يمثل جول فيري (Jules François Camille Ferry) أحد أبرز أعلام الحضارة الفرنسية الغربية في القرن التاسع عشر، ويعد صورة حية للازدواجية الفكرية التي سادت في عصر الجمهورية الفرنسية الثالثة. لقد كان جمهوريًّا متحمسًا ومؤسسًا للمدرسة الحديثة، لكنه كان في الوقت نفسه مهندسًا للاستعمار ومتحدثًا صريحًا باسم الأفكار العنصرية، هذا التناقض الجذري في سيرة جول فيري يجعله شخصية محورية في فهم كيف وظف الغرب قيمه العقلانية لتبرير الاستغلال والسيطرة.
جمع فيري بين الإصلاح التعليمي العميق والتوسع الاستعماري المثير للجدل، فقد أسس نظام التعليم المجاني والعلماني والإجباري، ليبقى أثره حاضرًا في المدرسة الفرنسية حتى اليوم، لكنه في المقابل كان من أبرز منظري الاستعمار في إفريقيا وآسيا، مؤمنًا بتفوق العرق الأوروبي على غيره. هذه الازدواجية الفكرية بين قيم التنوير وقسوة الاستعمار تجعل دراسة جيل فيري نافذة لفهم تناقضات الحضارة الغربية الحديثة.
سيرة جول فيري وتأسيس الجمهورية الثالثة
جول فيري 1893- 1832-Jules François Camille Ferry سياسي فرنسي، وهو جمهوري متحمس، وكان ماسونيًا، ويصنفه بعضهم ملحدًا لأنه كان يعارض سلطة الكنيسة.

يُعد من أبرز الشخصيات السياسية في تاريخ الجمهورية الفرنسية الثالثة، درس القانون، وبدأ عمله محاميًا في باريس عام 1854. وفي هذه المدة، كتب مقالات سياسية واجتماعية في صحف فرنسية غدة، من أبرزها صحيفة لوتان le temps، وفيها عبَّر عن آرائه المناصرة للجمهورية ومعارضته لنظام نابليون الثالث، فهاجم الإمبراطورية الثانية هجومًا لا هوادة فيه؛ وكان هذا بداية الطريق لدخوله الحياة السياسية من باب واسع.
مسيرة فيري السياسية ومناصبه الحكومية
انتخب نائبًا جمهوريًا معارضًا في مايو 1869، في أثناء الإمبراطورية الثانية، مناضلًا ضدها. وانضم بداية إلى حزب اليسار الجمهوري من عام 1870 إلى عام 1885، فكان عضوًا في هذه المجموعة البرلمانية التي جمعت الجمهوريين المعتدلين لصالح جمهورية برلمانية.
ثم التحق بالجمهوريين التقدميين من عام 1885 إلى عام 1889، وهذا الفرع هو الأكثر محافظة في المعسكر الجمهوري، وكان يدعو إلى سياسة أكثر حذرًا ومؤسسية.
شغل جول فيري مناصب عدة سياسية مهمة خلال الجمهورية الفرنسية الثالثة، فبعد سقوط الإمبراطورية الثانية خلال الحرب الفرنسية البروسية في 4 سبتمبر 1870، شارك على نحو فعال في تأسيس الحكومة المؤقتة. وعُيِّن محافظًا لمقاطعة السين Le préfet de la Seine (ما يعني والي باريس وضواحيها) من 6 سبتمبر 1870 إلى مارس 1871؛ فأدار مدينة باريس في أثناء الحصار البروسي لها.
شغل منصب وزير التعليم العام والفنون الجميلة -أي وزير التربية والثقافة- في أول مرة من 4 فبراير 1879 إلى 23 سبتمبر 1880، فمنصب رئيس مجلس الوزراء -بمعنى رئيس الحكومة أو الوزير الأول- في المرة الأولى من 23 سبتمبر 1880 إلى 10 نوفمبر 1881، فجمع منصبي رئيس مجلس الوزراء ووزير التعليم العام في المرة الثانية لكليهما من 21 فبراير 1883 إلى 6 إبريل 1885.

ثم جمع منصبي الوزارة الأولى ووزارة الشؤون الخارجية من 7 يناير 1885 إلى 6 إبريل 1885. وقد اضطر إلى الاستقالة بعد الحرب الصينية الفرنسية عام 1885 بسبب عدم شعبيته وموقف الرأي العام المناهض للحرب.
فقد ترأس مجلس الوزراء مرتين، وتولى وزارتي التعليم مرتين والشؤون الخارجية مرة واحدة. وفي سنة 1887 ترشح لرئاسة الجمهورية، لكن الراديكاليين رفضوا دعمه، فانسحب.
