حبّ من الجنة


يوم عادي، ممل لأنه يوم روتيني جدًا بالنسبة لمراهق في سن 17، شعر أن طاقته نقصت لكي يكمل الدراسة في هذا اليوم الخريفي، كان جالساً في آخر القاعة لا يهتم بما يقوله أستاذه.

فجأة رن جرس الاستراحة لقد انتهت ساعات الدرس الطويلة، كأن أبواب الجنة فتحت له، رمى كتبه وأدواته بصبيانية في محفظته، وهمّ بالخروج، أوقفه الأستاذ قائلاً:

-هارون، انتظر إلى أن يخرج جميع من في القسم.
التفت الفتى لأستاذه كأنه يترجاه لتركه، حين فرغ القسم من التلاميذ أضاف الأستاذ:

-لم تركز في أي حصة لي منذ أسبوع، هل هناك مشكلة؟

-آسف يا أستاذ، أنا فقط أحتاج لشيء جديد في حياتي مللت الروتين، أنا أعيش نفس اليوم منذ شهرين.

-حسنا، أنت معاقب لديك صفحات كثيرة من واجباتك المنزلية هكذا سيصبح لديك تغيير.

-أقسم لك أستاذي أنني فهمت جميع الدروس لا داعي لهذه الطريقة.

-أريد أن أتأكد!

غادر الأستاذ القاعة وغادر خلفه تماماً هارون، مشى بخطى متثاقلة نحو صديقه المفضل أيوب، الأصدقاء هم مسكن الروح؛ لذلك جلس بجانبه يشتكي همه التافه في نظر الكبار، ثم أمسك هاتفه ولم يرفع رأسه، متصفحا بالفراغ مواقع التواصل الاجتماعي، سمع صوتا لطيفا ينادي "أيوب، أيوب"...

رفع رأسه إنه صوت فتاة تنادي رفيقه، في لحظات غير متوقعة، توقف الزمن لهذا الفتى، وجد أمامه بنتاً شابة من عمره، بريئة المظهر، ملامحها جميلة زادها خديها لطافة، تتجه نحوه بفاه مبتسم، وشعر كستنائي تربطه كذيل حصان زادها جمالاً.

-أيوب، آه كنت أبحث عنك.

-ريم، أجاب أيوب، لا تتحدثي معي مجددًا، بسببك كنت سأطرد، ذلك الأستاذ يكرهني بشدة الآن بسببك.

التفت نحو هارون يخاطبه:
-كانت تجلس خلفي تماماً، كانت تلقي النكات طوال الوقت، ولكنها لا تضحك أبدا، لم أتمكن من إمساك ضحكاتي، لقد غضب الأستاذ كثيراً...

تبادل ريم وهارون النظرات، وجدت ريم فتى من سنّها، طويل القامة، أبيض البشرة، ذو عينان كبيرتان وشعر أسود يزيده جمالا.

أدرك أيوب أنهما يحدقان ببعضهما البعض فقاطع هذه اللحظات، وقال:

-بالمناسبة ريم أعرفك على صديق طفولتي، هارون إنه أعز أصدقائي... هارون هذه ريم انتقلت لهذه الثانوية منذ فترة قصيرة، كلفني الأستاذ محمود بمرافقتها لأنها جديدة على المدينة من الأساس.

-هارون، هل هذا هو صديقك الَّذي ينظم حملات للشباب، أنت مشهور على مواقع التواصل الاجتماعي.

-نعم أنا هو ذلك الشخص.
-تشرفت بمعرفتك.
-وأنا أكثر.

في هذا الخطاب البسيط، كان أيوب ينظر في عيني صديقه ليفتح مواضيع للحديث مع هذه الفتاة لأنه رآه معجباً، عرف هذا من نظراته لها.

ربما اللقاء الأول غير موفق، لكن كل من هارون وريم في قلبه إعجاب بالآخر، نحن لا نتحكم بالمشاعر، نحن نتحكم بالأفعال، كانت تجمعهما الصدف دوماً بعد ذلك اللقاء على حد قولهما.

لكن الصدفة هي أن تمر ريم بشكل يومي بجانب قاعة درس هارون، والصدفة أن يغيب أيوب عن الأنظار في الفسحة فجأة ليبحث عنه هارون ويسأل ريم عن مكانه، وهكذا تكاثرت الصدف، فأصبحت علاقتهما أفضل بكثير وخاصة حين شاركت ريم في تنظيم الحملات مع هارون، مرَّ على ما يفعلانه هذا من تعارف وتحادث ثلاثة أشهر، حتَّى دخل الشتاء.

