حبيب الزيودي صوت الأردن وفتى العالوك

هكذا ظهر الشاعر الأردني الكبير حبيب الزيودي يلمع كنجم في سماء الكتابة العربية وفضاء الثقافة الأردنية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وهكذا رحل فجأة مثل ومضة برق أضاءت الدنيا واختفت وهو في الـ٤٩ من عمره، لكن شاعرنا الجميل ترك إرثًا كبيرًا من الأدب والجمال والخيال والحماس الشديد الذي يسكن قصائده في حديثه عن مسقط رأسه في البادية، أو عن الأردن وطنه الذي كان حلمه الكبير وواقعه الأكبر وحكايته التي حكاها في قصائده وأشعاره ومقالاته.

وفي هذا المقال نصحبك في رحلة سريعة في عالم حبيب الزيودي، أحد أكبر الشعراء الأردنيين في التاريخ المعاصر؛ لنتعرَّف على أهم محطاته الحياتية والأدبية، ونستمتع معًا بكلمات هذا الشاعر الرقيق في السطور التالية.

اقرأ أيضًا تعرف الآن على أكثر من 130 شاعرًا في أنحاء الوطن العربي وجنسيتهم

مولد حبيب الزيودي والنشأة

ولد الشاعر حبيب حميدان سليمان الزيودي في قرية العالوك بمنطقة الهاشمية بمحافظة الزرقاء عام 1963، وهي المنطقة التي احتلت مكانة كبيرة جدًّا في نفس وأشعار حبيب الزيودي، فكان دائم الحنين إليها حتى كتب عنها آخر دواوينه الشعرية بعنوان (غيم على العالوك).

استطاع حبيب الزيودي إنهاء دراسته في الجامعة الأردنية عام 1987، إذ حصل على شهادة بكالوريوس في الأدب العربي، ومن بعدها عمل مباشرة في الإذاعة الأردنية مدة عامين، ثم انتقل إلى وزارة الثقافة، ومنها إلى التلفزيون الأردني، وعُيِّن مساعدًا لرئيس الجامعة الأردنية فيما يخص شؤون الثقافة، وذلك عام 2010، وكُلِّف من قِبل مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردنية بالإشراف على جمع تراث الأغنية الأردنية الوطنية في عام 2012.

وعمل حبيب الزيودي أيضًا بمنصب مستشار وزير الثقافة للشؤون الثقافية، والتحق بالجامعة الهاشمية عام 2003 ليحصل على شهادة الماجستير، وسعى لتأسيس بيت الشعر الأردني، وكان مديرًا له في مرحلة من المراحل التي شهدت نشاطًا كبيرًا على مستوى المشاركات والفعاليات الأدبية.

وكان حبيب الزيودي ناشطًا في مجال الأدب والثقافة، كما كان دائم المشاركات في الفعاليات والمؤتمرات الأدبية في معظم الدول العربية، إضافة إلى مشاركات عدة في إيطاليا وماليزيا وفرنسا وأمريكا.

حياة حبيب الزيودي

كان حبيب الزيودي ينتمي لقرية العالوك، حيث الطبيعة الرائعة وأشجار البلوط والسنديان والسماء الصافية؛ وهو ما سيطر كثيرًا على شخصية وتركيبة حبيب الزيودي، فكان يعيش هناك في العاصمة لكنه لم ينفصل أبدًا عن مسقط رأسه؛ فكان دائمًا يذكر قريته ويصفها ويحن إليها.

وفي الجامعة كان حبيب الزيودي نجمًا بارزًا بين الشباب، وكان يطلق عليه شاعر الجامعة، وهو ما اعترف به الأساتذة في كلية الآداب بعد ذلك، وما زاده زخمًا وشهرة بين الطلاب هو اشتباكه مع القضايا القومية والعربية وحديثه الدائم عن قضية فلسطين؛ ما جعلهم يرون في حبيب الزيودي رمزًا وفارسًا نبيلًا.

أما في مطلع التسعينيات، فكانت نقلة كبيرة في حياة حبيب الزيودي حينما التحق بالإذاعة والتلفزيون وعمل في الصحافة، فأصبح أحد المنتسبين للنخبة الثقافية والإعلامية في البلاد، والأهم من ذلك هو تأسيسه لبيت الشعر الأردني؛ ما جعله عنصرًا فاعلًا في المشهد الثقافي الأردني والعربي أيضًا، وفي هذه المرحلة نشر ديوانه الثاني (طواف المغني)، وحصل بواسطته على جائزة الدولة التشجيعية، ليزداد نجمه علوًا ولمعانًا داخل وخارج الأردن.

