حافلة من عالم النور

بعد يوم شاق من العمل، خرج بلال من مكتبه ونظر إلى زملائه قائلاً: سيارتي في الصيانة اليوم أعتذر لكم لن أستطيع أن أقلكم إلى المدينة، وأنا أيضاً سأذهب الآن لأني متعب جداً.

قال مراد صديقه بإبتسامة: يا لك من رجل طيب يا بلال تعطلت سيارتك وتعتذر لنا، لا أدري ما أقول! لكن شكرًا من القلب يا صديقي

قالت زينب: لكن كيف ستصل إلى المدينة الآن وكل سيارات الشركة خرجت إلى المدينة تقل موظفي الوردية الصباحية؟

قال بلال بإبتسامة: لا تقلقي قد أجد أحد من الموظفين ذاهب بسيارته يقلني معه إلى أقرب مكان.

خرج بلال من مبنى الشركة، متجها ناحية موقف سيارات الشركة، وبعد إنتظار دام أكثر من نصف ساعة، شعر بلال باليأس. وهم بالعودة إلى الشركة ، كي ينتظر في الإستراحة حتى إنتهاء الوردية الثانية، وأخذ حقيبته وكاد أن يعود، لكنه رأى حافلة فاخرة... ولكن ليس عليها شعار الشركة، ولكنه يريد أن يذهب لمنزله فيومه كان متعب جداً... أخذ قراره وركب وجلس في أحد المقاعد التي كانت فارغة تماماً إلا منه هو حتى السائق قد أستغني عنه منذ أن تم تشغيل نظام القيادة الذاتية، جلس في مقعده ووضع السماعات في أذنه وقام بتشغيل رواية صوتية، وبعدها غلب عليه النوم خاصة عندما تحركت الحافلة وأضيئت بضوء أزرق خافت.

وبعد أكثر من ساعة إستيقظ بلال، ومسح عينيه وحاول النظر خارج الحافلة لكن الزجاج كان مغطى، فكانت الرؤية صعبة جدًا. قام من مكانه وضغط على زر ليعرض له معلومات عن المكان الذي وصل إليه، لكنه تذكر أنه لم يحدد إتجاهه حين إستقل الحافلة. فظهرت المعلومات بلغة غريبة، وظهرت كلمة غير مفهومة في الأسفل وتحتها علامة الخروج، ضغط عليها فخفت النور الأزرق وسطع ضوء أبيض ناصع، وفتح الباب لكن.....أين أنا؟

ما هذا المكان؟!  الأشجار من نور وتشع نور، الجدران ياقوتية بلون وردي ناصع. تجمع حوله بعد أن ذهبت الحافلة عدد كبير من الكائنات لا تختلف كثيراً عن بنية الأشجار النورانية، فهم أقصر من طفل المرحلة الإعدادية، لكنهم بدرجة عالية من الجمال، لا أدري أهم أطفال أم ماذا؟! 

قطع تفكيره صوت غريب، يوجه له الكلام، لكنه لم يفهمه.   

قال لهم: لا أفهمكم.  

قاطعه أحدهم وهو يشير إلى وجهه، ففهم أنه يقول له أصمت. وتكلم مع من حوله ثم توجهوا إليه وإلتفوا حوله وحاولوا تقييده برباط ليزري، لكنه قاومهم لفترة ليست بقليلة، وارتسمت على وجهه علامات القلق والدهشة. وتصبب العرق على جبينه. وزاد نبض قلبه. حتى إستطاعوا تقييده وأخذوه ووضعوه في قفص ليزري أبيض. حاول التخلص من قيوده لكن بلا جدوى.  

ثم جاء أحدهم لكن يبدو عليه أنه هو الملك، تعرف ذلك جيدًا من التاج الليزري على رأسه، وأشار إليه وهو يتحدث إلى من كان حوله من أشباهه، وكأنه يتسائل عنه، ثم نظر إليه نظرات حادة، وإنصرف.  

