حجر يلقى في بركة الموت

الموت تلك الحقيقة التي يتناساها الجميع، أو يجعلها نصب عينيه فتمنعه من أن يعيش الحياة كما يجب أن تعاش، هو زائر ثقيل يفاجئك كل فترة بإختفاء أحد احبتك ويذكرك بأنه عليك أن تكمل طريقك وحدك من دون أحبه .

 

وحتى موت الأعداء قد يؤثر فيك، فتكتشف أن إختفاء غريمك هذا قد ترك وراءه فراغاً كبيراً، حرمك متعة منافسته،شقاوة إغاظته، ولذة الإنتصار عليه .

 

الموت راحة من إمتحان الدنيا، وهو إمتحان صعب كل إختباراته قاسية وصادمة، تضعفك لبعض الوقت ولكنها تنحتك كحجر صلد إعتاد ضربات المعول فما عاد إنهمار الماء من حوله يؤثر فيه .

 

 

الموت إصطفاء، تزكيه

 

خروج من سباق شرس الكل فيه خاسر .

 

 

 

الباكون على الميت يبكون أنفسهم ولكن لا يشعرون..

 

يبكون حياة تكالبوا عليها فخسروا لأجل صغائرها الكثير، فمن أجل المال قد تخسر مبادئك، قد تهمل أهل بيتك ومن أجل اللذة قد تضحي بعلاقات حقيقية في سبيل المتعة المؤقتة.

 

من أجل المنصب قد تبيع ضميرك و تبدل الحق بالباطل، أو تغض الطرف عن شكوى من محتاج هنا

 

ومن مطالب بخدمة هناك من المفترض أن تكون أنت خادمه وليس خادم من بيدهترقيتك.

 

وأكثر ما يبكي الباكون وإن لم يعترفوا أن حياتهم التي عاشوها لم تكن أبدا الحياة التي رغبوها حقاً

 

عاشوا حياة خططت لهم من قبل الآخرين،بعضهم درس علوماً لم يرغبها، وتوظف بعمل إنتزع روحه لسنوات ولم يتركهخوفاً من فقر أو إرضاءاً لمن حوله، تزوج من شريك حياة لم يختره و لم يشاركه في الحياة سوى بصورة معلقة على الجدارو بوثيقة على يد شيخ تقول

 

( علاقة حلال، أبناء شرعيين، لكل منهما الحق في أن يرث الأخر ) .

 

لم يعش حقيقته، قال نعم خوفاً ممن حوله في وقت كل ما أراده هو أن يقول لا .

 

وهكذا يعيش المرء لعبة بيد نظام مجتمعي ديكتاتوري يبعثر أيامه فلا يتركه قبل أن يوصله إلى قبره في مراسم خططها له مسبقاً، وكيف لا وقد تحكمت العادات في حياته فمن المنطقي أن تكونميتته وفقاً لهذه العادات .

 

 

 

** لقاء مع الخالق

 

تحيط بالموت هالة المجهول، هالة قدسية بداخلها يتجلى الخالق عز وجل، الموت نهاية إختبار ولكن نتائجه لا يعلمها إلا من وضع الإختبار الكبير في الأصل، وهو الله الذي خلق السماوات والأرض والجنة والنار والملائكة والشياطين ثم خلق آدم المسكين الذي حمل أمانة إعمار الارض، و خلافة ثقيلة ابت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها، وحملها آدم

 

ومن بعده ذرية كبيرة تنتهي بذلك الميت الممد في قبره ينتظر أن يسأل عنها .

 

خلافة أختلف الجميع على ماهيتها، البعض يقول خلق الإنسان للعبادة، قال تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، إذن فجوهر الحياة عبادة مطلقة للخالق، تسبيحه وتقديسه، وعكوفاً على صلاة وصوم لا ينقطع،ألسنا بهذا التفسير تحولنا لملائكة؟!

 

البعض الآخر يقول خلق الإنسان لعمارة الأرض، عمل وتعمير و إبتكار وتطوير لأرض سلمها الله لنا، ثم يستردها منا فيرى ماذا فعلنا بها !؟

 

بعضهم لا يعترف بوجود خالق من الأساس، ولا جنة ولا نار ولا حساب ولا حياة بعد الموت، فليفعل الجميع مايريد !!!

 

وأرى هذا التفسير - بدون الدخول في أسبابه أو تفاصيله - باعثاً للفوضى، والرتابة

 

كيف نعيش حياة نقاسي فيها ما نقاسي، نظلِم ونُظلَم ثم نوارى التراب وينتهي كل شيء؟!

 

في رأيي الموت هو المحطة الأخيرة في رحلة خلود

 

إصطفانا الله لها ونفخ فينا من روحه لنحياها بمراحل مختلفة من الموت حتى حياة أبديه نحن من نختار كيفيتها من سعادة لا منتهية إلى شقاء لا منتهي

 

- وإن كنت ضد وجود عذاب لا منتهي أيضا - إلا لبعض الحالات الشاذة الغارقة في الظلام والإجرام والشر طوال رحلتها .

 

وأظن أن محاسبة الخالق لنا ستكون على شيئين وهما منحتين من الله

 

أولهما، الحياة نفسها، ماذا فعلت بعد أن منحك الله هبة الحياة ونفخ فيك من روحه لتكون خالداً .

 

وثانيهما السيادةوالحرية، بأن جعلك سيد المخلوقات وسيد الأرض وكل ما عليها خلق لتيسير حياتك وخدمتك، تتمتع فيها بحرية إختيار طريقة معيشتك في هذه الرحلة الفريدة

 

ماذا فعلت بالأرض وبالبحر والهواء، كيف عاملت البشر والشجر والحجر والدواب.

 

حتى الأزمات خلقت من أجلتقويتك وتطويرك وإخراج قواك الكامنة وإمكانيات فيك تجهلها.

 

وفي النهاية هل نسيت رسالتك التي خلقت من أجلها؟

 

وهل قابلت نعم ربك بالشكر ؟

 

هل وجدت هدفاً يجعل حياتك وحياة من حولك أفضل ؟

 

هل أنت على إستعداد لمقابلة الموت ؟

 

لا أطلب إجابات، ولا أدعي أنت أعرف كل ما يدور في فلك عالم الحياة والموت

 

ولكنه مجرد حجر ألقيه في بركة الموت الراكدة

 

المظلمة والمفعمة بالتساؤلات والكثير الكثير من الألغاز .

 

بقلم الكاتب


كاتبة وروائية صاحبة رواية أكتوبر ٩٢الصادرة من دار ازاد للنشر


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Apr 16, 2021 - kaan kaan
Apr 15, 2021 - أميرة المكي
Apr 14, 2021 - hind elmetwaly
Apr 13, 2021 - اماني محمد
نبذة عن الكاتب

كاتبة وروائية صاحبة رواية أكتوبر ٩٢الصادرة من دار ازاد للنشر