تظل ظاهرة الأجسام الطائرة المجهولة واحدة من أكثر الألغاز إثارة للجدل والفضول البشري على مر التاريخ. ورغم كثرة الروايات التي يتداولها الهواة، فإن قليلًا منها يحظى باعتراف جهات سيادية أو يجد طريقه إلى الأرشيفات العسكرية الرسمية.
وتبرز حادثة شاج هاربور الكندية عام 1967 بوصفها واحدة من أشد هذه القضايا غموضًا وأكثرها توثيقًا؛ حيث تحوَّل سقوط جسم مجهول في مياه المحيط الأطلنطي إلى قضية أمنية واجهتها السلطات بجدية بالغة، وعززتها شهادات حية لطيارين مدنيين، ورجال شرطة، وبحارة محترفين، ليفتح هذا الحادث الباب مجددًا أمام تساؤلات حتمية حول حقيقة زيارة مخلوقات فضائية لكوكبنا أو وجود تقنيات عسكرية سرية متطورة للغاية.
موقع وتاريخ الحادثة: مقاطعة نوفا سكوتيا الكندية
مقاطعة نوفا سكوتيا هي إحدى المقاطعات البحرية الثلاث المطلة على المحيط الأطلنطي شرق كندا، وترتبط نوفا سكوتيا ارتباطًا وثيقًا بالبحر وتشتهر بالأماكن الطبيعية الخلابة كالسهول المتموجة والشواطئ الجميلة، وهي إلى ذلك تحتوي على كثير من قرى الصيد والأماكن التاريخية، وتتميز بمناخها الذي يعد أحسن حالًا بكثير من داخل كندا بسبب تأثير التيارات البحرية الدافئة من المحيط الأطلنطي.
عاصمة مقاطعة نوفا سكوتيا هي مدينة هاليفاكس الصغيرة الهادئة التي تلمس فيها مزيجًا بين الماضي والحاضر، وتعد المركز الاقتصادي والثقافي للمقاطعة، وتشتهر بمتحفها البحري الذي يضم مجموعة كبيرة من مقتنيات السفينة تيتانيك الشهيرة، حيث كانت هاليفاكس هي أقرب ميناء كبير لموقع الحادث، ومنها انطلقت سفن الإنقاذ لانتشال الضحايا وإغاثة الناجين.
تقع شاج هاربور على بعد نحو 250 كيلومترًا جنوب غرب العاصمة هاليفاكس، وهي قرية صغيرة نائية لن ترى فيها سوى شواطئ خالية ومساحات شاسعة من الأراضي الخضراء، ومنازل متباعدة يسكنها نحو أربعمائة شخص هم كل سكان القرية، ويعمل أغلبهم في صيد السمك ويعيشون حياة هادئة تمامًا بل مملة ورتيبة في أغلب الأحيان، ولكن كل ذلك كان قد تغير تمامًا مساء يوم الرابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1967، فالهدوء والملل تبدَّلا بالصخب والإثارة.

لحظة سقوط الجسم الطائر المجهول في المحيط
في نحو الساعة الحادية عشرة وعشرين دقيقة من مساء ذلك اليوم، كان لوري ويكنز يقود سيارته وبصحبته أربعة من أصدقائه على الطريق السريع رقم 3 إلى شاج هاربور، عندما لاحظوا جسمًا طائرًا كبيرًا ذا أضواء براقة وامضة يهبط في اتجاه المحيط على بعد نحو 300 متر من الشاطئ.
اعتقد الجميع أول وهلة أن ما شاهدوه هو طائرة تعرضت لحادث وسقطت في الماء، لذا توجهوا على عجل بسيارتهم إلى أقرب هاتف واتصلوا بالشرطة.
لم يكن لوري ويكنز وأصدقاؤه هم الوحيدين الذين شاهدوا سقوط الجسم قرب الميناء، فبعض سكان القرية لاحظوه أيضًا، وبدورهم أبلغوا الشرطة ومحطة إذاعة محلية.
في خلال ربع ساعة وصل ثلاثة من رجال الشرطة إلى موقع الحادث، وقفوا قبالة الشاطئ مشدوهين يتابعون الجسم الغريب وهو يطفو فوق الماء.
أحد الشرطيين وهو رون بوند شعر بالقلق الشديد على ركاب الجسم الطافي، ورأى أنهم يحتاجون إلى إغاثة عاجلة؛ لأن الجسم لن يبقى على حاله مدة طويلة وحتمًا ستبتلعه الأمواج إلى قاع المحيط، لذا اتصل بمركز الإغاثة في مدينة هاليفاكس الذي أرسل على الفور قارب إغاثة إلى مسرح الأحداث، ولكن قبل وصول القارب كان الجسم الذي يقدر طوله بنحو 18 مترًا قد غرق في المحيط مخلفًا أعلاه رغوة كثيفة صفراء اللون.