وبعد ساعات وهو في قيوده يتألم من شدة الرباط وشعوره ببعض الجوع دخلت فتاة منهم وهي تمسك جهاز صغير، ضغطت على أيقونة فيه وتحدثت قائلة: من أنت؟ وما الذي دفعك للتطفل على عالمنا؟

نظر إليها بإستغراب ودهشة، ثم نظر إلى الجهاز العجيب أخفى صوتها تماماً وأخرجه باللغة العربية الفصحى، فقال لها:

لكني لا أعرف أين أنا؟ ولا أدري كيف وصلت إلى هنا؟ ما أذكره أني بعد أن أنهيت عملي أخذت الحافلة إلى المدينة لكنها أتت بي إلى هنا. لكن هلا تكرمتِ علي وأخبرتيني أين أنا؟ ومن أنت؟ ومن أولئك؟

نظرت إلى أحد الحراس الموجودين بالقرب منها، وتكلمت بنفس لغتهم، ثم إنصرف.  

أجابته قائلة: أنت في عالمنا عالم الأضواء، وأنا أدعى ومضة

وقعت الكلمات على بلال وقع الصاعقة، وتمتم بكلمات هامسة، ونظر إليها بدهشة، وقال ضاحكًا: أتعني أني لست على كوكب الأرض؟

دخل الحارس الذي تحدث معها قبل أن ينصرف ومعه صندوق، ووضعه أمامه وفتحه وإبتسم له، نظر بلال للصندوق بذهول فوجد فيه طعام من توت وعنب وبعض الكعك، وفك وثاق يداه فتناول منها بنهم فقد كان وصل به الجوع أقصى ما يمكن.

تحدثت ومضة قائلة: كلنا على كوكب الأرض، لكن نحن في عالم الأضواء المخفية التي لا تستطيع أن تراها بعينيك، ولكن يمكنك أن تشعر بها عند إستخدامها في أشياء أخرى.

توقف بلال عن الأكل، ونظر إليها بدهشة.  دخل الملك عليهم وتحدث إلى ومضة، بدا عليه الإطمئنان بإتجاه بلال حيث فرجت أساريره.

وشغل الجهاز وتحدث إليه، قائلاً: إذن لم تأتي معادي لنا، وأشار إلى الحراس الموجودين فكوا باقي قيوده. إذن فلتذهب وتعود إلى عالمكم..

قال بلال بدهشة: لكن كيف رأيت الحافلة وأنا على الأرض؟ عذراً وأنا في عالمي؟

قالت ومضة: لقد توصلنا لتقنية تجعلنا نتحكم في الأشعة والأضواء، فتتجسم الأشعة لذرات وتكون مادة فتظهر فتخرج إلى عالمكم وتختفي لترجع لعالمنا.

صمت قليلاً ثم أردف قائلاً: وأنت عندما كنا نقوم بتجربة هذه التقنية  دخلت إلى عالمنا، وأثبت نجاح تجربتنا،  شكراً لك تجهز الآن لتعود إلى عالمك ورجاء لا تخبر أحد بما حدث، كي لا يتهموك بالجنون.

ركب بلال الحافلة مرة أخرى وعاد إلى عالمه مرة أخرى في نفس المكان وبنفس التعب والإرهاق.

وركب الحافلة التي كانت تستعد لتقل موظفي الوردية الثانية، ثم ركب معه مراد وزينب وذهلا من إتظاره كل هذا الوقت، وأنه لم يرجع للإستراحة، وكاد أن يخبرهما لولا أنه تذكر  قولهم "لا تقل كي لا يتهموك بالجنون" فآثر الصمت.

 

بقلم الكاتب


أحمد السيد أبو مكي كاتب روائي وصحفي، حاصل على ليسانس اللغة العربية وآدابها والعلوم الإسلامية، من كلية دار العلوم جامعة المنيا حاصل على دبلومة عامة في التربية من كلية التربية جامعة سوهاج. حاصل على شهادة معلم اللغة العربية للناطقين بغيرها من كلية دار العلوم جامعة القاهرة. صدر لي رواية "فرسان الشرق" عن دار الكنزي في معرض القاهرة الدولي للكتاب.


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

أحمد السيد أبو مكي كاتب روائي وصحفي، حاصل على ليسانس اللغة العربية وآدابها والعلوم الإسلامية، من كلية دار العلوم جامعة المنيا حاصل على دبلومة عامة في التربية من كلية التربية جامعة سوهاج. حاصل على شهادة معلم اللغة العربية للناطقين بغيرها من كلية دار العلوم جامعة القاهرة. صدر لي رواية "فرسان الشرق" عن دار الكنزي في معرض القاهرة الدولي للكتاب.