مواليد التسعينيات والألفين الذين ترعرعوا على برامج سبيستون المتنوعة، من سالي إلى ريمي إلى ساندي بل والمقاتل النبيل والحديقة السرية والنمر المقنع وسيمبا وغيرهم، وكانوا المعنيين بعبارة: شباب المستقبل كبروا جميعًا واكتشفوا أن مفاهيم للبطولة والوفاء والقوة تختلف كثيرًا عما رأوه واعتنقوه من البرامج.
في عهد الأصدقاء حين كان روميو البطل المضحي المفدى الذي يضع نفسه ومستقبله وحياته كلها على المحك لأجل ألفريدو وعصابة المدخنين في مواجهة المؤذين من عصابات ميلانو. وريمي التي تحذو حذوه، فتسخر نفسها لتغيير طبائع الأصدقاء الذين تتعرف عليهم عند كاسبر، وتجعلهم يعتنقون الخير والعدل ويبتعدون عن السرقة، ويكون الأمل لصيقًا بها لا ينفك عنها مهما عصفت بها الرياح، وتختم حكايتها بنهاية سعيدة مشرقة عندما تلتقي بوالدتها أخيرًا، بعد تعب وعناء ومشقة.
كذلك المقاتل النبيل أكيرا الذي كان قاهرًا للأشرار في كل مكان، لا يتوانى عن التضحية بنفسه لأجل نصرة المظلوم وإنقاذ أصدقائه من قبضة المنظمات الخبيثة.
وماري في الحديقة السرية وهي تسخر طاقتها ووقتها وجهدها لإعادة إحياء الحديقة الميتة، وإخراج ابن عمها من القوقعة التي يقبع فيها، وإصلاح علاقة عمها مع صديقه المقرب ومع ماضي زوجته الذي تمثله الحديقة. كذلك سالي بتسامحها العجيب، وصبرها الهائل عندما تنتهي مأساتها باستعادة ممتلكات والدها ثم مسامحة مديرة المعهد والزميلة التي تأذت منها كثيرًا. واختيارها الاستمرار في الدراسة في المعهد رغم ما عانته فيه.. إلخ.
هذه القصص وغيرها التي شاهدناها وسحرتنا القيم المبثوثة فيها، وخشعنا أمام التلفاز في مواقيت محددة لا تسقط أهميتها ظرف ولا حال ودون أن يرف لنا جفن أثناء متابعتها ننتظر النهايات السعيدة، وانحلال العُقَد المتينة، وتغلب الخير على الشر في النهاية؛ فاعتنقنا دون وعي ولا قصد أفكارها.
كبرنا لنؤدي دور البطولة في قصص الآخرين ناسين قصتنا الشخصية، مندفعين بمبدأ التضحية والإيثار والاهتمام، وبحث خفي عن وسام البطولة وتصفيقات الإعجاب من المحيطين، واكتشفنا بعد خسائر كثيرة أن كل شخص هو بطل في قصته، ونحن لسنا سوى شخصيات ثانوية لها أدوار محددة تنتهي بانتهاء أهميتها ووظيفتها.
كانت الصفعة قاسية عندما أدركنا أن التضحية إذا زادت عن الحد الوسطي المتاح لها، تصبح مصدر احتراق وأذى لصاحبها ولمن حوله أيضًا. ثم إن العفو ليس دليل قوة دومًا، قد يكون نابعًا من خوف دفين يحول دون قدرة صاحبه على انتزاع حقه. والتنازل والتسامح لهما حدودهما التي لا يجب أن يتجاوزها، ويشتبكان مع القوة والقدرة على فعل العكس، لأنه لو حصلا عن ضعف وزادا عن الحد يصبح فاعله ذليلًا بلا كرامة ولا كبرياء ولا حضور.
وعن النهايات السعيدة، كدحنا كثيرًا وسعينا وسرنا مسافات طويلة تورمت فيها الأقدام، واهتزت النبضات، وجحظت الأعين وهي تنتظر الثمار والنتائج العظيمة، فكانت المفاجأة أن سنن الحياة لا تضمن لأحد نهاية مرضية لأفعاله. وأن الأصل في العيش السوي هو الفعل والسعي والحركة، وهو ما يؤجر عليه صاحبه. أما النتيجة والثمرة فليس شرطًا أن تُحصَّل في وقتها وبالطريقة التي نريدها.
ثم إنه ليس دومًا تكون الغلبة للخير، قد يغلب الشر في جولات كثيرة، وتنتهي قصص عدة بنهايات بائسة مؤلمة، يشبع فيها أهل السوء من امتصاص مشاعر غيرهم ويُمهَلون في هذه الحياة دون أن يعاقبوا؛ لأن الأصل أنه بعد الموت هنالك حياة أخرى يعاد فيها ترتيب المواقف والمشاهد والمظالم، وهناك ترى نتائج السعي، وتبرز النهايات السعيدة، أما في هذه الدنيا، فالعدل ليس دومًا حاضرًا.
واقع الحياة يختلف كثيرًا عن الرومانسية التي نشاهدها في برامج الكرتون والأفلام والأساطير، يحتاج إلى فهم تفصيلي له، ومرونة نفسية، ومهارات أساسية تعين على مواجهة المطبات والأزمات. ومن لم يدرك هذه الحقيقة مبكرًا، سيتشربها بتجارب صعبة ومؤلمة؛ لذلك يعاني زمننا اليوم من تشنجات في العلاقات، وأزمات في التعامل مع التحديات تعصف به عصفًا شديدًا، من نتائجه امتلاء الساحة بمن يعدون أنفسهم ضحايا حسن الظن والإحسان، ويقرؤون في هذا العالم القبح واللؤم والأذية. وكثيرًا ما يكون سبب ذلك خطأ في ترتيب الأولويات.
ليس كل من تسبب في الأذى لغيره شريرًا، قد يكون عامرًا باعتقادات مثالية لا تنطبق على الحياة التي نعيشها. كما قد يسيء مع أنه أراد أن يحسن!
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.