايد هذه الحرائق في مختلف أنحاء العالم يتساءل البعض: هل يمكن أن تندلع هذه الحرائق دون تدخل بشري؟ وهل للظروف المناخية دور في تزايد هذه الكوارث؟ هذا ما سوف نجيب عنه في مقال اليوم فتابع معنا.
الأساس العلمي لعملية الاشتعال وكيف يحدث؟
الحريق تفاعل كيميائي يحدث عندما تلتقي مادة قابلة للاشتعال مع الأكسجين الموجود في الهواء، وتصل إلى درجة حرارة معينة تعرف بدرجة الاشتعال، هذه هي الحرارة التي إذا وصلت إليها المادة تبدأ بالاشتعال، لكن ليست كل المواد قابلة للاشتعال على النحو نفسه، فتوجد ثلاثة عناصر أساسية لحدوث الحريق، وهي مثلث يشمل:
أولًا: الوقود
المادة التي تشتعل، ويمكن أن يكون الوقود في ثلاثة أشكال: صلب؛ مثل: الخشب، والورق، والقماش، أو سائل أو شبه سائل؛ مثل: الزيوت، والشحوم، والبنزين، والكحول، وغازي؛ مثل: غاز البوتان، والميثان.

ثانيًا: الأكسجين
يوجد هذا الغاز في الهواء بنسبة تبلغ 21%، وهو ضروري لعملية الاشتعال.
ثالثًا: الحرارة
إذا وصلت المادة إلى درجة الحرارة اللازمة للاشتعال فإنها تبدأ بالتفاعل، هذه الحرارة قد تأتي من عدة مصادر؛ مثل: الشرر أو اللهب أو الاحتكاك أو أشعة الشمس.
هذه العوامل الثلاثة تعمل معًا؛ لبدء الحريق، وإذا فقدنا أحدها لا يمكن أن يحدث الحريق.
إخماد الحرائق.. إستراتيجيات كسر مثلث الاشتعال
عندما يندلع الحريق يخمد بكسر أحد الأضلاع الثلاثة لمثلث الحرائق، بمعنى آخر منع توافر أحد العناصر الثلاثة التي تحدثنا عنها: الوقود والأكسجين والحرارة، إليك كيف يطبق ذلك:
منع الأكسجين من التدفق
يمنع الأكسجين من الوصول إلى النار، ويكون ذلك (بالخنق) أي تغطية الحريق بشيء يحجب الأكسجين مثل استخدام بطانية الحريق.
وقف تدفق الوقود
يمنع الوقود من الوصول إلى النار، ويمكن فعل ذلك بتجزئة المواد القابلة للاحتراق أو إبعاد المواد التي لم تشتعل بعد.

فصل المصدر الحراري
بتبريد النار؛ أي خفض درجة حرارتها إلى ما دون درجة الاشتعال، وهذا يحدث عادة برش الماء على الحريق؛ لتقليل الحرارة وإطفاء النار.
أسباب اندلاع حرائق الغابات عوامل بشرية وطبيعية
حرائق الغابات ليست صدفة، بل نتيجة اجتماع ثلاثة عناصر أساسية: وقود (مثل الأشجار والنباتات)، وأكسجين من الهواء وحرارة كافية لبدء الاشتعال، ففي الغابات الوقود والأكسجين موجودان طول الوقت ويبقى فقط توفر مصدر حرارة وهنا تبدأ الحكاية.
الأسباب البشرية للحرائق
أحيانًا يكون الإنسان هو البطل السيئ في القصة؛ ليس لأنه تعمّد حرق الغابة، بل لأنه تصرف بلا وعي، تخيل أحدهم في نزهة يشعل سيجارته وينفث الدخان ثم يرمي عقبها المشتعل على الأرض الجافة كأنها مجرد رصيف، لحظة واحدة فقط، لكنها كافية؛ لتحول العشب اليابس إلى شرارة، والشرارة إلى نار، والنار إلى كارثة.

لكن السيجارة ليست وحدها الجاني، أحيانًا يشعل الناس نارًا للطهي أو للتدفئة في المخيمات، ثم ينسون إطفاءها جيدًا، وأحيانًا تترك زجاجة ماء فارغة تحت الشمس فتتحول عدستها إلى أداة تركيز لأشعة الشمس فتشعل النار من لا شيء، وقد يقيم البعض حفلة قرب الغابة ويستخدم شموعًا أو ألعابًا نارية، ويوجد أيضًا من يحرق بقايا الزرع بعد الحصاد دون أن يراقب النار فتفلت من يديه.
الأسباب الطبيعية للحرائق
أحيانًا لا يكون الإنسان هو من يشعل فتيل الحريق، بل تكون الطبيعة مَن تبدأ القصة، كأنها تثور أو تعبر عن غضب دفين.
فمثلًا البرق ومضة سريعة في السماء، قد تضرب شجرة أو كومة أوراق جافة فتندلع النار فجأة، وتجد الرياح فرصة لنقل اللهب من مكان إلى آخر، حتى تتحول الغابة إلى جحيم مشتعل.
أما أشعة الشمس فليست دائمًا تلك الرفيقة اللطيفة التي تمنح الدفء، بل قد تصبح قاسية في أيام الصيف الحار، فتجفف الأعشاب والنباتات، ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة تصل الأشجار إلى نقطة الاشتعال وتبدأ بالاحتراق، وغالبًا ما تشتد هذه الحرائق في ساعات الظهيرة حين تكون الشمس في أقصى قوتها.

ثم يوجد ما هو أعجب: الاشتعال الذاتي نعم، فبعض المواد مثل القش الرطب لا تحتاج إلى شرارة خارجية، بل تبدأ التفاعلات البكتيرية داخلها بإنتاج حرارة، ومع الوقت ترتفع درجة الحرارة حتى يشتعل القش من تلقاء نفسه، وقد يحدث ذلك في أسابيع من تخزينه دون أن يلاحظ أحد.
ولا نغفل الاحتكاك بين الأشجار فقد تتلامس الأشجار الجافة بفعل الرياح، تمامًا كما تشتعل أعواد الكبريت عند احتكاكها، فتشتعل النار في الغابة من مجرد تلامس متكرر بين الأغصان اليابسة.
دور التغيرات المناخية في تفاقم حرائق الغابات
إضافة إلى الأسباب المباشرة للاشتعال، تؤدي الظروف المناخية دورًا حاسمًا في تهيئة البيئة لاندلاع حرائق الغابات وتفاقمها، ويُشير العلماء إلى أن التغيرات المناخية الناجمة عن النشاط البشري تسهم في زيادة خطر هذه الحرائق وشدتها وانتشارها، وتُعد هذه العلاقة من أبرز التحديات البيئية التي يواجهها العالم حاليًّا.
ارتفاع درجات الحرارة العالمية يؤدي إلى تبخر المزيد من الرطوبة من التربة والنباتات، ما يجعل الغابات أكثر جفافاً وأكثر قابلية للاشتعال، هذا يزيد من كمية "الوقود" الجاف المتاح للنيران.
ازدياد وتيرة وشدة موجات الحر وفترات الجفاف الطويلة، كما هو موثق في تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، ويوافر الظروف المثالية لاندلاع الحرائق وانتشارها بسرعة خارج السيطرة.
التغيرات في أنماط الطقس، مثل تبدل توزيع هطول الأمطار وزيادة سرعة الرياح أثناء العواصف، يمكن أن تزيد من خطر حرائق الغابات وتعيق جهود مكافحتها، هذه الظواهر الجوية القاسية أصبحت أكثر شيوعاً وارتباطاً بالتغيرات المناخية.

بينما يمكن أن تبدأ حرائق الغابات لأسباب طبيعية أو بشرية، فإن التغيرات المناخية تعمل كـ(مضاعف للتهديد)، ما يجعل الغابات أكثر عرضة للاشتعال وأكثر صعوبة في إخماد الحرائق بمجرد اندلاعها.
يظهر تحليل أسباب حرائق الغابات أنها نتاج تفاعل معقد بين توافر مثلث الحريق، والعوامل الطبيعية كالبرق، والأنشطة البشرية التي غالبًا ما تكون السبب الرئيس، ومع تفاقم آثار التغيرات المناخية التي تزيد من جفاف الغابات وتهيئها للاشتعال، تصبح مسؤوليتنا المشتركة في الوقاية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
ويتطلب الحد من هذه الكوارث زيادة الوعي بمخاطر السلوكيات البشرية غير المسؤولة، وتطبيق إجراءات وقائية صارمة، إضافة إلى تضافر الجهود العالمية لمواجهة التغيرات المناخية التي تغذي هذه الحرائق، لضمان مستقبل تحافظ فيه غاباتنا على حيويتها وتبقى رئة خضراء لكوكبنا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.