حديث المترو.. العاملة الشريفة والمتسول الغني

دخلت إحدى المحطات التي تحمل اسم سراي، حيث يقع عن يمينها ويسارها قصور من العصر الملكي، أفتش بعينيَّ عن مكان أتظلل فيه، فالحرارة اليوم مرتفعة جدًا، وبسبب ظاهرة قطع الأشجار المنتشرة أخيرًا، تجد صعوبة إلى حد ما في التظلل.

بينما تجوب عيناي في المحطة في انتظار القطار، أرى مشهدين، أحدهما لمتسول يدَّعي المرض، يستعطف الناس ويرد عليهم بالدعوات إذا ما أعطوه من مالهم، ويفتش في عيون الناس عن التعاطف. ولكن لم يكن هذا المشهد هو المؤثر، فهناك ما هو مؤثر حقيقي؛ امرأة بالخمسينيات من العمر ترتدي زي إحدى الشركات الخاصة بالنظافة، تجوب المحطة ذهابًا وإيابًا تفتش عن أي مخلفات لتخلص المحطة منها، لم تعلق عينيها بالناس، تعمل بهدوء وإتقان، اقتربت منها وسألتها: ألا تأخذين راحة، الشمس شديدة اليوم؟

- لم أنتهِ من عملي، وليس هذا وقت الراحة الخاص بي.

متي يكون؟

- بعد ساعتين من الآن.

(يقطع الحوار صوت ارتطام إحدى الزجاجات البلاستيكية بالرصيف، فقد ألقاها المتسول بعد الانتهاء من مشروبه، ومن ثم قامت العاملة لالتقاطها).

سألتها مرة أخرى: هل أنتِ راضية؟

- عن ماذا؟

العمل.

- وهل لديَّ غيره، أعول أسرة بكاملها.

وماذا عن هذا المتسول، ألديه أسرة أيضًا؟

- لا أعلم بشأنه، ولكن كل ما أعلمه أنه ليس مريضًا كما يبدو، وأن ادعاء المرض والمكوث هو وسيلته في كسب العيش، وأنا وسيلتي الصحة والسعي على قدمي.

أليس التسول يجلب له مالًا أكثر من راتبك؟!

- أكثر؟! التسول يجلب له يوميًا مثل راتبي الذي أحصل عليه في الشهر.

ألا يملك أحد عقلًا ليميز المحتاج حقًا من المدعي؟!

- لا، فالناس يتحركون بقلوبهم وإن كانت صدئة، يميلون دومًا لمن يمثل دور الضحية.

ولكن انتشرت قصص كثير من هؤلاء المتسولين وهم لديهم حسابات بنكية بمبالغ كبيرة وكثير من العقارات، ألا يتعظ الناس ويتحرون مواضع صدقاتهم؟!

- الناس دومًا في عجلة حتى في صدقاتهم، لا يفكرون قبل أن يعطوا؛ ولذلك يكون للمتسول الغني الأحقية دومًا.

ولكن هل العجلة تجعلهم يتجاهلون الحقيقة؟

- الحقائق تُنسي.

ولماذا لم تفعلي مثله؟

- لست أهلًا للتسول، ولا الحصول على ما أريد بطريقة الضحية، على العكس إن أكثر ما أكره في حياتي هو دور الضحية، ولا آخد حقي إلا مرفوعة الرأس، ولا أحصل على رزقي إلا بتعبي، أحيانًا يرمقني بنظرات شماتة وانتصار، أنا أتعب من أجل الفتات من العيش، وهو يأخد كسب غيره وهو جالس في مكانه، يظن أن هذا ذكاء، ولا يعلم أنه مسلوب الضمير، وأنه لو يشعر لاستحى من نفسه.

(فاتني قطار وراء قطار وأنا أتحدث معها، لم أمل الحديث معها).

كلامك مؤثر جدًا، هل تعلمتِ؟

- الإعدادية فقط.. ولكن لا يلزم علم المدارس ليتحرك الضمير، يكفي أن يعلم الإنسان كيف يكون إنسانًا.

نظرت في ساعتي، واعتذرت لها: لقد تأخرت كثيرًا.

ولكن شكرتها والتحقت بالقطار القادم، وأنا أفكر فيما قالت، ولم يُجب في داخلي إلا شعور واحد: إلى متى يظل معدومو الضمير يتنعمون على حساب غيرهم؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.