استنفار السلطات الكندية وعمليات تمشيط خفر السواحل
بدأت السلطات الكندية تعمل بسرعة لاحتواء الكارثة، ولكن بالرجوع إلى شاشات الرادار في منطقة باكارو القريبة من موقع الحادث تبين أنه لم تُفقد أي طائرة في المنطقة.
وفي الثالثة من صباح اليوم التالي أوقف خفر السواحل عملية البحث عن الناجين، في الوقت الذي كلف فيه مركز الإغاثة في هاليفاكس غواصين من الفرقاطة جرانبي بتمشيط قاع المرفأ بحثًا عن الجسم الغارق.
ولكن التقرير النهائي من السلطات ذكر أنه لم يُعثر على أي أثر للجسم المجهول، وإن كان عدد من الصيادين المحليين من بينهم دونالد نيكرسون أفاد بأنه رأى الغواصين ينتشلون قطعًا من حطام ألواح تشبه الألومنيوم الملون.
في الواقع إن مشاهدات ذلك الجسم المجهول لم تتركز في قرية شاج هاربور فحسب بل امتدت إلى المناطق المجاورة أيضًا، ومن الثابت أن هناك كثيرًا من المشاهدات لأجسام طائرة غريبة في المنطقة المحيطة بالحادث تم الإبلاغ عنها في المدة الزمنية التي سبقت سقوطه في مياه المحيط قبالة شاج هاربور.
شهادات حية من الرحلات الجوية المدنية
في الساعة السابعة والربع من مساء اليوم نفسه كانت الرحلة رقم 305 التابعة للخطوط الجوية الكندية متجهة إلى مدينة تورونتو، وفي أثناء تحليق الطائرة فوق مدينة شيربروك بمقاطعة كيبك الكندية على بعد 3658 مترًا من مطار هاليفاكس الدولي، أشار قائد الطائرة بيير تشاريونو إلى مساعده بوب الف بأن هناك جسمًا غريبًا يحلق جهة اليسار للطائرة.
ولاحقًا في تقريره قال الطيار إنه شاهد جسمًا مستطيل الشكل له أضواء براقة يتبعه عدد من الأضواء الأصغر، ثم في تمام الساعة السابعة وتسع عشرة دقيقة لاحظ الطيار حدوث انفجار صامت كبير بالقرب من الجسم الكبير، وبعد دقيقتين تقريبًا وقع انفجار ثانٍ تلاشى إلى سحابة زرقاء حول الجسم.
في الليلة نفسها كان داريل دوري وشقيقته أنيت ووالدته يجلسون في شرفة منزلهم المطلة على خليج ماهون عندما شاهدوا جسمًا كبيرًا يطير بطريقة غير عادية جهة الجنوب الغربي. وفي صباح اليوم التالي أرسل داريل دوري رسالة إلى صديقه قائد قاعدة جرينوود التابعة لسلاح الجو الملكي الكندي يسأله عن ماهية هذا الجسم الغريب الذي لم ير أي شيء مثله من قبل.

رصد راداري وبحري: شهادة القبطان ليو ميرسي
في تمام التاسعة من ذات الليلة كان القبطان ليو هوارد ميرسي يقف في قمرة القيادة الخاصة بالسفينة «إم في نيكرسون» خلال رحلة صيد روتينية قبالة ساحل ضاحية سامبرو القريبة من هاليفاكس.
كانت شاشة الرادار تستحوذ على اهتمامه بسبب الأربع نقاط الوامضة التي تتحرك في تشكيل مثالي على شكل مستطيل وبسرعة ثابتة على بعد نحو 28 كيلومترًا من سفينته.
نظر من نافذة قمرة القيادة تجاه الشمال الشرقي وتمكن من مشاهدة واحد من تلك الأجسام وهو يتحرك على سطح الماء أو يطير قريبًا جدًا منه، بينما لم يتمكن من رؤية الأجسام الثلاثة الأخرى إلا بواسطة الرادار، وكان الجسم يصدر ثلاثة أضواء حمراء براقة وامضة.
وفي حدود الساعة الحادية عشرة مساءً ارتفع الجسم إلى الهواء وهو يصدر ضوءًا أحمر وامضًا واحدًا فقط ثم اختفى.
كان على متن السفينة نحو عشرين صيادًا جميعهم شاهدوا الجسم المجهول، وعندما عادت السفينة إلى البر قدم القبطان ميرسي تقريرًا إلى الشرطة في مدينة لونينبورج حكى فيه مشاهداته، وذكر أنه لم ير أي شيء يشبه ذلك في حياته.
الوثائق السرية المفرج عنها من الأرشيف القومي
في عام 2016 أفرجت الحكومة الكندية عن بعض الوثائق السرية وجعلتها متاحة للعامة، ومن بينها الوثيقة رقم (إكس - 23-400-67) المحفوظة في أرشيف كندا القومي والصادرة عن شرطة مدينة لونينبورج في مقاطعة نوفا سكوتيا بعنوان «مشاهدة جسم طائر مجهول الهوية في سامبرو - نوفا سكوتيا».