عاد الروتين يتسلل لحياة الشابان، ذات يوم مساء ً كان الشباب ينظمون لحملة مراجعة في الثانوية، كان المكان يعج بالأصدقاء اليافعين، يرصفون الطاولات، يرتبون الكراسي، يوزعون الأوراق... ترك هارون كل هذا الصخب وابتعد قليلاً وادعى أنه ذاهب للتأكد من أن طاولات الأساتذة جاهزة.

يكذب، هو مشغول بمشاعره تجاه ريم وقد زاد الإعجاب إلى أن أصبح حباً، وقد طفح الكيل به وهو يفكر بإفصاح مشاعره لها، ومع كل خطوة له زاد ضيقه، ومع كل خطوة احتمال، ماذا لو رفضت ولم تكلمه مرة أخرى، ماذا لو تركت هذه المجموعة وتوقفت عن المشاركة في الحملات، ماذا لو... فجأة توقفت خطاه! همس:

-كيف خلق هذا الجمال!
كانت ريم هي من تنظم طاولات الأساتذة، وجدها ترتب الأوراق... هذه المرة لم تقيد شعرها بربطه كالعادة، سدلته على ضهرها وكتفيها، شعيرات من غرّتها يلامسون جفنيها، تبتسم كعادتها وقد زادها لون السترة الحمراء جمالاً، رفعت نظرها لهارون وغلبها الحياء من نظراته فتجمدت في مكانها، تقدم لها وقال:

-هل أتعبك العمل اليوم؟
-ليس كثيراً.
-هل تتركين عملك للحظة لنتمشى قليلاً؟
-أنهيته أساساً، أنا لا أمانع.

كان الأمر كالحلم تماماً، قال لها هارون:
-لم أرَ أحدا بجمالك أبداً، لقد غيرتي حياتي
-كيف فعلت هذا؟
-أنت تلهمينني يا ريم، أنا لدي مشاعر حبّ تجاهك، تلك المشاعر تتحكم بي منذ أشهر واليوم طفح كيلي، ريم أنا أحبك فعلاً، هل تصبحين خليلة لي؟

-لم أتوقع هذا أبداً.
-آسف أنا لا.
-أنت لا تفهم، أنا أبادلك نفس المشاعر منذ أن قابلتك، لم يطفح كيلي لأصارحك، لكنني أشعر بالحبّ تجاهك.

ذلك اليوم كان معجزة في حياتهما وقد أخبرا أهاليهما وأصدقائهما بهذا الخبر، حتَّى أن اعتاد الجميع بهذه العلاقة، كان الحبّ يصرخ في داخلهما، كانت الحياة كالجنة لهما... كانت تلتقط له الصور في كل لحظاته معها، إذا غمرتها السعادة صورت فيديو، تمسك بأصبع يده الصغير دوما وتتمسك بذراعه بشدة عندما يقطعان الطريق.

كانت تأخذ سترته وترش من عطره دوما... تشاركه تفاصيل يومها كل ليلة... تعض يده إذا غارت عليه، حتَّى لو من قطة... تضع تفاصيلها في كل مكان في غرفة نومه، في سيارته، في محفظته، في هاتفه... وهو كان رفيقها في الأكل، وفي الدراسة كان يضغط عليها لتركز في دراستها ولا يراجع دروسه إلا معها، كان يلصق صورهما في غرفة نومه... يحمل صورة لها تحت وسادته، في هاتفه، في سيارته، في محفظته، وفي حاسوبه.

كان يسرق منها عطرها ليرشه في كل مكان حوله... يشتري لها الأكل دوما بدل الورود... لا يرفض لها طلبا، يأخذها معه إن سافر مع عائلته... كان لا يخاطبها وهو جالس بقربها إن غار عليها، عاشا معاً حباً لا يتوقع أبداً.

