حالة التدفق أثناء التمرين (Flow State) تتطلب اندماج الجسم والعقل في النشاط البدني، وهو ما يرفع الكفاءة والاستفادة بنسبة كبيرة، إلا أن الأمر يحتاج إلى طقوس محددة لتحقيق التوازن بين التحدي والمهارة من خلال وضع أهداف محددة قبل التمرين، وتكرار الإشارات التي تربط العقل بالتدريب، والقضاء على المشتتات، ومحاولة الاستمتاع بالتمرين من خلال التنوع، واستخدام التنفس، وتمارين اليوجا.
وفي هذا المقال نشرح لك كيف تبرمج عقلك على حالة التدفق أثناء التمرين، وماذا يحدث في الدماغ أثناء التدفق، كما نخبرك كيف تعود لحالة التدفق إذا خرجت منها فجأة أثناء التمرين، وكيف تفرق بين الإرهاق الصحي والسعي المفرط خلف التدفق.
تتحقق حالة التدفق أثناء التمرين عندما يتوازن مستوى التحدي مع المهارة ويختفي التشتت الذهني، ما يعزز التركيز والأداء العضلي ويحوّل التمرين من مجهود مرهق إلى تجربة ممتعة عالية الكفاءة.
كيف تصل لحالة التدفق أثناء التمرين؟
- الموازنة بين التحدي والمهارة: يتطلب الأمر اختيار التمارين بمستوى معين بحيث لا يكون سهلًا جدًا ولا صعبًا جدًا، وأن يكون أعلى قليلًا من مستوى المهارة الحالية لتحفيز العقل مع التدرج للحفاظ على تركيز العقل دون إرهاقه.
- وضع أهداف محددة: من المهم أن يكون لديك أهداف واضحة ومحددة قبل الذهاب للتمرين، كما يمكن كتابتها والالتزام بها، حيث إن التركيز على الأهداف يمنع التشتت الذهني قبل وأثناء التمرين.
- إشارات الدماغ: من خلال ربط عقلك بمجموعة أشياء أو طقوس قبل وأثناء التمرين، مثل ارتداء ملابس معينة أو الاستماع لأشياء محددة، فإن تكرار هذه الطقوس في كل تمرين يبرمج عقلك تلقائيًا للدخول في حالة التدفق.
- القضاء على المشتتات: تعد المشتتات أكبر عقبة أمام الدخول في حالة التدفق أثناء التمرين، وبالتالي يجب الابتعاد عن الهاتف والتركيز على العضلة المستهدفة ومحاولة تهيئة البيئة المحيطة أثناء التدريب، والابتعاد عن الأشخاص الذين يتسببون لك في الإلهاء والتشتت.
- الاستمتاع بالتمرين: يصعب الدخول في حالة التدفق أثناء التمرين إذا لم تكن تستمتع بأداء التمرين، وهو ما يمكن تحقيقه مع الوقت من خلال إيجاد تحديات بسيطة، وعمل تنوع لقتل الملل، وتحديد مكافآت في حالة الالتزام أو تحطيم الأرقام.
- التنفس والتركيز: من الأنشطة التي تحفز حالة التدفق تمارين اليوغا وتمارين التنفس العميق، فهي تساعدنا على ربط العقل بالجسم، وهو ما يستخدمه المحترفون للدخول في حالة التدفق في كل مرة.

لماذا نحتاج إلى الدخول في حالة التدفق أثناء التمرين؟
الدخول في حالة التدفق أثناء التمرين لا يشعرك فقط بالاستمتاع والراحة، وإنما يرفع كفاءة الجسم والعقل ويزيد الاستفادة من التمرين بصورة مذهلة، وهو ما يعود لعدة أسباب علمية وعملية كالتالي:
- تعظيم الأداء البدني: في حالة التدفق يتم إفراز مواد كيميائية مثل الدوبامين والإندورفين، والتي تحفز الجسم على إنتاج الطاقة وتعمل كمسكنات طبيعية للألم، وتجعل الرياضي قادرًا على بذل المجهود ورفع الأوزان دون أن يشعر بنفس القدر من التعب.
- اسكات الناقد الداخلي: في حالة التدفق أثناء التمرين يصبح الجسم أكثر هدوءًا وأكثر ثقة وتلقائية في أداء الحركات، ويتوقف الفص الجبهي في الدماغ عن مراقبة الأفعال ونقدها، وبالتالي يكون التركيز على أداء الرياضة فقط.
- الارتباط العضلي العصبي: تساعد حالة التدفق على تعزيز الانقباض والانبساط العضلي، وبالتالي استهداف الألياف العضلية بشكل دقيق، وهو ما يجعل النتائج تظهر بصورة أسرع للأشخاص الذين يبحثون عن بناء العضلات واللياقة البدنية.
- تحويل التمرين إلى متعة: كلنا نعرف أن التمارين الرياضية واجب ثقيل على كثير من الناس، وهو ما يعد عائقًا للاستمرار في الرياضة لدى معظمهم. وهنا يأتي دور حالة التدفق التي تجعل الوقت يمر بسرعة وتنقل الرياضي إلى مرحلة الاستمتاع والمزاج.