عُيّن عضوًا دائمًا في مجلس الشيوخ، فشغل المنصب مدى الحياة من 1889 إلى 1893.
الوجه المشرق: جول فيري مصلح التعليم ومؤسس المدرسة الجمهورية
أصلح جول فيري إصلاحًا جذريًّا كبيرًا للنظام التربوي الفرنسي لا تزال معالمه قائمةً حتى اليوم؛ لذلك يُعد أب المدرسة الجمهورية، فبنى التعليم المجاني والإجباري وعمَّمه على الجميع. وهو مؤسس المدرسة العلمانية، فقد وضع قانونيه اللذين يحملان اسمه واللذين أقرَّا التعليم الإجباري والمجاني والعلماني. فاعتمد قانون مجانية التعليم بتاريخ 16 جوان/ يونيو 1881، وقانون علمانية التعليم وإجباريته بتاريخ 28 مارس 1882؛ وذلك لمكافحة الأمية وتنشئة مواطنين متمدنين متعلمين وأوفياء لقيم الجمهورية ولتقليل تأثير الكنيسة على التعليم ولتنشئة اجتماعية توحد البلاد منذ الصغر. وقد عُدَّ من مؤسسي هوية المواطنة الجمهورية والمدرسة الحديثة الفرنسيتين.
الوجه المظلم: جول فيري مهندس الاستعمار ومنظّر التفوق العرقي
كان استعماريًّا متشددًا؛ فهو من أبرز راسمي السياسة الاستعمارية الفرنسية في الجمهورية الثالثة، ومن أكبر مهندسي التوسُّع الاستعماري الفرنسي. فأسهم في استعمار تونس ومدغشقر والكونغو والنيجر، وسأفصِّل الكلام على استعمار تونس البلد العربي المسلم.

فقد كان لجيل فيري -بصفته رئيسًا لمجلس الوزراء الفرنسي- دور حاسم في فرض الحماية الفرنسية على تونس عام 1881 متذرعًا بالأحداث على الحدود الجزائرية التونسية، إذ وقعت بعض الصدامات بين القبائل، فأمر بغزو الأراضي التونسية؛ ما أدى إلى توقيع معاهدة باردو في 12 ماي 1881، التي جعلت تونس محمية فرنسية؛ وقاية لها من أطماع القوى الأوروبية الأخرى خاصة إيطاليا، وتعزيزًا لنفوذ فرنسا في شمال إفريقيا.
وفي عام 1882، وبصفته وزيرًا للتعليم العام في فرنسا، قرر فيري إرسال بعثة علمية لاستكشاف إيالة تونس، وتكوَّنت هذه البعثة من عدد من العلماء والباحثين في مجالات متعددة تمهيدًا لترسيخ السيطرة الفرنسية عليها. وكان الهدف منها دراسة الموارد الطبيعية والثقافية.
وقد أسهمت نتائج هذه البعثة في رسم خرائط مفصلة لتونس، وتوثيق كثير من المواقع الأثرية والمعالم الجغرافية، ونقل كثير من القطع الأثرية إلى متاحف فرنسا ودراسة التنوع البيئي في تونس، ما ساعد على معرفة الموارد الطبيعية التي يمكن استغلالها في الفلاحة.
ووثَّقت بعض العادات الاجتماعية والدينية جزءًا من مشروع السيطرة الثقافية، واستُخدمت هذه الدراسات لتسهيل الإدارة الاستعمارية الفرنسية وللترويج لفكرة أن فرنسا جاءت لتنقذ تونس وتراثها، ومكَّنت أيضًا من تحديد مواقع الثروات الطبيعية كالفوسفات والحديد لاستخراجها، والأراضي الزراعية الخصبة لتوطين المستعمرين فيها.
فوَظَّف العلم الذي أنتجه الغرب في التمدد الاستعماري. وقد ارتبط اسمه برؤيةٍ استعماريةٍ مثيرةٍ للجدل، قائمةٍ على عنصريةٍ ميَّزت جملة من أعلام عصره تتصرف فيها السلطة الاستعمارية بطريقة حمائية وقائية واستبدادية تجاه المستعمَرين يُقيِّد فيها اختياراتهم، وكذلك قرارات الباي وأعوانه باعتبار أن فرنسا أعلم وأدرى بمصالحهم وبخيرات بلادهم.
وشارع الحبيب بورقيبة الذي يُعد أهم شوارع مدينة تونس، كان يحمل اسم جول فيري في عهد الاستعمار الفرنسي من عام 1900 حتى الاستقلال، لعله اعترافًا من السلطة الاستعمارية الفرنسية بجميله وتقديرًا لجهوده في بسط النفوذ الفرنسي على تونس.
صدام فيري مع المعارضين لأفكاره
منحت الجمهورية الثانية الجماعات الدينية حرية كاملة في تنظيم قطاع التدريس. فحاول فيري تنظيم التعليم والشأن العام دون اللجوء إلى رجال الدين، وعمل تقليص نفوذهم، ودعم فصل الدين عن الدولة، فتصادم مع الكنيسة. وكان معارضًا للملكيين والكاثوليك المتشددين، ومدافعًا عن الدولة العلمانية. وقد نكَّل بالمخالفين ودعم الجمهوريين في مناصب حساسة.
فنفَّذ فيري حملة تطهير واسعة النطاق للمناصرين للملكية، فطرد كثيرين من مناصبهم العليا في القضاء والجيش والخدمة المدنية والدبلوماسية. وفي التعليم العالي، تضاعف عدد الأساتذة ذوي التوجه الجمهوري، الذين أطلق عليهم لقب «فرسان الجمهورية السود» في عهد وزارته.
وكان فيري يؤمن بأن الطريق إلى فرنسا الحديثة والمزدهرة يكمن في انتصار العقل على الدين، فاقترح القضاء على نفوذ رجال الدين في الجامعات وإلغاء الرهبانيات الدينية غير المرخصة، وفي 29 مارس 1880 أصدر وزير التعليم العام، جيل فيري، مرسومين يأمران اليسوعيين بترك التدريس خلال ثلاثة أشهر.
خطاب جول فيري الذي كشف كل شيء (تحليل خطاب 28 يوليو 1885)
في خطاب ألقاه عن سياسته الاستعمارية أمام مجلس النواب في 28 جويلية 1885، قال: «وإذا كان إعلان حقوق الإنسان قد كُتب لسود إفريقيا الاستوائية، فبأي حق ستفرض عليهم المبادلات والمعاملات التجارية؟». لعله يقصد أن هذه الشعوب يجب ألا تحظى بحقوق الإنسان؛ لأن ذلك يحرم فرنسا والدول الأوروبية من حق استغلالها.
وقال فيه أيضًا: «الأجناس المتفوقة التي هي أرفع مقامًا لها حق على الأجناس السفلى... أكرر أن لها حقًّا، لأن عليها واجبًا. عليها واجب تحضير الأعراق الدنيا وتمدينها». فهو يبرر الاستعمار بأنه ينقل الحضارة من مجتمعات متقدمة إلى أخرى متخلفة. ولكنه يظن أيضًا أن امتلاك بلده التقدم الصناعي يجعل شعبها أرقى من أجناس لم تصلهم التكنولوجيا الحديثة.
وأضاف قائلًا: «هل تستطيع أن تنكر، هل يستطيع أحد أن ينكر أن هناك مزيدًا من العدالة، ومزيدًا من النظام المادي والأخلاقي، ومزيدًا من المساواة، ومزيدًا من الفضائل الاجتماعية في شمال إفريقيا منذ أن احتلتها فرنسا؟». يعني أنه لم تجلب فرنسا لتونس والجزائر فقط التقدم المادي بل الأخلاقي أيضًا، مع العلم أن تونس يوم خطابه لم يتجاوز استعمارها الأربع سنوات ونيفًا. فهو يتخيل أمورًا يريدها ويكذبها الواقع. وهل استغلال الثروات الطبيعية لهذين الوطنيين جلب لهما تقدمًا أو ثروة؟ وسنجده في موضع آخر من الخطاب يبرر التوسع الاستعماري الفرنسي بأنه يحل مشكلة للسلع الفرنسية المكدسة فيجد لها منافذ تصدير، خاصة أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية وألمانيا بالذات تضع الحواجز أمام المنتجات الفرنسية. فما دلالة هذا التناقض في كلامه؟ وارتقب هذا التناقض في مواطن أخرى من خطبته. وما الفضائل السامية والأخلاق العالية التي جلبتها فرنسا لتونس والجزائر الغنيتين بإسلامهما وأصالتهما؟
وقال: «أن نشع دون أن نفعل شيئًا، دون أن نتدخل في شؤون العالم، وننعزل عن كل السياسات الأوروبية، ونعتبر أي توسع نحو إفريقيا أو الشرق فخًا ومغامرة، أن نعيش بهذه الطريقة، بالنسبة لأمة عظيمة، صدقوني، هو تنازل عن العرش، وفي وقت أقصر مما تتصورون، هو هبوط من المرتبة الأولى إلى الثالثة أو الرابعة. لا أستطيع، أيها السادة، ولا أحد، حسب ظني، يستطيع أن يفكر في مثل هذا المصير لبلدنا». فهو يرى أن الاستعمار ضروري لبلده حتى تبقى متقدمة.
