إنَّ بكتابتي هذه الكلمات الأولى في هذا المقال أكون قد انتهيت من معاينة الحلقات الأخيرة من العمل الدرامي "أحلامٌ كبيرة" للمخرج حاتم علي، وتأليف الراحلة أمل حنّا، وهذا ما لم أرجه حقًّا.
فلم أكن أتمنى أبدًا وأنا في منتصف المتابعة أن أصل لنهاية حيَّة ووحيدة لهذا العمل الفنِّي الراقي، ولكن من أخادع، أحيانًا نكتشف أنَّ النهاية والنهاية بذاتها هي من تقبض بعنف على لجام أرواحنا المُلهفة، وإلَّا فماذا يوقف لهفتها إن لم يكن للنهاية وجود.
احترت جدًّا في الحقيقة بماذا عليَّ أن أسمِّي هذا المقال، فكَّرت بأن أسمِّيه "حاتم علي وأحلامه الكبيرة" ولكنَّني خشيت أن أظلم مؤلِّفته أمل حنا في حصري للعنوان بشخص حاتم، فكما سأمدح لاحقًا البصيرة التي أدارها جيِّدًا حاتم في عمله الفنِّي هذا، لا بدَّ أن أقدم الثناء الكبير والسعيد على الراحلة أمل حنَّا، لِبَنان تفكيرها الخلَّاب.
فعلى الرغم من براعة الإخراج وبهائية التمثيل الذي قامت به الفرق الأخرى، تبقى هي العقل والمحرِّك والموقد لألسنة اللهب التي أضاءت الطريق من أول لقطة إلى آخر لقطة، ومن أول مشهد إلى آخر مشهد، ومن أول علاقة إلى آخر واحدة.
اقرأ أيضًا: باسم ياخور وأمل عرفة.. ثنائيات درامية تعيد الكرَّة في دراما رمضان 2025
إنَّ طبيعة المدح التي اكتسبتها للتو أمل لا تعفي حاتم منها ومن جواز الثناء عليه، فكما أمل هي من ألَّفت المسيرة كلَّها، كان حاتم هو من أجهز إخراجها، فاختيار المكان والبيت والأمكنة المتعددة الأخرى وغيرها من اختيار الممثلين والألبسة والحركات، كانت كلها في مكانها وأصابت الهدف بجدارة، وأهمها اختيار الممثلين.
إذ إنَّ حاتم وُفِّق في اختياره طاقم التمثيل بأشخاصه، فكل شخصية في هذا المسلسل أُتقنت وبجدارة من قبل صاحبها، ولا أخفيها عليكم أنَّ الشخصية التي اكتسبت الفضل الأكبر في الإتقان برأيي كانت الماجدة نورمان أسعد في دورها وتأديتها شخصية وفاء التي هي الأخيرة قد اقتطعت الجزء الأكبر من قلبي.
فالاختيار والإعداد والإشراف والإجهاز لهكذا أيقونة فنِّية لم تكن لتتم لولا البصيرة التي كان يتمتَّع بها الراحل حاتم، تلك البصيرة التي رأت في بسام كوسا شخصية الأب وفي سمر سامي شخصية الأم، تلك البصيرة التي مكَّنته من اقتناص الأفضل لتأدية وتقديم الأفضل.
ولا مهرب من القول والإشارة إلى أنَّ من يصنع الممثل بالمجهود الأكبر هو المخرج ذاته لا الممثل، وهذا ما تتم ملاحظته لحظة المعاينة لكل عمل سينمائي أصيل يتبع لحاتم، إذ لم يفشل حاتم أبدًا في إبهار الجمهور في كل عمل أشرف عليه.
ما أعجبني في هذا المسلسل هو أنَّه انعكاس حيٌّ وواضح لطبيعة العائلة العربية الحقَّة، وهذا ما نفتقده في المسلسلات العربية الحالية، فالبيت الذي تم التصوير به والرداء الذي ارتداه عنصر التمثيل باختلافه، والتصوير العاكس للعائلة العربية التي تلتحف بذاتها التحاف الحب والمرض والألم والسعادة هو ما أكسب هذا المسلسل طبيعة التصديق التي تجعلنا نرغب في أن نكسر حاجز الشاشة وأن نقتحم الحياة التي نشاهدها أمامنا ولا نلمسها.
