جُحا اشهر المجهولين

قد يعتقد الكثيرون أن جُحا شخصية خيالية، اخترعها الناس لترفيه عن أنفسهم، للتخلص من ضيق الحياة ورتابتها، شخصية خيالية وضعت لها النكات، وصنعت لها القفشات، واخترعت لها المواقف المضحكة التي يتسامر الناس بها وعليها.

ولكن الحقيقة غير ذلك تماماً، فجُحا شخصية واقعية وحقيقية، كانت موجودة وعاشت بين الناس، ولكن النوادر والفكاهات التي وردت عنه، هي محل تشكيك وتساؤلات، لأن بعض المؤرخين ذكروا إن أعداءً له هم من وضعها وأشاعها بين الناس.

جُحا لم يكن ملكاً من ملوك المسلمين، ولا عالماً من علماء المؤمنين، ولا قائداً من القواد الفاتحين، ولا من رجال السياسة المرموقين، ولكن اسمه ذاع بين الناس، وصيته علا بين مختلف الأجناس، حتى فاقت شهرة من ذُكر. ولكن في المقابل، لا يكاد الناس يعلمون من سيرته حتى الشيء القليل، رغم كل هذه الشهرة.

هل تعلم أيها القارئ مثلا أن جُحا من التابعين؟ نعم من التابعين الدين عاصروا الصحابة وروا عنهم الحديث الشريف، وهذه منقبة تدفع جُحا لأن يكون من أعلام الأمة ورجالها المعدودين، وقد وضع أحد المعاصرين جزاه الله خيراً، رسالة بعنوان ( جُحا من التابعين فاحفظوا عرضه )، في إشارة إلى حث الناس عن التوقف عن الاستهزاء به، والضحك من كلامه وأفعاله، خاصة وأن أشهر رواة الأخبار من المؤرخين، يقولون أن ما يُروى عن بلاهته وغبائه وحماقته غير صحيح، وسنحاول في هذه الأسطر إنشاء الله تعالى توضيح ذلك .

يقول الإمام الذهبي في كتابه الشهير ( سير أعلام النبلاء ) في ترجمة جُحا : جُحا هو دُجين بن ثابت اليربوعي من البصرة، رأى الصحابي أنس بن مالك رضي الله عنه، وروى عن أسلم مولى بن عباس رضي الله عنهما، وروى عن هشام بن عروة . وروى هنا بمعنى انه روى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن من ذُكر أنه سمع منهم.

وقيل إن أمه كانت خادمة لأم أنس بن مالك، الصحابية أم حرام مليكة بنت ملحان رضي الله عنها، وجُحا لقبه، ويكنى أبو الغصن كما جاء عند الذهبي في كتابه السير، والمقدسي في كتاب معرفة الألقاب، عاش حجا جزء من حياته في مدينة الكوفة، ولم يُعرف تاريخ مولده، وقيل إنه توفي عام 130 هجرية، الموافق لعام 747م، زمن خلافة بني أمية، وعاش جُحا على المشهور أكثر من مئة عام، وعلى هذا يكون مولده حوالي عام 30 هجرية. ضرب به المثل في الغفلة والجنون والحمق، فنسب الى الشاعر عمر بن ابي ربيعة قوله:

دلهت عقلي وتلعبت به ----------- حتى كأني من جنوني جُحا

بخصوص ما ينقل عنه من نوادر وحمق، فيقول مؤرخ الإسلام الذهبي في السير: قال عباد بن صهيب، حدثنا أبوالغصن جُحا، وما رأيت أعقل منه. انتهى كلام الذهبي، انظر كيف أن عباد رحمه الله يذكر جُحا ويشيد بعقله، وكأنه أراد أن ينكر ما يذكره الناس من غفلته وخبله وحمقه. ثم يكمل الذهبي رحمه الله فيقول: لعله – يقصد جحا- كان يمزح أيام الشبيبة، فلما شاخ أقبل على شأنه و أخد عنه المحدثون . وإلى هذا ذهب الإمام الحافظ المقدسي في كتابه ( معرفة الألقاب )، فنقل عن التابعي مكي بن إبراهيم قوله : رأيت جُحا وهذا الذي يقال فيه مكذوب عليه، كان فتىً طريفاً، وكان له جيران مخنثون يمازحونه فيزيدون عليه، وهو – أي جُحا – كان كيَساً ظريفاً. ومن هنا يمكن أن نعرف مصدر هذه الأخبار والقصص والفكاهات التي تُروى عن جُحا رحمه الله.

ويقول العلامة ابن الجوزي رحمه الله في كتابه ( أخبار الحمقى والمغفلين ) عن جُحا : رُوي عنه ما يدل على فطنة وذكاء، إلا أن الغالب عليه التغفيل، وقد قيل أن بعض من كان يعاديه وضع له حكايات والله أعلم .

 ولا أدل على هذه الفطنة التي تكلم عنها ابن الجوزي، والعقل الراجح الذي تكلم عنه عباد بن صهيب كما مرَ بنا، أن تابعي جليل وعالم فاضل ومجاهد شجاع وعلم من أعلام السلف كعبد الله بن مبارك رحمه الله، يروي عن جُحا كما جاء في ( سير أعلام النبلاء )، ولن يروي عنه رجل كابن المبارك، إذا كان فيه ما نقل عنه من الحُمق والغفلة، وذكر الذهبي أن الأصمعي روى عن جُحا، وهذا يبين رجاحة عقله، ويدفع عنه ما اتهم به من حُمق، أما ما أشار إليه الذهبي رحمه الله من أن الإمام النسائي صاحب السنن قال في جُحا : ليس بثقة. فلا تعني ولا تدل على الغفلة والحمق، إنما تدل على عدم الثقة بحفظه، ودهب ابن عدي إلى ما دهب إليه النسائي في كلامه عن جُحا، ولم يزيد عن القول: ما يرويه ليس بمحفوظ، انظر ( سير أعلام النبلاء للذهبي  ترجمة جُحا) .

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

تعليقات

يجب أن تكون مسجل دخول لإضافة تعليق.

نبذة عن الكاتب