كان الجميع يغار من حبهما... وهما في عالم الأحلام إلى أن صدمهما كابوس... عائلة ريم ستغادر البلاد، سيتفرق الحبيبان في المسافة لا المشاعر... كان اللقاء في سيارة هارون:

-ريم! ما بك هل ناديتني بشكل عاجل لنشتري أكلا أم لنلعب في المنتزه...؟
-حبيبي، هذه المرة يوجد موضوع مختلف.
-ماذا هناك؟
-أردت أن نتحدث في أفكار تملأ عقلي لا أكثر... عزيزي هل تؤمن بالحبّ حقاً؟

-طبعا!
-حتَّى لو كان مرفقاً بعدَّة مشاكل... كالحبّ من مسافات بعيدة؟
-هل تفكرين في أيام الجامعة؟ عزيزتي نحن سنختار نفس المدينة ونفس الجامعة، أنا لا أصدق بوجود حبٍّ من مسافات بعيدة لذلك سأكون بجانبك حتَّى في الجامعة.

-لما لا الحبّ هو حب.
-بالنسبة لي، الحبّ ليس مجرد كلام يجب أن أعيشه، أن أتذكر لحظاته لا رسائل نصية.

-أنا فعلاً آسفه، عليك أن تحاول اليوم بعد ساعة تماماً سنتجه للمطار سنغادر البلاد...

نزلت دمعة على خد ريم، بينما تجمد هارون دون حراك إلى أن تكاثر الدمع داخل عيناه فقال بصوت مرتجف:

-ساعة!
-أنا أحبك وأصرخ بهذا أحبك... حاول لأجلي لا أريد إيقاف هذا الحبّ... كنت مدركة، حاولت إقناعك منذ مدة لكنك لم تدرك لذلك أخبرك أنت في لحظاتي الأخيرة.

رفع هارون بصره ونظر في عيني ريم إلى أن انهمرت دموعه، ولم يجبها بحرف سوى النظر إليها... أجهشت ريم بالبكاء وقالت:
أفهم أنك استسلمت، لا تريد... حسنا سننهي قصَّة الحبّ رغما عن حبنا.

-لماذا؟ صرخ هارون، لماذا يا ريم؟ ما ذنبي ما ذنب الحبّ؟ فسرت لك لما لا يمكنني فعل هذا ألف مرة، لماذا حاربتني أنا بدل أن تغيِّري رأي والدك؟

-حاولت... ألف مرة، حتَّى أن أمك رفضت أن تسافر معي ومع عائلتي، حاربت العالم كله والعالم حاربني لأجل هذا الحبّ...

عم الصمت.. وزاد البكاء مسح هارون دموعه، وطلب من ريم مغادرة سيارته فقالت:

ماذا عن الوداع؟
قبل خدها لأول مرة وآخر مرة، وترجلت ريم من السيارة وأسرع هارون بالهروب... لكنه لم يبتعد انتظر خروج عائلتها للمطار وودعها بعينيه، ثم بكى لثلاث ساعات متصلات في سيارته... أخيراً أخذ كل ما يذكره بها وجمعه وحرقه، لكنه احتفظ بصورة لهما كان يحبها كثيرا.

مرَّت السنين وهو يرى كل فتاة لها غرة إحدى أشباهها الأربعين... أما عنها فكانت تتعالج لدى طبيبة نفسية لتمحي ذكراه... مرَّت السنين وهي تعمل وتدرس بجهد لتنسى تلك اللحظات... هي لا تريد الحبّ أبداً إلى أن أصبحت محامية وصاحبة شركات.

كانت متجهة لتشتري قهوتها... ككل صباح لكن هذه المرة نسيت محفظتها في السيارة، همت بالعودة لكن صديق لها كان موجود... دفع ثمن قهوتها، ثم قال لها:

-إنني برفقة صديق، إنه كاتب مشهور تعالي أعرفك عليه.
-حقا! تأكد أنني لا أقع في ألاعيبك هذه أنا لا أريد حبيباً.

-أنت في 27 من عمرك، ولم أرك برفقة أحدهم أبداً، اسمعي نحن نناقش كتابه... لديه كتاب اسمه "حب في الجنة"، أريد أن أترجمه ولأنك سيدة أعمال ومحامية تعلمين أريد نصيحة وبعض المساعدة.

-لا يوجد حب في الجنة أو ما شابه، إنها فكرة تجارية خاسرة.
-لكنها قصَّة حقيقية، إنها قصَّة الكاتب أساساً تعالي لأعرف عليه...
مشت والشك ينتابها كاتب، قصَّة حقيقية؟ وكما توقعت وجدت هارون أمامها...

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب