حب بهدوء وإعتدال

عندما يكبر الطفل ويبدأ في الحركة يزحف على الأرض لينتقل من مكان لأخر وربما ليصل لشيء يلفت انتباهه، ثم يحاول النهوض فيقع على الأرض لكنه يحاول مرات عدة النهوض والوقوف، كل هذا تحت رعاية الأبوين والأم على وجه الخصوص، حتى إنهم يأتون له بمشاية صغيرة تساعده على الوقوف والمشي لفترة معينة ومع نموه، يسحبوا هذه المشاية منه ليتعود المشي بدونها فيتعثر في البداية ويتخبط ويقع وينهض حتى يصل في النهاية إلى المشي جيداً بمفرده.

مسألة أخرى تحدث للطفل خلال نموه وطفولته المبكرة وهي عملية الفطام عن ثدي الأم والتي تكون مؤلمة للطفل، يبكي خلالها بشدة لتعوده على الغذاء من ثدي الأم، ولكنها ضرورية حتى يستطيع أن يأكل الطعام بشكل طبيعي ومتنوع لمساعدته على النمو، فما يلبث أن يتعود على مفارقة ثدي الأم وتناول الأطعمة عن طريق الفم، كل هذا يتم لكي يحصل الطفل على النمو الطبيعي والاستقلالية التي يستطيع بها الاعتماد على نفسه شيئاً فشيئاً في مراحل حياته المختلفة، للقيام بدوره كإنسان في الحياة هذا من الناحية الفسيولوجية والعضوية.

هناك جانب آخر في نمو الإنسان قد يغفل عنه الكثيرون أو لا يلقى كثير من الاهتمام لدى البعض وهو نمو الطفل العاطفي، وهو يتمثل في ارتباطه وتعلقه بالأم والأب والأم على وجه الخصوص، التي تمثل له السند العاطفي الذي يستند عليه في حياته العاطفية لما تمثله من حب وحنان جارف ورعاية ملازمة له في جميع أحواله، والطفل في هذه الحالة يكون في حاجة إلى فطام عاطفي تماماً مثل فطام الثدي وتعلم المشي حتى يستطيع أن يقود مشاعره وأحاسيسه ويتعامل معها بمفرده، ويعتمد على نفسه تماماً لتتكون شخصيته المستقلة عاطفياً.، ليتمكن ويتأهل من خوض العلاقات المختلفة في مراحل حياته من صداقة وحب وزواج وعلاقات حتى بالعائلة، فلا يكون عبء على أمه أو أبيه طوال حياته. 

ويظل طفل بالنسبة لهم لا يستطيع مواجهة الحياة، وكم من حالات ظهرت لفتيات وفتيان لم يستطيعوا الزواج والاندماج في علاقة الزواج بسبب الارتباط المرضي بالأم أو الأب .

وهذا النوع من الفطام العاطفي صعب ودقيق ويحتاج لحكمه من الأبوين وخصوصاً الأم لممارسة الدور العاطفي بطريقة مختلفة، بعدم الاهتمام بكل صغيرة وكبيرة وترك الطفل في مرحلة معينة من مراحل البلوغ من الاعتماد على نفسه شيئاً فشيئاً دون إهماله أو تركه بالكلية، حتى ينشأ الطفل طبيعي دون عقد نفسية جراء الاهتمام المبالغ فيه أو بسبب الإهمال واللامبالاة به وبشؤونه.

وإذا عممنا هذا الأمر المتعلق بالارتباط العاطفي على العلاقات بين البشر بعضهم البعض، نجد أن سمة ما يحدث شبيه بهذا الأمر، وهو أن يتعلق شخص بشخص آخر حتى يعتمد عليه كلية وكأنه عصا يتكئ عليها ولا يستطيع أن يمشى بدونها، فإذا ما غاب هذا الشخص تعثر ولم يستطيع المضي قدماً بمفرده والاعتماد على نفسه، ويتعرض لمشاكل جمة نفسية وجسدية. ويحدث هذا عندما يطلق الإنسان العنان لمشاعره ويتخلى عن ذاته واستقلاليته بل حتى عن هواياته وأصدقائه، وأحياناً عمله وتذوب شخصيته في  شخص الطرف الآخر وهذا خطأ يقع فيه الكثير فصحة الإنسان النفسية والعاطفية تأتي بالتوازن والاعتدال، نحب ونعطي، نتشارك الحياة بدون أن نترك أنفسنا تماماً لمن يحملنا ويسير بنا. دون أن نعتمد على عصا نتكئ عليها طوال الوقت فيجب أن نتعلم السير بمفردنا إلى جانب من نحب، ونقاوم بشدة ذوبان أنفسنا ومشاعرنا وشخصيتنا في أشخاص آخرين بمعنى آخر نحب بهدوء واعتدال.

بقلم الكاتب


كاتب وشاعر وعضو الجمعية التاريخيه المصرية


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتب وشاعر وعضو الجمعية التاريخيه المصرية