وتتضمن شهادة القبطان ليو هوارد ميرسي كاملة، ورأي الشرطة فيه، حيث انتهى التقرير بعبارة: «القبطان ميرسي يُعد شخصًا يُعتمد عليه ويتمتع بسمعة جيدة في محيطه المجتمعي».
بعد مرور ثلاثين عامًا على الليلة المثيرة في شاج هاربور بردت حرارة الحادثة وخفتت أضواء الاهتمام بها، حتى عاد أحد شهود العيان وهو كريس ستايلز، وقرر إعادة التحقيق في القضية وسرد جميع الأحداث المتعلقة بها؛ حيث جمع إفادات شهود العيان والتقى بمعظمهم، بل وحاول البحث عن الجسم الغامض الذي سقط في المحيط لانتشاله، أو في الأقل أجزاء منه ولكن كل جهوده باءت بالفشل.
لكن ستايلز جمع كل ما قام به من بحوث حول الحادث ونشر نتائجها في كتابه «الشيء المظلم: حادثة تحطُّم الجسم الطائر مجهول الهوية الوحيدة الموثقة حكوميًا» بالتعاون مع الكاتب دون ليدجر الذي يعد أفضل كتاب تناول حادثة شاج هاربور بجميع تفاصيلها.
سر الغواصين العسكريين والتحركات تحت الماء
من بين من حاول كريس ستايلز لقاءهم لتسجيل شهاداتهم كانوا الغواصين الذين غطسوا تلك الليلة بحثًا عن الجسم المجهول الذي سقط في الماء، ورفض بعضهم الحديث عن الموضوع.
لكن أحد الغواصين ويُدعى هاري كان مصابًا بسرطان الحنجرة، وربما رأى أنه يجب أن يقول ما لديه قبل وفاته، وعلى الرغم من أنه رفض شرح تفاصيل ما شاهده تلك الليلة إلا إنه قال إن ذلك الجسم المجهول «لم يكن من هذا العالم».
بعض الغواصين مع شهود عيان آخرين تحدثوا عن قصة أكثر تشويقًا، وهي أن الجسم المجهول قد تحرَّك مسافة أربعين كيلومترًا تحت الماء ليصل إلى ساحل بلدة شلبورن بالقرب من قاعدة كندية لرصد الغواصات، وتم التقاطه من قبل جسم آخر مجهول أيضًا بعد عدة أيام، حيث شوهدت أضواء أجسام طائرة مجهولة في سماء البلدة مساء يوم 11 أكتوبر (تشرين الأول).
التحليلات والنظريات المفسرة للحادث
إضافة إلى السابق ظهرت كثير من النظريات التي حاولت أن تفسر ما حدث فعليًا في شاج هاربور من بينها أن الجسم المجهول هو مركبة فضائية روسية، أو ربما كان قمرًا صناعيًا سقط قبالة السواحل الكندية وتم انتشاله من قبل غواصة روسية بعد أيام من الحادث، أو أن الجسم المجهول هو سلاح سري مضاد للغواصات تابع للبحرية الملكية الكندية كانت تتم تجربته في المنطقة، وغيرها من التفسيرات والنظريات الأخرى دون أن يصدر أي تأكيد رسمي لصحتها، أو حتى لخطئها من السلطات الكندية.
تكتسب حادثة شاج هاربور أهمية كبيرة بين المهتمين بظاهرة الأطباق الطائرة واحتمال وجود مخلوقات فضائية أو حياة خارج كوكب الأرض، ليس بسبب أنها ربما تكون الوحيدة التي وردت في وثائق حكومية رسمية فحسب، ولكن أيضًا للعدد الكبير من شهود العيان المشهود لهم بالنزاهة والخبرة الذين أدلوا بشهاداتهم حول الحادث؛ ومن بينهم طيارون وشرطيون ورجال البحرية الكندية، وعدد كبير من الأشخاص العاديين الذين ظنوا في البداية أنه حادث تحطم طائرة وهرعوا للإبلاغ عنه طالبين نجدة من كانوا على متنها.
ورغم ظهور كثير من القصص والتفسيرات غير الحاسمة، فإن تلك الحادثة بجميع ملابساتها تؤكد بلا شك أن شاج هاربور قد شهدت حادثًا استثنائيًا.
تظل حادثة شاج هاربور فصلًا مثيرًا ومفتوحًا في ملف الأجسام الطائرة المجهولة، حيث تتداخل الشواهد العسكرية الموثقة مع الروايات الشعبية لتقدم دليلًا ملموسًا على أن ما جرى في تلك الليلة تجاوز حدود التفسيرات التقليدية.
وسواء كان الجسم الغارق يمثل تكنولوجيا بشرية بالغة السرية والتعقيد أفرزتها صراعات الحرب الباردة، أو كان إثباتًا حيًا على زيارة قامت بها مخلوقات فضائية من عوالم أخرى، فإن غياب الرواية الرسمية القاطعة حتى يومنا هذا يضمن بقاء هذه الحادثة الكندية كواحدة من أكثر الألغاز رسوخًا في تاريخ أبحاث الأطباق الطائرة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.