كان حبيب الزيودي متمردًا بطبعه، وكان الشعر هو طريقه للتعبير عن هذا التمرد والشغب الذي لا يستطيع التخلص منه، فكان يصب هذا الحماس في كتابة القصائد الوطنية والأغاني والأوبريتات؛ مستخدمًا الموروث الشعبي والمفردات الأردنية الخالصة التي منحته تميزًا كبيرًا بين شعراء جيله، وجعلتهم يطلقون عليه صوت الأردن.

لا يمكن تجاهل حالة الغربة التي كان يعيشها حبيب الزيودي بعيدًا عن جذوره في البادية، لكنه عبَّر عن ذلك بوضوح ودون خجل، إذ لم يكن من الكُتَّاب أو الشعراء الذين يبحثون عن التماهي مع الصفوة والنخبة في العاصمة محاولة التخلص من جذوره وأصوله؛ فعلى العكس تمامًا كان حبيب الزيودي فخورًا دائمًا بقرية العالوك في أشعاره وقصائده وأغانيه، وكان يُحب الأردن لأنها مسقط رأسه.

وعن تجربة حبيب الزيودي الشعرية، فقد أجري عدد من الدراسات النقدية والرسائل الجامعية، حتى إن الدكتور (عمر القيام) قد ألَّف كتابًا نقديًّا عن تجربة حبيب الزيودي بعنوان (ناي الراعي)، فكانت قصائده محل اهتمام لعدد من الشعراء والمثقفين العرب، فقد كرِّمت تجربته في عدد من المحافل الأدبية والثقافية، وحصل على جائزة مؤسسة شومان وجائزة الملك عبد الله للإبداع، إضافة إلى جائزة سعاد الصباح للشعر، وهو ما يوضح لك قيمة الشاعر الكبير حبيب الزيودي.

اقرأ أيضًا أفضل قصائد الشاعر بن فطيس

أدب حبيب الزيودي

لعلَّ تجربة حبيب الزيودي الشعرية تشبه نضارة الخضراوات والفاكهة وهي في الأراضي والمزارع وعلى الأشجار؛ فهو يقدم نصًّا طازجًا لا يشبه أبدًا النصوص المعلبة والمكرورة التي تُكتب من أجل الاستهلاك، فيدعك تدخل قصيدته لتشاهده وهو يناغي الرعاة في سفوح قريته، ويطارد الفراشات بين الأزهار، ويجلس بجانب عين الماء والنسيم يحرك البيوت يمينًا وشمالًا، لتنسى أنك تقرأ قصيدة شعرية، وتتحد مع المشهد بطفولة ساحرة وتجربة رائعة لا تحدث إلا في قصيدة حبيب الزيودي.

كان الشاعر حبيب الزيودي مجنونًا ومسكونًا بحب الأردن، وكان هذا الحب أحيانًا يصل إلى درجة من العشق الصوفي، الذي يجعلك تتورط أنت أيضًا في حب الأردن، وهو ما يتواتر في كتابات حبيب الزيودي سواء في الفصحى والمحكية والقصيدة العمودية والشعر الحر، وكأنها أغنية واحدة يغنيها بكل الوسائل الممكنة.

كان حبيب الزيودي نجمًا ثقافيًّا وشاعرًا كبيرًا ليس باختيار الجمهور الذي يُمكن أن يرفع ممثلًا يمارس الكوميديا أو مطربًا يتمايل يمينًا ويسارًا، وإنما كان حبيب الزيودي نجمًا أفرزته النخبة المثقفة والمبدعة في الأردن، وفي العالم العربي في ذلك الوقت، ومع ذلك لم يكن هذا الشاعر الجميل بعيدًا عن الشارع الأردني، فحقق معادلة صعبة قلَّما يحققها شاعر أو كاتب أو مبدع حين تجتمع عليه النخبة والعوام؛ لذا فقد كانت تجربة حبيب الزيودي نموذجًا يُحتذى على الرغم من قصرها، ومع أنه توفي مبكرًا لكن تأثيره الكبير في هذه الاتجاهات المتناقضة يستحق الدراسة الأدبية والاجتماعية أيضًا.