- تقليل خطر الإصابات: مع التركيز الكبير والحضور الذهني الكامل أثناء ممارسة التمارين، يصبح الشخص أكثر وعيًا بجسمه وبتقنية التمرين، وهو ما يمنع أداء الحركات بصورة خاطئة كما يحدث عند تشتت الذهن والتفكير في أمور خارج التمرين.

كيف تفرق بين الإرهاق الصحي والسعي المفرط خلف التدفق؟
بالطبع لا بد أن يكون لديك القدرة على التفريق بين الإرهاق الصحي نتيجة أداء التمارين وبين الاحتراق نتيجة السعي المفرط خلف التدفق، حتى تكون قادرًا على حماية جسمك من الإصابة وعقلك من الاحتراق النفسي من خلال النقاط التالية.
الارهاق الصحي
- يحدث نتيجة المجهود ويدل على أن جسمك يتطور ويستفيد من التمارين.
- يظهر على هيئة إجهاد عضلي مع شعور بالحاجة إلى الراحة.
- تشعر معه بالرضا والفخر وبحالة ذهنية جيدة يسيطر عليها الصفاء والتركيز.
- يزول الإرهاق الصحي بالراحة والنوم الجيد وتعود مرة أخرى للتمرين في حالة من النشاط والطاقة.
- الهدف منه هو التطور التدريجي والمستدام وتحقيق الأهداف والخطط البدنية.
السعي المفرط خلف التدفق
- عندما يكون البحث عن حالة التدفق هو الغاية وليس الوسيلة لتحقيق أهداف رياضية.
- يسيطر عليك شعور بالإجهاد العصبي والاستنزاف حتى قبل أداء التمارين، وهو ما يظهر كألم في المفاصل والأربطة.
- تشعر في حالة السعي المفرط خلف التدفق بالقلق والذنب إذا لم تصل للحالة المطلوبة، وهو ما يجعل التمرين يتحول إلى هوس بالنشوة الكيميائية التي يفرزها الدماغ.
- لا يشعر الجسم بالراحة حتى مع الحصول على كمية كافية من النوم ويسيطر عليك خمول دائم وحالة مزاجية متقلبة.
- غالبا ما يكون الهدف هو الهروب من الواقع والبحث عن متعة فورية بغض النظر عن الاستفادة الرياضية وسلامة الجسد
كيف تفرق بينهما عمليًا؟
- إذا كنت ترغب في أداء التمرين رغم شعورك بالتعب فهذا إرهاق صحي، أما إذا كنت تجبر نفسك عليه فهذا سعي مفرط.
- إذا كانت ضربات القلب وقت الراحة أعلى من المعتاد فهو دليل على أنك تتعرض للجهاد العصبي بسبب السعي المفرط.
- حالة التدفق هي نتيجة للتمرين المثالي، أما إذا تحولت لمخدر يطارده المتدرب في كل حصة تدريبية فهي سعي مفرط وحالة سلبية ذات أضرار بدنية ونفسية.
كيف تعود لحالة التدفق إذا خرجت منها فجأة؟
إذا خرجت من حالة التدفق أثناء التمرين، يمكنك العودة لها سريعًا دون الضغط على جهازك العصبي حتى لا تشعر بالتوتر، من خلال الاستراتيجيات التالية:
- قاعدة الـ60 ثانية: إذا شعرت بالتشتت نتيجة أي موقف أو مكالمة مفاجئة، يمكنك ممارسة التنفس التكتيكي عن طريق أخذ نفس عميق لأربع ثوانٍ، ثم كتمه لأربع ثوانٍ، ثم إخراجه في أربع ثوانٍ لإعادة توجيه الدم من التفكير القلق إلى التركيز الحركي.
- تقليص التحدي فورًا: عندما تخرج من حالة التدفق أثناء التمرين تشعر نفسيا بالثقل وصعوبة أداء التمرين، وبالتالي يجب عليك تقليل الوزن أو التحدي لاستعادة السيطرة مرة أخرى وبالتالي استعادة حالة التدفق.
- استحضار المحفز الحسي: استراتيجية بسيطة تعتمد على استخدام المحفزات الحسية الموجودة من حولك للعودة إلى حالة التركيز مثل شد قبضتك على البار بقوة أو ترديد بعض الكلمات لنفسك مثل (عاش يا بطل) أو (تركيز تركيز).
- استراتيجية العد التالي فقط: إحدى الاستراتيجيات المدهشة في النتيجة رغم بساطتها والتي تعتمد على التركيز في العد التالي فقط، حيث تقول لعقلك أن تُمارس العادة التالية بأفضل شكل ممكن، وهو ما يُعيدك مرة أخرى للعودة لحالة التدفق.
وفي نهاية مقالنا عن كيفية برمجة العقل على حالة التدفق أثناء التمرين، نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، كما يسعدنا أن تشاركنا رأيك في التعليقات ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.