أصعد إلى إحدى العربات، تلفت نظري امرأة عجوز، لكن سيبدو لي في النهاية أنها في أوائل الخمسينيات، لكن الهموم أثقلتها.
تجلس على أرضية العربة بين مقعدين، وتستند إلى باب مغلق يفضي إلى عربة أخرى، وعلى جانبيها تجلس فتاة على مقعد في كل جانب، انزعجت، وبدا ذلك على ملامحي، أزعجني أن تجلس المرأة العجوز أرضًا، والشابات على المقاعد، لاحظتِ المرأة ذلك، ثم بدأت بالحديث..
- أنا من رفضت الجلوس، وفضلت الأرض.
- لماذا؟
- كلتاهما شابتان يبدو عليهما الإجهاد.
- وعليك أيضًا.
- لكن أنا أركب المترو مرة وسينقضي طريقي، أما هما فيبدو أنهما تركبانه دائمًا سعيًا إلى لقمة العيش.
- ليست كل الأعمال شاقة، وليست كل الفتيات تعمل من أجل لقمة العيش.
- ربما، لكن في قلبي دائمًا شفقة على الفتيات اللواتي تعمل.
- لماذا؟
- كان لدي فتاة اسمها (حياة)، توفيت في الطريق إلى العمل، لم تبدأ مأساتي عند الوفاة، بل قبلها، كانت ظروف العمل نفسها هي المأساة..
- كيف؟
- يبدأ العمل من السادسة صباحًا بعد شروق الشمس في أحد الحقول لحصاد الفاكهة، وتنتهي قبيل الغروب بقليل..
دهشت طبعًا لما سمعت..
- ليس هذا فقط، تقطع ابنتي طريقًا طويلًا يستغرق تسعين دقيقة في إحدى العربات المتهالكة التي تصلح للنقل البشري؛ للوصول إلى الحقل، ثم تقبض في نهاية اليوم مئة جنيه، هل تتخيلين أن تقضي شابة يومها كاملًا من رصيد صحتها وشبابها ووقتها من أجل مئة جنيه؟ هل يساوي عمر ابنتي مئة جنيه..
ـ وهل كان العمل ضروريًا؟
- نعم، كان ضروريًا جدًّا، كانت ابنتي مخطوبة، ولأن من عادات القرية أن يُتباهى بجهاز العروس، فتحضر أكثر مما يلزم، كي تغلق أفواه الناس، وتمنعهم من الحديث عن أهلها.
ـ وهل تتزوج عمدة القرية؟
- أبدًا، لكن للأسف في قريتنا تعاير الفتاة بجهازها، والرجل لا يعاير.
تملكتني مشاعر الحزن والغضب..
- تخيلي أن ابنتي دفعت شبابها وصحتها ومالها من أجل ألا تعاير، وألا يمس أهلها كلمة سوء، ثم في النهاية دفعت حياتها بعد حادثة مرورية نتيجة إهمال البشر، هل تدركين الآن لماذا أشفق على الفتيات؟
ـ أدرك، وأدرك حجم الخلل الذي أصاب المجتمع والكوارث التي نتجت..
- سأنزل في المحطة التالية لأصل إلى محطة القطارات، وأعود بعد ذلك إلى القرية.
مددت إليها يدي لتنهض، لكن في الحقيقة كنت أود أن أمد لها قلبي لأخفف عنها..
- بالمناسبة أنا لست عجوزًا، أتممت الخمسين عامًا من عام فقط، لكن الحزن يأكل الجمال..
وضعت قبلة على رأسها، ثم نزلت، وصعد القهر إلى قلبي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.