اقرأ أيضاًفي ذكرى وفاته.. هارون هاشم رشيد شاعر الثورة والعودة

أعمال حبيب الزيودي

أصدر الشاعر الأردني الكبير حبيب الزيودي خمسة دواوين في حياته وهي:

  • الشيخ يحلم بالمطر عام 1986
  • ناي الراعي عام 1990
  • طواف المغني 1990
  • منازل أهلي 1997 
  • غيم على العالوك 2012 

إضافة إلى مجموعة من النصوص الغنائية التي صدرت تحت عنوان (ظبي حوران) و (راهب العالوك)، كما صدرت الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر حبيب الزيودي بعد موته وبالتحديد عام 2015.

ونشرت للشاعر الأردني الكبير عشرات القصائد المنفردة في المجلات الأدبية داخل وخارج الأردن.

جوائز وتكريمات حبيب الزيودي

  • جائزة الملك عبد الله للإبداع 
  • جائزة سعاد الصباح للشعر 
  • جائزة مؤسسة شومان 
  • جائزة الدولة التشجيعية في الآداب 

نماذج من أشعار حبيب الزيودي

من قصيدة طواف المغني:

على أي جنب ينام المغني وقد ذبل الورد في المزهريات 

وانكسر العود بين يديه على أي جنب ينام 

وليست صباحاته فضة وليست مساءاته من رخام 

وكيف ينام وهذا السناج يغطي السراج 

وهذا الظلام يغبر أحداقه بالرماد 

ففكي يديه من القيد فكي اللجام

فها هو يحمل أقماره ويطوف 

ويهتف بين المضارب دقوا الدفوف 

ليعرف هذه المدينة 

وبعد ثلاثين أغنية وثمانين صيفا وألف خريف 

ستعرف أبوابها وشوارعها شارع شارع ورصيف رصيف

بأن القصائد ما خذلت دمها عندما خذلتها السيوف 

من قصيدة قمر الأمس:

كلما طال بيننا الهجر جفت  من كؤوسي الطلا ومادت سفوحي 

مر في أضلعي الشتاء وحزينا  لابسا حزنه ثياب المسيح 

يحرق الوجد أغنياتي الحيارى عندما تكتمين حبي فبوحي 

صوتك الحلو نرجسي و اشتعالي ومنى خاطري وحناء روحي 

قمر الأمس مر بي اليوم كهلا دامي الطرف مثقلًا بالجروح

أنا لوحت بالمناديل وحدي  عندما لم تلوحي أو تلوحي 

عاتبا مرة لم يلوح بكف يا حبيبي ولم يغازل سطوحي 

من قصيدة فاتحة:

انهض الآن من الكهف ومن صمت الدروب الكالحة 

من شقوق الأرض في بطن الصحاري المالحة 

هذه الأرض التي أنثر أقماري على عتم لياليها

وتكسي عريها روحي وفي وديانها أركض بريا 

حصانا لم يلامس ظهره السرج ولم يرعى سوى عشب الجبال 

حافيا يركض لم يشرب سوى ماء الينابيع

وأصوات الطيور الصادحة

ويغني لغزالات الشمال ولظبيات الجنوب السارحة 

في عيون الشجر الذابل شاهدتك يا وطني النازف 

في دمع الأغاني وسكاكين اللصوص الذابحة 

فقرأنا الفاتحة أنا والأشجار والريح قرأنا الفاتحة 

وفاة حبيب الزيودي

توفي الشاعر الأردني الكبير حبيب الزيودي الذي أطلق عليه (فتى العالوك) يوم 27 أكتوبر عام 2012؛ بسبب نوبة قلبية مفاجئة وهو في الـ49 من عمره، ودُفن في مقبرة المسرة في مسقط رأسه في قرية العالوك، ليرحل الشاعر الجميل تاركًا خلفه إرثًا كبيرًا من الشعر والقيم النبيلة ومحبة الوطن الخالصة.

وفي نهاية هذه الجولة السريعة في عالم حبيب الزيودي، نرجو أن تكون قد تعرَّفت جيدًا على هذا المبدع الاستثنائي صاحب الخيال الرقيق والمعاني الجارفة، ونتمنى أن نكون قدمنا لك المتعة والإضافة والرغبة في قراءة أعمال الشاعر الأردني الجميل حبيب الزيودي.

ويُسعدنا أن تُشاركنا رأيك في التعليقات ومقترحاتك عن مقالات أخرى ترغب في قراءتها على جوك.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة