حديث نفس

يقول الطنطاويّ في مقدمة كتابه حديث نفس، أرجو من القارئ ألّا ينظر في فصل من فصول هذا الكتاب حتى يرى تاريخ كتابته، فليس كل ما فيه لعليّ الطنطاوي الذي يكتب هذه المقدّمة، بل إن كلّ فصل فيه لعليّ الطنطاوي الذي كان في ذلك التاريخ، وليس المؤلف إذن واحداً ولكن جماعة في واحد وكذلك الشأن في كل إنسان، ولا عجب أن يبدل الإنسان في السنة الواحدة رأيا برأي، وعاطفة بعاطفة فكيف لا تتبدل آرائي وعواطفي.

إننا نتبدل ونتغيّر ونتلوّن على أنفسنا، لا نستقر على حال، ولا تهدأ فينا حركة النفس،

إننا نتأثر بالحزن الذي يتسلل للقلب ويسري مع الدم حتى كأنه يرشح في مسام الجلد فيتنفس بصعوبة، هذا الثقل كما وصفت د. هبة عزت يظهر في حركة الأعضاء، في البطء في خطى السير، في الرمادية التي تكسو ملامح اللون، وتجعل الأخضر باهتًا كأنه درجة من درجاتها..

هذه الرائحة للحياة كأنها بلا رائحة، كأنها صماء حتى في استقبال الأنف لها، وهذه الرغبة اليومية كل صباح في النوم ساعة أخرى وتأجيل المواجهة، وهذا الشعور بالكمد وهذا الإحساس بالعجز وهذه الرغبة المستمرة في البكاء بلا دموع، كل لقطة من هذه اللقطات لها في كتاب الله مخرج وكل علامة جرح على شغاف القلب لها في آية دواء، وكل حرف يغزل من ألوان الكون كسوة جديدة، تغطي صفحات الدنيا، وتثبت القدم، وتمسح الدمع، وتدفع لاستقبال الساعات الأولى من اليوم بيقين. 

يا صديقتي حين تسألين عن ماهية حديث النفس؟ أو كيف يتبلور بأعماقنا، لا بدّ أن أشير لما سبق، لا بدّ أن أذكرك أن هذه النفس لا تثبت على رأي، وأنها تتبدل كأوراق الخريف ولكن ليس تزامنًا مع الفصول الأربعة، إنّما تزامنا مع كلّ شيء، فكل الأشياء قابلة لتغيّر شيئًا ما في هذه النفس، من الرأي وحتى المزاج!

أمّا الأمر الثاني الذي أردت شد يدك عليه، هو الشيء الوحيد الثابت والمعجز رغم تعاقب الزمن ألّا وهو كلام الله، فهو لا يتغيّر كما تتغيّر النفس، هو كلام ثابت محكم، شفاء لعلل الفؤاد، طبيب للنفس في كل أحوالها، وأستطيع القول يا صديقتي ما وجدت مثل كتاب الله صاحبا في أشد لحظات الحياة مرارة، وما وجدت نافذة أوسع منه كي أطل منها على النفس وعلى الآفاق البعيدة، وهذا ما يدفعني لأقول لك: انظري في خاصّة نفسك ودقّقي فيما فعلت في يومك وأمسك، ولتنصفك عينك لا عين الناس، ولا تنسين نفسك الانشغال بالناس، فهذه الوصية هي من أنقذتني من الغرق في يم الحياة، وها أنا أنقلها إليك كما وصلتني.

أخيرًا إن أحاديث النفس تتدفق بتدفق الحياة فينا، تروينا إن كانت باسمة، وتصيبنا بالعطش إن كانت عابسة، وتحلو رغم مرارة الأيام إن كانت الأحاديث راضية، وإن سألت لماذا راضية تحديدًا؟

سأجيبك لأن السرّ كلّ السرّ في الرضا. 

Diligent, ambitious business professional and certified emotional intelligence practitioner with more than 12 years of diverse experience making an impact across multiple industries. Strategic thinker with a proven track record of successfully planning and managing financial, personnel, and operational aspects. Dynamic leader adept at building and retaining high-performing teams. Core strengths include lecturing/training, general management, and program development. Ready to leverage knowledge and experience to provide exceptional experiences for students, faculty, and staff at a renowned educational institution.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

Diligent, ambitious business professional and certified emotional intelligence practitioner with more than 12 years of diverse experience making an impact across multiple industries. Strategic thinker with a proven track record of successfully planning and managing financial, personnel, and operational aspects. Dynamic leader adept at building and retaining high-performing teams. Core strengths include lecturing/training, general management, and program development. Ready to leverage knowledge and experience to provide exceptional experiences for students, faculty, and staff at a renowned educational institution.