حبّ حتى الموت


أطال الشاب ذو الشعر الأشقر الحريريّ والوجه الوسيم والابتسامة الجميلة النظر في فتاة قد مرّت بجانبه، تزايد الزّحام حوله ثمّ اختفت في لمح البصر، كان كلّما نظر إليها بدأ قلبه يخفق بشدّة.

نشر الفجر ضوءه الحاني متسللًا من نافذة الغرفة وصاحبنا لا زال مستيقظًا يتخيّل الفتاة التي ظهرت فجأة وخطفت قلبه، يتخيّلها وعيناه تبرقان كالمرآة وتلمع فيهما حفنة من الأماني، لو يراها مرّة أخرى ويهدأ قلبه من الطيران، قام من مكانه ليتناول فطوره ويستعدّ للذهاب إلى الكلية، كان الوقت مبكرًا إلّا أنّه يخشى أن تخذله عيناه فينام إلى آخر النهار، لمحه أصدقاؤه في الحصة وعلامات الشحوب تظهر على وجهه إلّا أنه كان ينتبه باهتمام إلى ما يقوله الأستاذ، فجأة هوى جسده على الأرض، فتح عيناه فوجد نفسه على السرير في المستشفى وأصدقاؤه الأربعة من حوله يحاولون أن يطمئنوا على صحّته، الأمر كان أكثر من تعب وقلّة نوم حينما قال الطّبيب أن قلبه ضعيف ولا يتحمل الجهد والإرهاق ويلزمه أخذ الرّاحة وتجنب الانفعالات القوية، حينها شعر صاحبنا بمدى ضعفه وهو يستقبل هذا الخبر الصّادم فكانت عيناه الذابلتين تنمّ عن خيبة نفس شديدة.

حرم من هوايته في ممارسة كرة القدم حتى من النشاط المسرحيّ الذي كان قد اشترك فيه انسحب منه فلم يعُد بإمكانه إلّا أن يمارس الكتابة فكانت تراوده صورة تلك الفتاة فيكتب عنها، على الأقل هذا كان يشعره بالسّعادة رغم مرضه بالقلب، شيئًا فشيئًا كان ينزوي وحيدًا بعيدًا عن الجميع، ومعه صديقه الدفتر والقلم.

تأسّف أصدقاؤه على حاله وضاعت كلّ جهودهم في محاولة التخفيف عنه حتّى تكلّم أحدهم أنا أعرف من سيجعله سعيدًا، إنّها تلك الفتاة التي يبتسم كلّما رآها، يبدو أنه معجب بها، فاتفقوا أن يحادثوها إلّا أن ظنّهم قد خاب حين علموا أنّها مخطوبة ولم يتجرّؤوا أن يخبروا ذلك لصديقهم حتّى لا يخيب ظنّه ويحرموه من ذلك النّور الوحيد الذي يعطيه القوّة في حياته وإن كان ذلك مؤقتًا.

إلّا أن تلك الفتاة قد رق قلبها لأجله عندما سمعت عن مرضه، فكانت تلتقي به بين الفينة والأخرى بحجة أنها تحتاج مساعدة في إحدى الموادّ فكان صاحبنا مسرورًا بل أشد فَرْحة وكأن الحياة تبتسم له وقد لاحظت ذلك في عينيه.

إلى أن جاء يوم وقد انقطع عن المجيء للكلية فأثار ذلك قلق أصدقائه وأيضًا قلق الفتاة وعلموا أنه قد مات بسبب نوبة قلبية فلم يتقبلوا هذا الخبر، وكأن صاعقة قد أصابتهم وهم يجهشون بالبكاء، لم يبقَ شيء سوى ذلك الدفتر الذي كان يخط فيه كل أسراره وأمانيه وكان يحمله دائمًا معه أينما ذهب.

جاء في آخر صفحة دوّنها، أصدقائي الأعزاء ربما كان قدري أن أموت يومًا ما لأن قلبي ليس قويًا ليتحمّل الخوض في هذه الحياة طويلًا إلّا أنني أرى نفسي محظوظًا لأني أملك أصدقاء مثلكم، كنت أعلم بكلّ ما تقومون به لأجل إسعادي كنتم نعمة حقيقيّة أحظى بها، أودّ أن أشكركم كلكم على تفانيكم لأجل هذه الصداقة التي كان قوامها أشخاص صادقون وأرواح طيّبة وأيّ كلام في حقكم هو قليل، وأودّ أن أشكر تلك الفتاة التي فضّلت أن تكون بقرب شخص تعلم أن قلبه مريض لتواسيه رغم أنها ليست مضطرة لذلك ورغم كونها مخطوبة فلم يمنعها ذلك أن تحاول إسعاد شخص ربما لا تعلم حجم حبّه لها، كانت صدمة في البداية لي أن أعرف أنك مخطوبة وقد شعرت بضيق في قلبي إلّا أني تداركت الأمر وعرفت أن ذلك أفضل لنا جميعًا لأنني في جميع الأحوال سأموت يومًا ما وتقبلت ذلك بصدر رحب، أنا محظوظ جدًا لأني كنت أتكلم معك وأنظر إلى عينيك، لا تعرفين مدى فرحي بذلك، كان حُلمًا وقد تحقق فماذا أطلب أكثر من ذلك سوى أن تكوني سعيدة في حياتك ومع الشخص الذي تحبينه.

بقلم الكاتب


المرجو من الإدارة حذف نصوصي.


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

المرجو من الإدارة حذف نصوصي.