وقال: «تشكِّل المستعمرات الاستثمار الأكثر فائدة لرأس المال بالنسبة إلى الدول الغنية... ومن هذا المنطلق، أكرر، فإن تأسيس مستعمرة هو إقَامَة منفذ (تصدير)». ويعني بذلك أن الاستعمار له فائدة اقتصادية كبيرة لبلاده.
وقال: «انظروا إلى خريطة العالم... وقولوا لي، أليست هذه المراحل الاستعمارية في الهند الصينية ومدغشقر وتونس ضرورية لسلامة ملاحتنا؟»، ما يعني أنه لا يمكن لفرنسا أن تعيش بدون استعمار.
صوت العقل: معارضة جورج كليمنصو
من المهم الإشارة إلى أن أفكار جول فيري عن الاستعمار لم تمر دون تحدٍ داخل فرنسا نفسها. فقد وقف خصمه السياسي اللدود، جورج كليمنصو، ليرد عليه في البرلمان في جلسة تاريخية، ويفند منطقه العنصري قائلاً: «أجناس متفوقة؟ أجناس أدنى؟ هذا كلام يقال بسرعة! أنا شخصيًّا أرفضه منذ أن رأيت علماء ألمان يثبتون علميًّا أن فرنسا يجب أن تُهزم في الحرب ضد ألمانيا لأن الفرنسي من عرق أدنى، لا، لا يوجد حق لما يسمى بالأمم المتفوقة على الأمم الدنيا». كان هذا الرد القوي شهادة على وجود تيار آخر داخل الفكر الفرنسي يرفض التبريرات العنصرية للاستعمار.

الإرث المتناقض: كيف نتذكر جول فيري اليوم؟
فلفيري وجه مشرق ينير بلده، وإن كان له فيه أعداء ومناوئون يرفضون هذا النور والضوء ولا يرونه نورًا، ووجه مظلم ينشر الظلام والظلم في آسيا وإفريقيا. لم يحصل إجماع على أفكار فيري، فقد انتقد في أثناء حياته ولا يزال يُنتقد بسبب أفكاره الاستعمارية ونظرته العنصرية تجاه الشعوب المُستَعمَرة. برر الاستعمار باعتباره مهمة حضارية ولكنه في حقيقة الأمر حروب لا حد لها واستغلال للآخر بحجة تصدير السلع وفرض القوة.
أفكار جيل فيري ومبادئه ليست من اختراعه، فقد سبقت دولٌ مثل الولايات المتحدة إلى إرساء نظام التعليم العام المجاني والإجباري، وعلمانية التعليم التي تميز النظام التربوي الفرنسي ليست كذلك وليدة تفكيره أيضًا. وقد ساعدته مختلف المناصب الحكومية التي تولاها وجرأته وتحويله هذه المبادئ إلى القوانين المختلفة في جعل هذه الإصلاحات مكاسب وطنية مستدامة. فإرثه لا يزال حيًا في نظام التعليم الفرنسي.
وفاة جول فيري
توفي فيري في 17 مارس 1893 في باريس عن عمر ناهز 60 عامًا، وكان سبب الوفاة هو نوبة قلبية أو ما يُعرف طبيًا باحتشاء عضلة القلب (Infarctus du myocarde). وقيل بسبب مضاعفات الرصاصتين اللتين أصابتاه في 10 ديسمبر 1887، وطالتا قلبه، عندما حاول نيكولا ألفونس أوبيرتان Nicolas-Alphonse Aubertin اغتياله.
هل يمكن أن يجتمع في عقل وقلب قيم الثورة الفرنسية والديمقراطية والجمهورية وما يقوم به من قرع طبول الحرب في كل مكان واحتقاره للمستعمَرين واستغلاله لخيرات الشعوب وسحقها؟ أم أن هذه الأفكار المتباينة والمتناقضة تترابط في قلبه وعقله برابط مصالح فرنسا. وهل ما منَّ الله به عليك من خيرات ورقي يدفعك أن ترى نفسك أفضل من الذين تسحقهم كالحيوان المسخر أو العبيد الذين لا حق لهم؟ قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ سورة الحجرات: الآية 13.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.