اقرأ أيضًا: إلى أين وصلت الدراما السورية؟
إنَّ المسلسل برأيي لم يكتفِ بهدف التشويق والإثارة أو إمتاع المشاهد فحسب، بل هو امتدَّ أكثر من ذلك لأن يرسل رسائل مختلفة، فعناصر التمثيل القائمة لم تكن بطبيعة علاقاتها المختلفة عنصرًا تلقائيًا تم اختياره بعفوية وحسب، فشخصية سامي تختلف عن شخصية عمر وكلاهما يختلفان عن شخصية حسن، وأمَّا رشيد فعنصره لم يكن برأيي سوى امتداد ضروري لإطالة الوقت والزمن ولم يحمل لي هدفًا ورسالةً كالتي حملتها شخصيات إخوته، ولذلك لن أتكلَّم عن رشيد وسأركِّز على غيره.
إنَّ من طالع المسلسل استنتج في الأغلب بأنَّه قد قام على فترتين، المدّة الأولى التي كان بيدق الوسط فيها شخصية أبو عمر، والفترة الثانية التي أصبح بيدق الوسط فيها عمر ذاته، فلم يكمل أبو عمر محورية دوره طوال المسلسل، كأن ذلك يخبرنا ويظهر لنا الهبوط الفطري لقدرات الإنسان مع كبره في العمر، في حين استلم عمر محورية الحدث في القسم الآخر من المسلسل تباعًا لرشده المستمر والآخذ في النضج أكثر وأكثر.
إنّ شخصية عمر تمثِّل ذلك الشاب العربي العقلاني الذي يفكِّر بعفوية قراراته مليًا قبل اتخاذها، فهذه الشخصية ابتدأت المسيرة بانضباط دراسي عظيم، وبكبوة عقلية لامعة، وكأنَّها تصوِّر الابن المثالي للعائلة العربية السورية، ذلك الابن المنضبط خُلقًا والملتزم دراسة، والموثوق به أمرًا.
ومع ذلك، كان الضحية الأكبر خسارة والأشدَّ كمدًا... لا أعلم... هل لأنَّه أكبر إخوته؟ أم هل لأنَّه سفيه روحه الدمثة الرقيقة الحسَّاسة؟ أم هل لأنَّه شعر بالرجولة في اللحظة التي استوجب أن يشعر بها؟ كل هذه التساؤلات لا تمنع الجزم بأنَّه كان المضحِّي الأكبر في سبيل الحفاظ على العائلة، وفي إزهاق الأحلام التي كان يعاشرها.
إنَّ شخصية عمر تمتلك موجةً هائلة من التعقيد الذي لا مناص من ملاحظته، كأنَّ حاتم يحاول أن يشير إلى أنَّ السوي في المنطقة عليه أن يدفع ثمنًا لانضباطه، أو قد يحاول أن يشير إلى أنَّ الأحلام الكبيرة التي يجرؤ شخصٌ مثل شخصية عمر أن يعتنقها مصيرها الانحدار... ما أعلمه حقًّا أنَّ الأحلام تكون كبيرة بالمسعى لا بالتحقيق، فلذَّة التحديق أشدُّ جنيًا من خيبة التحقيق.
اقرأ أيضًا: من هي الفنانة السورية سلافة معمار؟
أمَّا سامي، فكانت هذه الشخصية هي وشخصية حسن لي عنصريْ مفاجأة لم أتوقعهما أبدًا في أثناء متابعتي، فسامي خلال المدة الأولى كان ذلك الحالم القارئ اللطيف العفيف العفوي، فارس الروايات وسلطان الكتب وبيدق المعاملات، ولهذا فقد توقَّعت أنَّه سيكون أنجح الشخصيات في المسلسل، وظللت على ذلك حتَّى فوجئت بتبعات ذاته في المدة الثانية، فسامي الأمس لم يعد سامي الغد.
كرهت حقًّا الانقلاب الذي آل إليه سامي لاحقًا، فالتربُّص النسوي الذي علق به لم يكن سوى محفِّز خفي لتعزيز أوهام عقله وتخريب تفكيره، ودليل ذلك حينما شهدنا منه تفكيره الذي أنشأه حيال سلمى من تهوُّر ثم تشكيك ثم ترغيب.
ففي البداية ونتيجةً لتربُّصه النسوي تهوَّر وقبل بالزواج من سلمى لأنه اعتاد على مصادقة الفتيات، ونسبة لهذا الاعتياد فقد أدخل نفسه في دوَّامة من التشكيك بماهية سلمى وخلفيتها، ليفكِّر بها لاحقًا على أنَّها ستكون الزوجة التي تمثِّل غطاءً لهوسه في مصادقة الفتيات نسبة لبراءتها.
