حديث صادق مع النفس.. عندما تكون أنت صديقك الوحيد

أفقد القدرة على النطق أحيانًا وأتبخر، كل كلماتي تتجمد، صرخاتي وضحكاتي، كل الانفعالات يسيطر عليها صمت أنيق كهدوء الفجر، بعيدًا عن صخب الجدال الذي لا يُقدم ولا يُؤخر، ولا يدفعني للنطق أصلًا، حينها أتخذ مقعدًا على حافة الكوكب، وأتأمل الخلق بنظراتي المتأففة من فقر حروفهم وعبثية منطقهم!

أحدهم يحاول إضفاء جو الفكاهة بمزحة من موضة السبعينيات، لم أهضمها حتى الآن ولن تستقبلها أحشائي، وهو لم يكف عنها على الرغم من فوران دمي، وغيره يسرد تفاصيل الحلقة الأخيرة من مسلسل حضره مئات المرات، وكل مرة بتحليل مختلف كما لو كان المؤلف والمخرج والمنتج في آنٍ واحد، وسيدة تؤكد لأخرى أن كيلو البطاطس زاد جنيهات فوق سعره هذا الصباح، فيحتدم النقاش حول استفهام واحد: ما الطبخة الاقتصادية البديلة في ظرف كهذا؟

كلام كلام كلام....

وأما عني، فأنسحب، بكرامة عقلي والوحدة التي تبتلعه وسط الحشود!

فهل هُناك انسحاب أكثر نبلًا من الخروج بك عن الثرثرة وجفاف المعاني؟

الحقيقة أن في وضع مثله يصبح حديث النفس هو الملاذ والمأوى، والنجاة كما تردد في خاطرك للتو.. إضافتك في محلها.

الحقيقة أني أُحب أن أتبادل الأفكار معها، أنقل لها آخر أخباري من الأزمات التي عصفت بي مؤخرًا، وكل مخاوفي الوهمية التي تحجبني عن السعادة، لعلها تأتي بالحلول، وتُسكن العلل، فأنا أُحسن الظن بها على الدوام، وهي تستحق الثقة منذ أن عرفتها.

لعلك تتساءل الآن: كيف يكون حواري مع نفسي؟

تنصت باهتمام، تسبق عمرها بأعمار من الفصاحة، لا تمل من بعثرتي ولغتي المتلعثمة، متواضعة بحق، لا يشغلها مظهري الأقل من هيبة اللقاء ودموع مزاجي الهرموني المتقلب.. باختصار، صدقها يأسرني.

أتلذذ بالرجوع إليها في أموري الخاصة، وأتذكر أنني أسألها عن رأيها بحميمية الأصدقاء: نفعل كذا؟ هل أحسنت اختيار فستاني الجديد؟ ماذا عن مخططنا لسهرة الليلة؟ وبمنتهى الصراحة، أكترث بجوابها ولو خالف المعقول.

إن الحوار مع النفس فيه متعة لا تُقارن بالتسوق بميزانية مفتوحة أو بتذكرة سينما (ميد نايت)، وإن لم أخرج منه بنصيحة أو فائدة ملموسة، فيكفي أنها تقبلني على كل حال، وإنه لشرف كبير أن تنتشلني بنعومة في أيام أبغض فيها حتى سماع اسمي!

لقد تحدثت معها اليوم، كان الحديث بشأن أمر يخطف النوم من عيني، تشتت قراري بين الكلام والسكوت، بين أن أطلق له العنان لأرتاح من ثقله، وهُنا مجازفة، فقد لا أتمكن من صياغة غلياني كما يجب ويُساء فهمي، أو أنشغل عنه باللا شيء، وهو أيضًا إنذار خطر، فربما لا أطيق الكتمان أكثر وأنفجر!

بعد تفكير، اخترتها، اخترت (نورا) للمهمة الصعبة، أو (نوارة) كما تُحب أن يُقال عنها، سألتها بألم: كيف وصلنا لهذا الحد؟! هل أحتاج استراحة عاجلة أم أنها مرحلة مؤقتة وسأعود إلى رشدي؟ ما العمل؟! أنا على المنعطف الآن، أتوسل إليكِ افعلي أي شيء! واستجابت كالعادة.

المدهش أنها عملية تواصل توحي بالهذيان في نظر البعض، مجنونة! هكذا تقول، أليس كذلك؟ ولكنها تُجدي نفعًا، فأنا قبلها ثائرة وبعدها مطمئنة، وأصبحت لا أشعر بالتحسن إلا بتلك الأوقات، أو بتعبير أدق فلا أظلم أوقاتي الهانئة الأخرى، هي واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا بالإيجاب على حالتي الفكرية، وإليكم الدليل، فأنا أكتب الآن بمفعولها السحري، بعد أسابيع من عقوق الورقة والقلم.

غريب أن تواجه نفسك بمحض إرادتك!

أنت أمامك، تخيل!

