حافة الضوء والظل: تأملات في الصمود والبحث عن المعنى

ثمَّة ضوء هنا؛ لكنه لا يصل إليَّ، يمرُّ من حولي كما يمرُّ صباح باهت على شارع مهجور، بلا أثر، وبلا إحساس، أراه، فأحتضنه بعيني، لكنه لا يلامس قلبي، ولا يهمس لي بأن الحياة ما زالت ممكنة، وثمَّة نافذة، تبدو مفتوحة على العالم، على الهواء، وعلى الحرية؛ لكنها مُغلقة بإحكام أمام شعوري، أستطيع أن أرى العالم من خلالها، أرى الحياة تتحرك، وفرحاته تمرُّ، وأحلامه تكبر؛ لكن داخلي محاصر، لا أستطيع المشاركة، ولا أستطيع أن أتنفس.

ثمَّة وطن، لكنه بعيد، ليس فقط بالمسافة، بل بالانفصال عن الشعور، وطن يبدو حيًّا للآخرين، يزرع الأمل، ويطلق الحياة في عروق من يعيشون فيه بحرية، أما أنا فكم يبدو كل شيء هنا صامتًا، وثقيلًا، كما لو أن كل شيء ينبض من حولي إلا روحي، ثمَّة سلام ولكنه هش، زائل، ويختفي مع أول غمضة عين، يترك خلفه فراغًا أكبر مما قبل، فالسلام المؤقت مثل ضوء شمعة في عاصفة، يلمع للحظة ثم ينطفئ، ليتركني أبحث عن أي شيء أتمسك به في الظلام.

أقف هنا، بين ما أراه وما أشعر به، بين الضوء الذي لا أستطيع أن ألمسه والظل الذي يرافقني بلا رحمة، أسأل نفسي: هل الغربة مكانية؟ أم أنني غريبة في داخلي؟ هل الوحدة خيار أم قدر؟ ربما كلاهما، وربما ليس أيًّا منهما، وربما كلُّ شيء في آنٍ واحد.

أقف هناك

أحيانًا أُحاول أن أفتح النافذة بقوة، وأن أدع النسيم يدخل، وأن يدخل الضوء إلى داخلي، لكن يديَّ تعودان خاويتين، وقلبي يبقى محاصرًا بين ما هو ممكن وما هو حاضر. أنظر إلى الآخرين، وأرى ضحكاتهم، وحياتهم، ودفء أرواحهم، وأشعر بالبعد عن نفسي، كما لو أنني جسد بلا روح، أو روح بلا مكان.

ومع ذلك، أواصل التنفس، رغم كل هذا الانفصال، هناك شيء صغير يرفض الاستسلام، شيء صامت، ينتظر لحظة لتظهر، لحظة تسمح له بأن يملأ الفراغ، ولو بقطرة واحدة، ربما هو الأمل، لا أعرف مصدره، ربما مجرد ذاكرة لأيام مرَّت، أو شعور بالقدرة على البقاء، على الاستمرار، على البحث عن معنى في عالم لا يعطيه بسهولة.

في النهاية، أقف على حافة الضوء والظل، أراقب نفسي كما أراقب المطر من نافذة مُغلقة: أراه، أسمعه، أستشعره، ولكني لا أستطيع لمسه بعد، وأدرك أن البقاء على هذه الحافة ليس ضعفًا، بل صمودًا، ليس بالضرورة أن أكون كاملة، أو سعيدة، أو مضيئة، يكفي أن أكون هنا، وأتنفس، وأشعر، وأحلم، حتى ولو كان كل شيء حولي صامتًا، وبعيدًا، أو خفيفًا كالظل.

وهكذا، رغم كل شيء، يبقى داخلي مساحة صغيرة للنور، ضوء لا أراه بالكامل بعد، لكنه موجود، وهذا يكفي؛ لأن وجوده يعني أنني ما زلت أنا، وأن هناك دائمًا مجالًا لشيء آخر، لشيء أعمق، لأمل لم ينطفئ بعد.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة
بقلم نجل الدين علي صالح البازلي
بقلم امجد احمد عطيه العجارمه
بقلم محمد ابراهيم عباده
بقلم بسمة رمضان السيد
بقلم سماح منذر حلاق