فكأنَّ الإخراج يحاول أن يخبرنا أنَّ قراءة الكتب لا تعني بالضرورة الاصطفاف اصطفافًا سويًّا حيال الواقع، كأنَّه يخبرنا أنَّ القراءة أمر واستنتاج العبرة عبرها أمر آخر، وهذا ما تم التأكيد عليه من عبارات عمر المستمرة لسامي حينما كان يسأله باستمرار حيال استفادته من كل الكتب التي قرأها.
أما شخصية حسن، تلك الشخصية المتهوِّرة المتعالية، والرافضة للواقع، المتطلِّعة للمستقبل، فكانت أكثر الشخصيات مفاجأةً، ففي بداية الحلقات، شكَّلت الشخصية حجرًا صلبًا من الكره والانعدام والعصيان، لتشكِّل في نهاية الحلقات الياقوتة الألطف والأبرع.
فذلك الشاب الذي تمرَّد على الواقع وعلى العُرف العائلي المتواضع، أصبح بدرجة ساحرة ذلك الرجل الذكي الحالم والناجح، وهذا ما أثار إعجابي وشدَّة تساؤلي في الوقت ذاته، ماذا أُريد بهذه الشخصية أن تمثّل؟ استحالة الاستحالة؟ استحالة الاستحالة في أن ينقلب الإنسان من السيئ إلى الأفضل، أن يُبصر الضعيف نور الشمس، وأن يلتمس العفيف شعاع الحب، وأن يثور المتخبِّط على ضربات المعارك.
أمَّا شخصية وفاء، فقد كانت ذلك الشهاب الخاطف الذي أتى سريعًا وانقضى سريعًا الذي أنار سعادةً وخفُتَ حزنًا... كانت هذه الشخصية برأيي أشدَّ الشخصيات تأثيرًا، فالمسيرة التي رافقت بها شخصية عمر من تعاقد عمل إلى إعجاب ثمّ إلى زواج وانتهاءً بالوفاة كانت المسيرة البرَّاقة التي أضاءت نجومية الإعجاب بداخلنا.
فوفاء لم تكن مجرَّد الصحفية الشرسة، والباحثة النهمة عن قضايا الإعلام ونصوص الجرائد والمجلَّات، بل كانت أيضًا تلك المرأة الرقيقة، الهشَّة حُبًّا، والعاشقة الأبدية التي خلَّدت عشقها لعمر تخليد السنين على الرغْم من قلَّة السنين.
اقرأ أيضًا: دور الدراما السورية في السباق الرمضاني
إنّ اختيار الماجدة نورمان أسعد لشخصية وفاء كان برأيي أنجح الاختيارات وأبرزها، فالبراءة التي تمتَّعت بها الشخصية والانكسار الذي أذاب الجسارة التي تمتَّعت بها، تمَّت تأديتهما بكل جدارة من قبل نورمان، فطريقة حديثها وبكائها وفرحها وخفَّة حركات يدها مثلت البيدق الفاصل بين الحقيقة والحقيقة، لا بين الحقيقة والتمثيل.
ثمّ إنَّ أكثر المشاهد التي كشفت عن شغاف قلبي انكسارًا، هو ذلك المشهد الذي أطلقت فيه وفاء صرخات البكاء ودمعاته الندية أمام شخص عمر وهي تتذوَّق للمرَّة الأولى في حياتها طعم الخيانة أو حتَّى ما يشابهها.
فتلك الدموع التي انهالت لم تكن كافية لتكسر قلبي مقارنةً بتلك المناشدات التي ناشدت فيها عمر شُكرًا وأملًا على السنة التي أمضتها معه وعلى النصف الذي تلاها، حتَّى في أضعف لحظاتها وفي اللحظة التي تفقد بها روحها، تتماسك وتلملم ما تبقَّى من قوَّة لتشكر عمر، فقط لتشكره على الحب الذي أعطاها إياه، وعلى الحب الذي شاركته إياه، متشبِّثةً بهذه السنة والنصف وبضراوة.
سيبقى هذا المسلسل عملًا سينمائيًا خالدًا وبارزًا، يحوِّر القصَّة التي تحملها العائلة العربية الشرقية وفي احتضان دافئ بين الأنفس، ومهما تحدَّثنا عن شخصياته وأدواره ومشاهده، تبقى الألسن عاجزة عن استيفاء الوصف والنقد، ليبقى الباب مفتوحًا كي تُقبل الأرواح لهفةً وتشارك القاسم بينها.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.