في زمنٍ يلهث فيه الجميع خلف التريند، وتتحول فيه الكلمات إلى سلعٍ سريعة التلف تحكمها خوارزميات بليدة، يبدو الإمساك بالقلم فعلًا ثوريًّا، وممارسة الكتابة الإبداعية نوعًا من المقاومة النبيلة، نحن نعيش في عالم صاخب، يضج بإشعارات لا تتوقف، وشاشات تسرق أعمارنا وميضًا تلو الآخر. وسط هذا السيرك الرقمي، يختار بعضنا الانسحاب إلى العزلة الكتابية؛ لا هربًا من الواقع، بل غوصًا فيه بحثًا عن المعنى المفقود.
هذا المقال ليس كلمات مصفوفة، بل هو بيانُ حب ورسالة تضامن إلى أولئك الغرباء القابضين على جمر الكلمة الصادقة الذين يدركون الفرق العميق بين صناعة المحتوى الذي يتبخر، وبين الأدب الذي يبقى ليُرمم أرواحنا المتعبة.
أولًا: في مديح العزلة الكتابية
في ركنٍ منسيٍّ من هذا العالم الرقمي الصاخب، حيث تُقاس القيمة بعدد النقرات، وتُوزن الكلمات بميزان الربح والخسارة، لا يزال هناك «الغرباء». أولئك الذين يسرقون من أعمارهم ساعاتٍ ليمنحوها لورقة بيضاء، أو لشاشةٍ باردة، دون أن يلتفتوا وراءهم ليروا كم يدًا صفقت، أو كم درهمًا استقر في الخزينة.
هؤلاء يمارسون الكتابة فعلًا للثبات، وكأنهم يرممون تصدعات أرواحهم بقطعٍ من حبرٍ حزين، بعيدًا عن أضواء الشهرة الزائفة التي لا تُسمن ولا تُغني من جوعٍ أدبي.
ثانيًا: الكتابة كحاجة وجودية حتمية
هؤلاء يكتبون لأن الكتابة لهم ليست ترفًا أو مهنة، بل هي «شهيقٌ واضطرار». يكتبون لأن الفكرة إذا لم تخرج، تحوَّلت إلى غصة، ولأن الكلمة إذا لم تُقل، صارت عبئًا يثقل الكاهل كحجرٍ قديم.
إنهم يمارسون الكتابة صلاة في محرابِ الصمت، يسكبون أرواحهم في المحابر، ويتركون نصوصهم ترحل إلى المجهول، كرسائل في زجاجاتٍ أُلقيت في بحرٍ لا يعرف الشطآن؛ لا يهمهم من يلتقطها، بقدر ما يهمهم أنهم أطلقوا سراح أرواحهم من سجن الكتمان.

ثالثًا: ضجيج المنصات وصمت الأدب الرفيع
وسط ضجيج «المحتوى» الذي يُصنع ليموت بعد ساعات، يقف الكاتب الأدبي شامخًا بكلمته التي لا تنحني لمنطق «السوق» أو الخوارزميات البليدة. هو يدرك أن الحبر الذي لا يبلل الروح هو ماءٌ عكر، وأن الكلمة التي تُكتب من أجل «الربح» فقط، هي كلمةٌ تولدُ ميتة، مسلوبة الروح لا تسكن قلبًا ولا تحركُ ساكنًا.
إن الفرق بين «صناعة المحتوى» و«خلق الأدب» كالفرق بين الزهور البلاستيكية والزهور التي تشق الصخر لتنمو؛ الأولى زاهية لكنها بلا عطر، والثانية متعبة لكنها تضج بالحياة وتفوح بصدق التجربة.
رابعًا: المجدُ للكلمة الصادقة لا للأرقام
لا يهم هؤلاء الكتاب أن تكون نصوصهم «تريند»، ولا يبحثون عن حيلٍ تقنية ترفع شأن مقالاتهم؛ فالمجدُ لديهم هو أن يجدوا جملةً واحدةً تشبههم، أو استعارةً تصفُ وجعًا عجز الأطباءُ عن تسميته.
هم يكتبون لأنفسهم أولًا، ولأولئك القلة الذين يشبهونهم في هذا العالم؛ القراء الذين لا يمرون على النص مرور الكرام، بل يعيشون فيه، يتنفسون استعاراته، ويجدون فيه عزاءً لغُربتهم الموحشة في زمنٍ صار فيه كل شيءٍ قابلًا للبيع والشراء.
خامسًا: رسالة إلى حراس المعنى الأخير
إلى كل الذين يكتبون في العتمة، إلى الذين لا ينامون لأن هناك سطرًا لم يكتمل بعد، إلى الذين يشعرون بالغربة وسط زحام التفاهة.. سلامٌ عليكم. أنتم حراس المعنى في زمن المادة، وأنتم الذين تُبقون لهذا العالم توازنه الجمالي.
لا تحزنوا إن لم تفض الخزائن، ولا تبتئسوا إن لم تعج القاعات بالتصفيق؛ فحسبكم أنكم حين تكتبون، تلمسون الخلود، وتتركون أثرًا لا تمحوه خوارزميات، ولا تطويه الأيام، لأن الصدق هو العملة الوحيدة التي لا تنخفض قيمتها أبدًا.
تذكر دائمًا أن المتنبي لم يمتلك حسابًا على مواقع التواصل، وأن دوستويفسكي لم ينتظر زر الإعجاب ليكتب عن ألم النفس البشرية؛ ومع ذلك، خلدت كلماتهم وطواها الزمن، في حين دُفنت ملايين الكلمات الاستهلاكية في مقبرة النسيان.
صديقي الكاتب، لا تدع بريق الأرقام يخدعك، ولا تسمح لضجيج صناعة المحتوى أن يشوش صوتك الداخلي. استمر في الكتابة؛ لأنك حين تكتب بصدق، أنت لا تملأ ورقة بيضاء فحسب، بل تضيء شمعة في عتمة روحٍ ما في مكانٍ ما من هذا العالم.
أنت لست كاتبًا؛ أنت حارسٌ للجمال، وشاهدٌ على الحقيقة في زمن الزيف، فليذهب التريند إلى الجحيم، ولتبقَ أنت وكلمتك.. فالزبد يذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.