مخلوق يسعى ويحزن ويعشق ويُقاوم أمام مرآة لا تُجمل الواقع، ولا يُمكنها تزييف الحقائق أبدًا، كأنها محاكمة طارئة أقف أمامها عارية من المجاملات الاجتماعية وآفة النفاق التي يتميز بها أهل الأرض.

الجميل أنني أُرحب بأحكام العدالة، لا إنكار، لا تهرب من المسؤولية، الجاني مصيره قفص الاتهام، والبريء يغتسل بشعاع الحرية، واسمحوا لي في هذه المناسبة أن أعترف أمامكم (أنتم ونفسي) بسر صغير أو عيب جسيم.. إن قسوتي عليها في بعض الأحيان تُفزعني! ضمير حي أو جلد الذات، لن تفرق المسميات والوجع يحرقني.. فمن منكم يُصدق أن وجه البراءة هذا خلفه حوافر دامية؟!

أشفق عليها من صرامتي في مواجهات العتاب والحساب.

كيف بدر مني ذلك التصرف الأحمق؟!

ألم أقل لكِ أن نتماسك قليلًا؟!

ثورة غضبي لا تُحتمل، صراحتي تبدو جارحة، نبرة صوتي لم تعجبني، لمسة يدي باردة ترتعش، لم أعهدني حائرة بهذا الشكل، وخطأ الأمس، أين كانت فصاحتي تلك ساعة ارتكابه؟! إنها درجة عالية من التهور لن أُمررها أبدًا.. واتهامات كارثية من هذا القبيل.

ولكن بعض المرونة مطلوبة، فإن الكون لن يستمر إلا بالتجاهل والرحمة في التعامل معك، ودونهما فهو الهلاك.. ليتني أستطيع!

أراك انزعجت من الأسلوب، قلة ذوق وعنجهية؟ أعرف.. فماذا عنها؟!

قالها محمود درويش وحسم الموقف: «لعلي أخطأت، لكنها التجربة».

سأحاول أن أتصالح معي، مع كل التناقضات والمزايا والعيوب، أستسلم لنقصي واحتمالية هزيمتي في حروب الدنيا، عادي جدًا، فلن تدوم الصلة بيننا والخوف بطل المشهد، لن أفلح ونفسي ترهب البوح لي، طفولتها لا تهون، لا أُريد أن أفقدها كما فقدت كلماتي لوقت طويل، وهو ما أُجاهد لإصلاحه قبل أن أخسر محبتها، وهي خسارتي الكبرى.

لحظة..

لعلك تتساءل من جديد من ملاحظة صائبة: «أنا، هي، عني، معها».. لماذا تصفها كأنها إنسان آخر غيرها، وهي ونفسها واحد؟!

لا تتعجب، ليست (شيزوفرينيا) حادة، إنما هي طريقتي للإبحار في الأعماق، أعاملني بهذه الطريقة وأجدها فعالة حقًا، أنشق عني ليتجسد كياني، فأراني بوضوح لأتمكن من إجراء حوار ناجح، أعمل على متطلبات المدة القادمة، وأبحث عن إجابة لو عرفتها يموت الجهل.

من (أنا)؟ ما احتياجاتي؟ هل مشاعري على ما يرام؟ وأفكاري تسير على النهج السليم؟ هل نبضي حي؟

هو امتحان مفاجئ للوعي، وكما يُعلم الأب ابنه، وتُهذب الأم صغارها، أُطبق المبدأ معي ولا أشعر بأي حرج، بالعكس، أحمد الله على صداقتنا الاستثنائية، نعم، أنا صديقة نفسي، ألا تراه الوفاء بعينه؟

يا صاحبة النص، لقد تنازعنا مرارًا إثر أفعال غير محسوبة ندمت عليها أشد الندم، وطال الخصام بيننا انتقامًا وتأديبًا حتى خمدت نيراني وعطفت عليكِ مجددًا، وفي النهاية أتأملني بكل المنحنيات: الجنون، العصبية، الشجاعة، العند، عادات الورقة والقلم، الانسجام مع الموسيقى الهندية وقراءة الكتب على ضوء الليل، فأدرك أنني أُحبكِ كثيرًا يا مشاغبة!

غلظتي ليست من طباعي وتعرفين مدى هشاشة إحساسي، والمعضلة تكمن في شخصيتي المتمردة، آهٍ وكم متمردة! وعليه فيلزمني ممارسة الحزم كي لا أحيد عن المنطق.. وإلا فهي المصيبة!

لا تحزني من شراسة قولي، والحرمان من آنٍ لآخر هو ببساطة تربية وتقويم في زمن يحتضر، وللحفاظ على الخير فينا لا بد من دفع ضريبة، لا مفر من إعادة النظر يا نفسي، تأملي أكثر، فالعالم يتوحش، والإنسانية على المحك، والتغيير يبدأ أولًا من الداخل، صحيح؟ لذا ساعديني على الثبات، أنتِ أمانة تُكلفني الكثير..

عزيزتي (آخر العنقود).. شكرًا على الصبر والكرم حتى الأخطاء التي هي أساس تطوري.. سامحيني.. وسأنفذ ما اتفقنا عليه.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.