حتميَّة الهروب فلا ملجأ!


يراودني دائماً شعور الهروب... الهروب من العالم المزعج المليء بالضجيج الفارغ، والشهوانية المطلقة، واللا انتماء، إلا لمن تتفق مصالحي معه، كلا عالم ضيق وجميعه يدور في دائرة مغلقة ألا وهي التعب الزائف من أجل تحقيق سعادة وقتية تمرّ مرور الغروب، فيستيقظ المرء في سن متأخر ليعي أن حياته ضاعت في اللا شيء، وفي أشياء مهمشة أضاع عمره فيها...

فيندم ندم الموت وندمه يجعله منزعجاً فيؤدي به إلى ضياع ما تبقى من عمره في الندم على ما مرَّ من عمره فيما هو لا نافع، لا باقي، فيندم أكثر مما سبق متمنياً أن لو يرجع صبياً صغيراً ويبدأ من الصفر ممنهجاً عمره متيقناً أن لا يكرر غلطة فناء العمر فيما هو غير مُجدٍ، حياة مزعجة، السعادة فيها لا تقارن بأوقات الآلام التي تلحقنا خلال العمر... فالفرح يمرّ مرور الكرام أما الحزن فدائماً مرتبط بكل شيء، حتَّى أوقات السعادة في الأغلب تنتهي بحزن أو ذكرى مؤلمة.

أصبح الهروب واجب وملزم لكل من هو يشابهني، وكل من تقسو عليه الحياة، أما الجاحدين الطامعين فعليهم ألا يغادروا فهذه الحياة صنعت لمثلهم أما الذين يخشون مواجهة هذا العالم فعليهم بالفرار قبل أن يستيقظوا في نهاية العمر فيجدون نفسهم خاسرين.

فبقدر ما أنصحك عزيزي القارئ بالهروب من هذا العالم الصاخب، أوجهك بألا تهرب من ذاتك، يجب عليك مواجهتها جيداً، يجب أن تقف أمامها كل يوم لتحاسبها وتيقظها من آلامها وتتعرف عليها، فمن الممكن حينها أن تدركها جيداً، لا يهمك العالم ولا يزعجك، أعتقد إن عرفت ذاتك جيداً يمكنك مواجهة العالم دون قلق ولكن إن كنت تهرب منها فكيف تسأل لماذا أهرب من العالم!

تأتي علينا لحظات نريد أن نهرب من الناس والأشياء ونتمنى أن تفنى كل العوالم، ممكن أن نجد في هذا راحة لنا للهروب من المناقشات، والسخافات، والضجيج المستمر، وصياح العالم، الهروب من الصراخ والأنين، الهروب حتَّى من أشخاصنا المفضلين، الهروب من كل لذة ومن كل هو مرغوب لدينا...

أصبحت أيامنا هي تكرار لكل معاناة، وكل ما هو بائس ومحزن، ولا منفعة في أي شيء، فالنفس هُلكت من كل شيء، ولا رجاء في أي مما كان.

أصبحنا نهرب من يومنا ليأتي يوماً جديداً نهرب منه أيضاً، فهي أرض المعاناة ومكان مخصص للمشقة، فكل واحد سينال في النهاية أجرته بحسب تعبه عالمين أن تعبنا ليس باطلاً.

بقلم الكاتب


كاتب مصري . خريج كلية الاداب جامعة القاهرة. ماجستير في العلوم الفلسفية و الطب النفسي .


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتب مصري . خريج كلية الاداب جامعة القاهرة. ماجستير في العلوم الفلسفية و الطب النفسي .